توّج القرار 1757 سلسلة قرارات دولية وضعت قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري على مفترق طرق، متعدد الاحتمالات ومتنوع الوسائل، ورغم ان الهدف المعلن على الأقل هو واحد، فإن ما ينذر ويلوح في الأفق ربما يكون غير ذلك، فماذا في القرار 1757؟ وما هي بيئته القانونية والسياسية؟ وما هي تداعياته المحلية والاقليمية؟ وهل ستتمكن المحكمة في النهاية من تقديم إجابات وبالتالي أحكام على سيل من الأسئلة الملتبسة الطويلة والمتنوعة بتنوع الأطراف المشاركين فيها؟ ففي الشكل أولا يمكن تسجيل عدة ملاحظات أبرزها:
ـ أتى القرار 1757 مقتضبا ومرتكزا على سيل من القرارات الدولية ذات الصلة بالموضوع الأساس بدءا بالقرار 1595 الذي أنشأ لجنة التحقيق الدولية، مرورا بالقرارات 1636 و1644 و1664 وصولا الى ,1748 اضافة الى عدد من المذكرات والمراسلات والتقارير ما يوحي ان ثمة محاولة للربط والوصل بين جميع عناصر القضية من وسائل اجرائية وموضوعية تهدف في النهاية لتكوين شبكة دفاع قانونية للبيئة التي ستنطلق منها المحكمة لجهة التأسيس والتكوين وصولا للإجراءات والأحكام.
ـ حاول نص القرار ان يكون متوازنا لجهة الارتكاز القانوني في الشق اللبناني المتعلق بالأسباب الموجبة لنقل موضوع الإقرار الى مجلس الأمن وبالتحديد الفصل السابع، فالقرار أشار «الى الإحاطة التي قدمها المستشار القانوني ـ للأمين العام للأمم المتحدة ـ في الثاني من أيار 2007 والتي لاحظ فيها ان إنشاء المحكمة عن طريق العملية الدستورية تواجه معوقات جدية، لكنه لاحظ ايضا ان جميع الأطراف المعنية جددت تأكيد اتفاقها المبدئي على إنشاء المحكمة». فالقرار وان أقر بإجماع اللبنانيين على مبدأ إنشاء المحكمة لم يشر الى الأسباب الحقيقية لعدم إقرارها في المؤسسات الدستورية اللبنانية إلا عرضا عند الإشارة الى مذكرة الأغلبية النيابية مع إغفال تام للمذكرة المقابلة المتعلقة بتحفظات المعارضة على مشروع النظام الأساسي للمحكمة، كما ان ثمة لغطا والتباسا كبيرين حصلا في موضوع عرض مذكرة رئيس الجمهورية على مجلس الأمن في أثناء المداولات التي جرت قبيل صدور القرار .1757
ـ تمت إعادة التركيز على ذكر الارتكاز على الفصل السابع في صدور القرار «.. يتصرف بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ويقرر..»، رغم استناده على مجموعة قرارات سابقة صُنفت ضمن الفصل السابع، ذلك في معرض التأكيد على لزوم ما لا يلزم.
ـ ثمة تعدد في تسمية المحكمة في نص القرار رغم اختلاف انواعها وسبل تشكيلها وتكوينها وآثارها، فتارة تورد تحت اسم «إنشاء محكمة ذات طابع دولي» وتارة تذكر «إنشاء محكمة خاصة للبنان» وتارة اخرى «المحكمة الخاصة». ولكل واحدة منها دلالاتها وخلفياتها الخاصة.
ـ وفي الشكل ايضا لكن له من الدلالات الكثيرة الفارقة ان القرار لم يصدر بإجماع اعضاء مجلس الأمن الدولي وهي سابقة في هذه القضية بالذات، فجميع القرارات السابقة وكذلك بيانات رئاسة مجلس الأمن ذات الصلة صدرت بالإجماع، علاوة على أن ثمة إصرارا واضحا قد جرى على الإجماع باستثناء هذا القرار الذي يبدو وكأنه رُتب على عجل، ففي حسبة بسيطة تظهر ان الخمس دول التي لم تصوّت على القرار تشكل عمليا نصف سكان الكرة الأرضية.
