كرّست انتخابات مجلس الشعب السوري الاخيرة، والاستفتاء الذي جري وراءها لتجديد ولاية الرئيس بشار الاسد عودة، ولو من حيث الشكل، الي ممارسات رمزية بدات منذ بداية العهد البعثي عام 1963، بل ربما منذ ما قبل ذلك، منذ عهد الوحدة بين مصر وسورية عام 1958، وتضخمت وتحولت الي اشكال مبالغ فيها جداً في عهد الرئيس الراحل، ولا سيما في الثمانينات وبداية التسعينات، وهي ممارسات تمزج في اصولها بين تقاليد عربية وتقاليد مستوردة من تجارب الشرعية الثورية في العالم، ولا سيما التجربة السوفييتية، وهي تؤلف الاطار الرمزي الشكلي المحض الذي يندرج فيه مضمون سلطوي مختلف فقد مع الزمن خلفيته الايديولوجية وابتعد عن روح العصر الذي انتجه. لا يمكن لعربي يحترم نفسه حقاً الا ان يشعر بالحسرة وهو يري شعب سورية، هذا الشعب الودود الكريم، الشعب الذي كان دوماً في قلب معارك الامة العربية الكبري معطاء بلا حساب، شجاعاً مقداماً لا يري مصالحه القطرية شيئاً حيال مصالح الامة الاكبر، وهو يتحول قسراً الي جماعة من المصفقين و الدابكين ، وما من حكومة تحترم نفسها حقاً ترضي لنفسها ان تكون صورة شعبها هذه الصورة التي قدمتها وسائل الاعلام السورية، في الايام التي سبقت الاستفتاء والايام التي تلت اعلان نتائجه التي جاءت بنسبة موافقة التسعينات المعتادة.
لو كانت المسألة مسألة تفضيل واختيار بين اشكال السلطة، فلربما كنا مضطرين للموافقة علي وجهة نظر المعارضة الديمقراطية السورية في ان هذا الشكل المخجل لا يقاس بحال بالشكل الديمقراطي اللبرالي الذي تقدمه النماذج الغربية.
علي انني في هذا المقال اريد ان اتقدم بوجهة نظر اظنها جديدة ادعو مناضلي المعارضة السورية، والمخلصين ممن يلتفون حول الرئيس الشاب ايضاً ويدعمون مشروعه المعلن في الاصلاح الي التفكير فيها، وهي مكتوبة بقلم مواطن فلسطيني كان علي الدوام يعد سورية بلده الاول مع فلسطين لا بلده الثاني، وهي تخص التفكير في حل جديد فيه ابتكار لمشكلة الشرعية يتجاوز تصلب الايديولوجيا السلطوية القديمة التي عفا عليها الزمان، ويتجاوز ايضاً الدوغما الديمقراطية المثالية للمعارضة التي تكاد تجعل من النموذج الفرنسي تحديداً قرآن الديمقراطية الذي لا يمس، واعتقد ان الاحداث اثبتت ان وضع هذا النموذج في المقدمة، والمراهنة الحصرية عليه، لا يمكن الا ان يمنع كل تغير سياسي ايجابي حقيقي في هذا البلد العربي المحوري، كما في بلاد عربية اخري تلتقي معه في سمات اساسية (راينا ما آل اليه الحال في واحد منها هو العراق).
كان مشهد العراضات الكبري وحلقات الدبكة التي رافقت الاستفتاء علي تجديد الولاية الدستورية، وهي التي تسمي في الاعلام السوري بيعة ، خطوة محزنة كبيرة الي الوراء بالنسبة لنا نحن المتابعين للشأن السوري (من المنظور الوطني التحرري العتيق!). لا يمكن لاي انسان يحترم كرامة الانسان واعتزازه بنفسه ان لا يحس بالخجل ازاء طقوس النفاق هذه، ولا اصدق ان الرئيس لا يحس هو ايضاً بالخجل من هذا النموذج، وهو الذي تعلم في بريطانيا، وتظهر خطبه عقلية جديدة ليست هي العقلية البعثية المعتادة (وكان يتشارك في هذه العقلية في الزمن الذي شهد صعود المد القومي ـ الاشتراكي عملياً الجميع من بعثيين وناصريين وشيوعيين ورفاقهم الآخرين في الفكر)، وهو الذي لم يكن من الجيل الثوري الذي تكون في الاربعينات والخمسينات. الطقوس التي يمتزج فيها تاريخ من العبودية للسلطة موروث من قرون، مع تاريخ للاستعباد المستجد اسسه التقدميون لتزيد العبودية سوءاً وتتضاعف ولتجتث كل ما تبقي من شعور بالكرامة والاعتزاز بالنفس عند شرائح اجتماعية لم تكن لحد وصول التقدميين الي السلطة عام 1958 مع عبد الناصر ثم عام 1963 مع حزب البعث قد فقدت هذا الاعتزاز، ولنذكر هنا امثلة للتحدي الاجتماعي من نوع سلطان الاطرش وابراهيم هنانو والشيخ صالح العلي والشيخ محمد الاشمر ومحمد كامل القصاب (استاذ عز الدين القسام وابيه الروحي، ولعلنا نذكر ان الاخير مواطن سوري وفق تقسيمات سايكس ـ بيكو من بلدة جبلة الساحلية) وغيرهم.
