|
حورات |
|
|
|
|
|
عبدالله تركماني |
أربعون عاما على هزيمة العرب الكبرى (*) |
|
|
2007-06-10 |
خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية |
|
إنّ تاريخ العالم العربي المعاصر عامة، والمشرق العربي بوجه خاص، هو سلسلة من الأحداث التي تشكلت وانتظمت باعتبارها نتائج تلك الهزيمة. لقد ولّدت الهزيمة آثارا عميقة في الحياة العربية كلها، فهي لم تكن هزيمة عسكرية منيت بها الجيوش العربية فقط، وإنما هزيمة شاملة لكل بنى المجتمع العربي، إذ كانت اختبارا لـ " الاشتراكية " التي بُنيت، ولـ " التنمية " التي تحققت، ولـ " الدولة الأمنية " التي تم تشييدها. ومهما يكن من أمر، فإنّ الهزيمة كانت إيذانا بتغيير مجرى الأحداث نحو المزيد من الانحدار العربي، ومنعطفا تاريخيا بدأت ديناميته تتضح وضوحا جليا منذ سبعينيات القرن الماضي حتى اليوم. لم تكن الهزيمة لحظة عابرة في الحياة العربية، فقد وضعت الشعوب العربية كلها على منحدر، لم تنتشلها منه حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 التي تحولت إلى هزيمة سياسية، راحت تداعياتها تتوالى في جميع المجالات. من ذلك أنّ المجتمعات العربية، التي أصابت شيئا من التحديث، انتكست إلى أسوأ ما في تاريخها، أي إلى نمط من الحياة السياسية أقرب ما يكون إلى نمط الحياة في العصر المملوكي/العثماني، الذي أبرز سماته انفصال الحكم عن الشعب وانفصال المجتمع عن الدولة، وركود المجتمع وتخثر تاريخه الداخلي، وهيمنة إيديولوجية تقليدية تعزز التبعية والامتثال والعجز والعزوف والخوف، الخوف من الدولة ومن الحقيقة ومن الحرية، والخوف من مواجهة الذات ومن مواجهة الواقع، والخوف من المستقبل. إنّ العرب يعيشون، منذ العام 1967، في الوضعية العامة التي فرضتها نتائج هذه الهزيمة عليهم، مرورا بالحرب الأهلية في لبنان، وبحروب الخليج الأولى والثانية والثالثة، والانتفاضتين الفلسطينيتين، وفشل النظام الإقليمي العربي في أن يكون رافعة حقيقية للنهوض العربي، وصولا إلى تعثر مفاوضات التسوية الإسرائيلية – العربية. مما يعني أنّ الهزيمة التي تطبع تاريخ العرب المعاصر هي هزيمة الحركة التغييرية الواسعة التي انطلقت في خمسينيات القرن العشرين للرد على النكبة الفلسطينية في العام 1948. إنها أزمة بنيوية عامة، أصابت الاقتصاد والثقافة والسياسة والمجتمع، وما يتعلق بها أو ينتج عنها. وبهذا المعنى، يصح أن نصفها بأنها أزمة حضارية. الوقت حان للانتهاء من آثار أربعين عاما ثقيلة على العرب، إذ أصبح يتعين علينا أن نقف، بموضوعية وواقعية، أمام روح العصر شركاء فاعلين فيه لا متفرجين سلبيين عليه. فلقد آن الأوان لكي يعكس العرب إمكاناتهم الحقيقية على سياساتهم، حتى لا يعود من جديد شبح ذلك الماضي الكئيب ليطل على الأمة من جديد، وكي يتمكن الشعب الفلسطيني من نيل حريته واستقلاله وبناء دولته المستقلة القابلة للحياة، وعودة الجولان المحتل إلى سورية، واستكمال تحرير مزارع شبعا اللبنانية. إنّ الأزمة العربية الشاملة المفتوحة هي من تلك الأزمات التي تتقلص فيها الاختيارات إلى اثنين لا ثالث لهما: إما الغرق في الأزمة والدخول في مسلسل من التدهور والفوضى والانحلال والضياع. وإما تجاوزها إلى وضعية جديدة تماما، انطلاقا من التفكيك الواعي للوضعية القائمة المأزومة والشروع في عملية بناء جديدة، بمنطلقات واستشرافات جديدة كذلك. إنه من المفارقات الملفتة للنظر أنّ القضايا الأساسية حول الاستقلال والحرية، التي شكلت عماد فكر النهضة العربية في القرن التاسع عشر، مازالت حية قائمة كمطالب وطموحات عربية في مطلع القرن الواحد والعشرين. إنّ التغيّرات العالمية الجديدة، خاصة أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 وتداعياتها في العالم العربي، بما فيها النتائج الكارثية للاحتلال الأمريكي للعراق، تواجهنا بتساؤلات جديدة، وتحديات وفرص جديدة أيضا، مما يتطلب قدرا كبيرا من العمق في المراجعة ونقد الذات وإعادة الصياغة الفكرية والسياسية للقضايا العربية، باعتبارها تمثل مسائل جوهرية عديدة تتداخل فيها مهمات التحديث الفكري والسياسي مع مهمات النهوض الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وهو ما يفترض ممارسة الديمقراطية كمنهج للتعامل السياسي على صعيد الدولة والمجتمع، منطلقين من أنّ مسألة إنجاز الدولة الحديثة، دولة كل مواطنيها، هي جوهر تلك القضايا. وعليه، فإننا لسنا بحاجة لشعارات من أجل التعاطي المجدي مع التحديات الكبيرة المطروحة على أمتنا العربية، بل الارتقاء إلى مستوى التحديات، في برامجنا ووسائل عملنا، بما يخدم مصالح الأمة ويضمن حقوقها الأساسية في السيادة والحرية والاستقلال. إنّ مشروع النهضة العربية كان ولا يزال في حاجة إلى فكر الأنوار والحداثة، وكذلك استيعاب التحوّلات والتغيّرات التي تطرأ على الساحتين الإقليمية والدولية. ومن أجل ذلك، تبدو الديمقراطية في رأس أولويات التجديد العربي، فالمسألة تستدعي مقولات جديدة: المجتمع المدني، الديمقراطية، الدولة الحديثة، المواطنة. ولعلنا بذلك نفتح من جديد باب التاريخ وندق أبواب المستقبل وننهض لإطلاق خطاب عربي عصري، مع آليات فاعلة لتنفيذه، عناوينه في توجهاته ومضامينه وفي تجديدنا له، يحتمل دائما التأويل والتعديل لصالح شعوبنا العربية. إنها إعادة قراءة واجبة، ليس فقط في تجديد هذا الخطاب وإنما في تجديد العقلية العربية المدعوة إلى خوض مغامرة المستقبل بأدوات جديدة، تتجاوز أدوات الهزيمة، وأفق مفتوح وحوار دائم على المصالح والأهداف والممكن والمستحيل.
تونس في 3/6/2007 الدكتور عبدالله تركماني كاتب وباحث سوري مقيم في تونس (*) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 10/6/2007.
|
||
|
|
|
حورات |