وإذا كان ثمة ملاحظات في الشكل على نص القرار، فإن العديد منها يمكن ان تسجل في مضمون القرار والتي سترتب مظاهر وتداعيات وسلوكيات لبنانية واقليمية مختلفة لاحقا، ما يؤثر على جوهر القضية نفسها وهي كشف قتلة الرئيس رفيق الحريري، ومن بين هذه الملاحظات:
ـ لقد وُصفت جريمة الاغتيال بالعمل «الارهابي» وهي وردت أربع مرات في متن القرار. وعلى الرغم من ان هذه الجريمة تعتبر من أبشع الجرائم وأكثرها أثرا وتداعيات، فثمة خلاف دولي واضح وفي الأمم المتحدة تحديدا على التعريف والتوصيف والتكييف القانوني للعمل الارهابي، فكيف يمكن توصيف هذه الجريمة بالارهابية استنادا الى معايير غير موجودة في الأساس او غير مُتفق عليها في الأعراف والقوانين الدولية ذات الصلة.
وعلى الرغم من حجم ودور وموقع الرئيس رفيق الحريري في السياسات المحلية والاقليمية والدولية، ثمة مفارقة وسابقة ان اتخذ مجلس الأمن الدولي قرارا وفي الفصل السابع تحديدا ودون إجماع أعضاء المجلس اعتبر فيه: «ان هذا العمل الارهابي والآثار المترتبة عليه يشكل تهديدا للسلام والأمن الدوليين».
ثمة لبس في توصيف القرار على انه فعلا في الفصل السابع أم لا، ففي النص يصنف مجلس الأمن القرار نفسه في الفصل السابع الذي لا يستلزم موافقة الاطراف المعنية فيه لتطبيقه، بينما في بعض الصياغات يتم اللجوء الى عبارات ومصطلحات يبقى للحكومة اللبنانية امر البت في بعض المسائل على سبيل المثال الفقرة (ب) من المادة (1): «... اذا أبلغ الأمين العام ان اتفاق المقر لم يبرم...، فإنه يحدد موقع مقر المحكمة بالتشاور مع الحكومة اللبنانية، ويكون ذلك رهنا بابرام اتفاق مقر بين الأمم المتحدة والدولة التي ستستضيف المحكمة». فمن جهة ان تحديد المقر سيتم «بالتشاور» اي ثمة رأي للدولة اللبنانية وان لم يكن ملزما وهذا ما يتناقض مع مرامي وغايات الفصل السابع للميثاق الأممي، بيد انه في المقابل ربط موضوع مقر المحكمة باتفاق بين الأمم المتحدة والدولة المضيفة بمعنى ان عملية التشاور يمكن ان تبقى قائمة حتى إبرام الاتفاق بين الأمم المتحدة والدولة المضيفة. وفي نفس السياق ايضا المادة (2) التي تشير الى: «يطلب الى الأمين العام ان يتخذ، بتنسيق مع الحكومة اللبنانية عند الاقتضاء، الاجراءات والتدابير اللازمة لإنشاء المحكمة الخاصة في موعد قريب» اي «التنسيق» و«عند الاقتضاء» وهي أقل مرتبة من التشاور اذ ان التنسيق يتم عادة في المسائل الاجرائية التي تم إقرارها في الأساس وكذلك الاقتضاء اذا كان ثمة حاجة لذلك.
ـ وعطفا على ما سبق قوله، ان اقرار القرار 1757 وفقا للفصل السابع يشكل سابقة لجهة حلول مجلس الأمن محل السلطات التشريعية للدول في مجال إبرام المعاهدات الدولية، وهي قضية مخالفة للميثاق الأممي، وأمر من شأنه حيازة مجلس الأمن في الوقت نفسه على مسارين ينبغي ان يكونا غير مرتبطين في جهة واحدة وهما اتخاذ أمرين تقريري وتنفيذي في آن معا. إذ ان اجراء كهذا أمر من شأنه التدخل في مسائل من صميم سيادات الدول وبخاصة القضايا التشريعية وإبرام المعاهدات ومجالسها والتي توصف في علم القانون الدستوري على ان هذه المجالس التشريعية تعتبر أم المؤسسات الدستورية في الدول وتسمو على ما عداها من سلطات باعتبارها تمثيلا مباشرا للشعب. وعندها ستفسح المجال أمام عرف يقضي بالتدخل لاقرار قوانين ومعاهدات ولو اختلف عليها اصحاب الشأن الداخليون.