جاء الرئيس الشاب من خارج المؤسسة العسكرية ومن خارج جو النخبة الحاكمة التي احاطت بالرئيس الراحل، واللغة التي استخدمها في خطاب القسم وفي خطاباته اللاحقة كانت توحي بتغير في العقلية البعثية ـ العسكرية التي حدثت فيها نقلة جديدة مع الحركة التصحيحية في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1970.
وقد تضاعفت الطبيعة التسلطية القاسية للعلاقة بين السلطة والناس مع مطلع الثمانينات مع بروز خطر الطائفية المسلحة التي تصاحبت مع طائفية مواجهة من طرف السلطة كان رمزها الاساسي هو شقيق الرئيس رفعت الاسد الذي نحي عن السلطة لاحقاً ليعيش في المنفي منذ عقدين من الزمن. ان القمع الهستيري الشامل الذي ميز حقبة الثمانينات ووصل الي درجة غير مسبوقة وضعت له حدود مع العهد الجديد، وخفض بدرجة كبيرة بحيث رجع الوضع الي وضع دكتاتورية عادية تكاد تشبه وضع مصر في عهد مبارك او وضع بعض الملكيات العربية مثل الاردن، وبغض النظر عن انتقادات المعارضة الديمقراطية السورية لا اشك شخصياً انه كان هناك تحسن مرموق لا يقدره حق قدره الا من شهد حقبة الثمانينات الاليمة تلك مجرد شهود (فكيف من اكتوي بنارها!). يتميز خطاب المعارضة الديمقراطية السورية، ممثلة باعلان دمشق، وقوتاه الرئيسيتان هما التجمع الوطني الديمقراطي و الاخوان المسلمون ، بنوع مما افضل ان اسميه الاصولية اللبرالية ، اذ يتضمن برنامجاً ثابتاً يضع مثلاً اعلي له النظام البرلماني الغربي وفقاً للنموذج الفرنسي، واول نقطة سأدعو المعارضة السورية لها، وبكل جدية، هي التوقف نهائياً عن استلهام هذا النموذج الفرنسي والاهتمام اكثر بالنماذج الملكية الدستورية! مثلاً النموذج البريطاني والنماذج الاسكندنافية، ان كان لا بد من احتذاء نموذج اوروبي!
الدولة الاوروبية ترافق نشوءها كما هو معلوم مع نشوء مفهوم الامة ، والدولة كانت هي القلب الذي يضخ الدم في مكونات المجتمع الموحد الذي سمي الامة واليد التي تحفظ تماسك هذا المجتمع وتحميه من الاعداء الخارجيين والدماغ الذي يسير امور هذا المجتمع وفقاً لمنظومة القيم الجديدة المتكونة في العصر الحديث، وقد كانت هذه الدولة علي درجة من القوة بحيث لم تكن تتبدد ويتبدد معها المجتمع عند انهيار ذروة الهرم فيها وهو السلطة السياسية، فقد اباح الفرنسيون لانفسهم ترف ان يقوموا بنصب المتاريس في باريس كل عقد او عقدين من الزمان، ليسقطوا اسرة ملكية او حكومة وينصبوا واحدة بدلاً منها، وهذه العادة المستمرة الي الآن هي التي اثارت اعجاب الماركسيين بالنموذج الفرنسي، وقد قرّظ انجلس فرنسا كثيراً فوصفها في جملة شهيرة بانها البلد الذي كان فيه الصراع الطبقي دوماً يسير الي نهاياته ، وعلي النقيض منهم كان جيرانهم الانكليز الذين حافظوا علي النظام الملكي العتيق بشكل بدا للماركسيين ملغزاً، وتجنبوا الخضّات السياسية العنيفة، وتمثلوا مبدأ الاصلاح الاشتراكي الديمقراطي حين صعد نجم النقابات العمالية والفلسفة الفابية التي تكون علي اساسها حزب العمال مؤذناً بانهيار نجم الحزب اللبرالي الذي حكم طويلاً.
وقد اشتهرت عندنا افكار فلاسفة الثورة، روسو و مونتسكيو و فولتير ، وغيرهم، ولم يحظ عندنا باي اهتمام واحد من اكبر فلاسفة السياسة الاوروبيين وهو ناقد الثورة الفرنسية الانكليزية الكبير ادموند بيرك ، ومن المحزن انه لم يظهر عندنا قط تيار محافظ اصيل حقيقي كما ظهر عندهم، فمن كانوا عندنا يدافعون عن مبدأ النظام كانوا عناصر انتهازية سطحية غالباً ما كانت عميلة للاستعمار. لم تكن في بلاد العرب قط رجعية جيدة ان جاز هذا التعبيرالذي اخترته استفزازياً قصداً للتنبيه علي هذه الفكرة التي تغيب عن الفكر السياسي العربي عادة، وما نشهده الآن بعد الحروب الاخيرة من ظاهرة اللبراليين العرب الجدد ما هو الا استمرار بشكل ولغة جديدين لهذا التاريخ المنكود للنزعة الرجعية العربية السطحية الغبية التي كانت ميزتها الاساسية ولا زالت العداء للمجتمع لصالح التبعية العمياء لهذه القوة الكبري او تلك.