وإذا كانت هذه الملاحظات السالفة الذكر توجه الى القرار شكلا ومضمونا، فما هي خلفياته وتداعياته المستقبلية؟ وفي هذا الاطار ندرج بعض أهمها:
ـ ان مسألة نظام المحكمة مفصولة من الناحية الوظيفية عن الاتفاقية الثنائية الموقعة بين الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة المطلوب إبرامها فالأمران مرتبطان بهدف واحد وهو جلاء الحقيقة وتبيانها في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فصحيح ان نظام المحكمة هو بمثابة الآلية التي يمكن اصدارها بطريقة اخرى غير مقررة في الأساس حصرا بالمؤسسات الدستورية اللبنانية وهذا ما انطوت عليه جملة القرارات الصادرة والمؤسسة للمحكمة ونظامها الأساسي كالقرارات 1595 و1644 و1664 وجميعها مدرجة ضمن الفصل السابع، وصحيح ايضا ان إقرار المحكمة في الفصل السابع يمكن ان يكون متدرجا وليس بالضرورة البدء في المادة (42) وما يليها اي استعمال القوة بوجه من يعرقل سير عملها او لا يتجاوب مع متطلباتها او آليات اجراءاتها. الا ان الصحيح ايضا ان التدرج في فرض العقوبات الزاجرة في الفصل السابع أتى في سياق «حتمي» لا اختياري او استنسابي وهو مرتبط اولا وأخيرا بالمزاج السياسي الدولي ومن يتحكم به في دهاليز مجلس الأمن الدولي. إذ ليس ثمة سابقة دولية اتخذت في مجلس الأمن وفقا للمادة (41) مثلا والقاضية بالحصار البحري والبري وقطع العلاقات الدبلوماسية الا واستكملت باجراءات عقابية عسكرية لاحقة، وكأنه يمكن القول ان المادة (41) وضعت لالتقاط الأنفاس وتنظيم الأوضاع والأجواء قبل اللجوء الى العقوبات العسكرية وفقا للمادة (42). وعليه يمكن القول ان المآل الأخير لهذه الخطوة ليست برأينا سوى مقدمة لإمكانية استعمال القوة ضد من يعنيهم الأمر.
ـ وان بدا مجلس الأمن قد حافظ على الصيغة الأساسية لنظام المحكمة التي لم تقر في الأطر الدستورية اللبنانية، فان المضي به وفقا لهذا الشكل من الإقرار يعني فيما يعنيه إبقاء آلية التنفيذ اللاحقة غير محددة عمليا، فكيف يمكن مثلا إجبار طرف لبناني او غير لبناني لن يتعاون او يتجاوب مع متطلبات المحكمة على الرضوخ؟ ان الجواب ببساطة استعمال القوة فمن سيستعملها في هذه الحالة السلطات اللبنانية ام غيرها؟ وإذا كان الأمر متعلقا بلبنانيين وتطال رموزا معينة كيف سيتم التعامل مع هذه القضية؟ واذا كان الأمر متعلقا بغير لبنانيين هل ستكون السلطات اللبنانية هي مشروع صِدام مع دول اخرى؟ واذا كان ثمة نية باستعمال الأمم المتحدة لقواتها الموجودة في جنوب لبنان مثلا وسيلة متاحة لتنفيذ متطلبات المحكمة فما هو مصير هذه القوات نفسها وكيف سيكون التعامل معها من بعض الأطراف اللبنانيين؟
ـ بات من الواضح جدا ان الاسراع في نقل المحكمة الى مجلس الأمن وإقرارها ضمن الفصل السابع في هذه الظروف تحديدا هو تدويل الوضع اللبناني برمته، وفتحه على احتمالات كثيرة من الصعب التنبؤ بنتائجها وتداعياتها القريبة والبعيدة الا ان اقل ما يقال فيها وضع لبنان على لائحة الاستثمارات السياسية الاقليمية والدولية وإعادته الى أجواء سني الحرب الماضية التي باتت محفورة في ذاكرة اللبنانيين.
ـ ان إقرار المحكمة بهذا الشكل يعني ان القوى الخارجية الفاعلة في هذه القضية وضعت اللبنانيين امام مبدأ الغالب والمغلوب وهي صيغة غالبا ما كلفت لبنان أزمات وطنية حادة كانت بمثابة الوقت المستقطع لتمرير امور اقليمية اخرى لا علاقة للبنانيين بها. فجميع الأطراف الدولية والاقليمية لها مصلحة حقيقية في تقطيع الوقت عبر المحكمة بهدف الوصول الى مبادئ عامة لمشاريع حلول لقضايا أكبر من لبنان وأكبر من الأهداف التي أنشأت من أجلها المحكمة.
ـ إن إقرار المحكمة على توقيت الاستحقاقات الداخلية اللبنانية علامة فارقة في نية القوى الدولية تهريب هذه الاستحقاقات ووضع اللبنانيين امام خيارات أحلاها مر، فانتخابات الرئاسة مرتبطة بالتوافق الداخلي الذي لم يكن ينقصه سوى هذا الانقسام الحاد على إقرار نظام المحكمة.
ـ إن المعني الرئيس بهذا الاقرار هو سوريا تحديدا. فسوريا التي تعاونت وباعتراف رئيس لجنة التحقيق الدولية سيرج برامرتز في تقاريره السابقة، أكدت على لسان مسؤوليها سابقا انها ليست معنية بموضوع المحكمة واعتبرتها مشروع اتفاقية لم تشارك بها، ويأتي هذا الإقرار في الفصل السابع ليلزم سوريا بما ستؤول اليه الأمور لاحقا، سيما وان الانفتاح الاميركي على سوريا حاليا يستلزم بعض الكوابح الضرورية مستقبلا في عمليات الابتزاز السياسي، اذ ان المحكمة واجراءاتها بحسب رأي البعض ستكون عدة الشغل اللازمة للحوار او بمعنى أدق التفاوض بين دمشق وواشنطن على قضايا عديدة ومتنوعة من بينها لبنان والعراق والعلاقة مع ايران وعلى رأس هذه المواضيع كلها ملفات الصراع العربي ـ الاسرائيلي بتفاصيله المملة.
ـ ان إقرار المحكمة وآلية تنفيذ اجراءاتها لاحقا ستنشئ اجواء تصادمية داخلية وخارجية لن تتمكن السلطة من القيام بها منفردة، الأمر الذي سيستدعي اللجوء الى خيارات اخرى على الأرجح ستكون قوات اليونفيل من بينها بعد تعزيز مقومات تحركها من الناحية القانونية وفقا للقرار ,1701 وما يعزز هذا الاحتمال ما أقدم عليه مؤخرا مجلس الأمن في قرار رئاسي بتشكيل بعثة لتقصي الحقائق بين لبنان وسوريا، وبذلك ستكون الخطوات الدولية متلازمة ومترافقة مع بعضها البعض في هذا الاتجاه ما يُنذر بإمكانية تغيرات دراماتيكية سريعة يمكن ان تعيد خلط الأوراق في المنطقة كلها.
إن قدر الدول الصغيرة ان تبقى دائما فريسة سهلة للأهواء والأنواء الاقليمية والدولية، فهل سيكون اقرار المحكمة في الفصل السابع بداية لفصول سوداء اخرى في تاريخ لبنان السياسي المعاصر، وأمرا من شأنه فتح مصير لبنان على بدايات لا يعرف أحد نهاياتها؟ ان استقراء تاريخ محاولات الوصول للعدالة الدولية يؤكد ذلك!
([) استاذ جامعي