اللبرالي العربي الجديد لا يمكن تعريفه الا انه نصير الغزو الامريكي المسلح بلا قيد ولا شرط، وهو لا يستطيع ان يري لا الوحشية التي ترافق هذا الغزو ولا تدمير كل ما تبقي من مؤسسات اجتماعية تحفظ للمجتمع وحدته، وقد رأينا واحداً من هؤلاء، وهو شاعر لبناني يستلم الملف الثقافي لصحيفة يسارية-وطنية لبنانية عريقة، يصب كل تعليقاته المليئة بالكره علي من يعارض هذا المشروع بحيث لم يبق من سجل الجرائم المرتكبة في العراق عنده الا ما ارتكبه النظام العراقي السابق، وان الفقير لله كاتب هذه السطور ليدين طبعاً هذه الجرائم بكل وضوح كما يجب ان يفعل اي انسان عنده اقل قدر من الاحترام للانسان وحياته وكرامته وحقه في التمتع بحرياته الاساسية، ولكن اخانا المذكور اعلاه حين يذكر حلبجة مثلاً باستنكار يكون ذكرها مناسبة عنده لاعادة شتم القومية العربية علي اعتبار ان صدام عنده كان الممثل الشرعي الوحيد الممكن للقومية العربية في الماضي والحاضر والمستقبل ايضاً! ينسي مثل اصدقائه في الاحزاب الكردية العراقية مصدر الاسلحة الكيماوية التي ضرب بها النظام حلبجة، لان هذا المصدر ما هو الا الاصدقاء الجدد الذين اوكلت اللبرالية العربية الجديدة بهم نشر الحضارة ومكافحة البربرية العربية التي لا سبيل الي مكافحتها الا عبر دبابات هؤلاء الاصدقاء وصواريخهم الذكية! (انصح القارئ العزيز وانصح بصورة خاصة اخوتنا الاكراد بالعودة الي الصحف البريطانية في وقت ضرب حلبجة التي كانت تردد ادعاءات النظام العراقي السابق ان من ضرب حلبجة كان الايرانيون، وفي المقابل اطلب من هؤلاء الاكراد الذين كنا دوماً متعاطفين معهم ضد الاضطهاد الشوفيني، الذي تعرضوا له مع حكم القوميين العرب الجدد، ان يعيدوا قراءة الصحف الفلسطينية ليروا ان الفلسطينيين، الذين يتخذونهم الآن اعداء كما يتخذون الصهاينة اصدقاء، هم من وقف بصورة واضحة وصريحة ضد تلك الجريمة)، وحين رأي العالم ضرب الفلوجة بالفوسفور الابيض رأينانا صاحبنا، وفي الصحيفة اياها التي كانت لعقدين او ثلاثة لسان كل يساري ووطني عربي و صوت من لا صوت لهم ، يدبج المقالات الهجائية ضد.. من؟ ضد..الفلوجة! وكان كل المشكلة في ضرب حلبجة كان في ان اسمها حلبجة وان من ضربها كان اسمه صدام وان اسم الغاز الذي ابيدت به كان هو غاز الخردل !، فان ابيدت الآن بلد اسمها الفلوجة بأوامر شخص اسمه بوش وبسلاح اسمه الفوسفور الابيض فصاحبنا ليس عنده مشكلة. ها هنا يقف الضمير اللبرالي الجديد في حالة من بلاهة نسخة جديدة من المذهب الاسمي لم يسبق لها مثيل، حالة اثبت فيها هذا المذهب الاسمي في نسخته السطحية الجديدة عجزه عن ان يكون انسانياً حقاً كما يدعي، بل اثبت خصومته مع الانسان، فكلمة دكتاتور مثل كلمة مجزرة عنده كلمات مرتبطة باعيان ملموسة، وليست كليات منطقية قابلة لان تطلق علي اي اعيان ظهرت او ستظهر في المستقبل ما دامت التعاريف المضمونية لها تنطبق عليها.
وفي هذه الحالة لا يقف الفاعلون الثقافيون العرب، المستمرون في الدفاع عن نموذج انساني للعالم تسود فيه بين الشعوب علاقات الاخوة والتعاون علي اساس علاقات عادلة متكافئة، وحدهم في وجه هؤلاء اللبراليين الجدد انصار الدكتاتورية في العالم بدعوي الوقوف ضد الدكتاتوريات المحلية، بل يقف في وجههم ايضاً مئات الوف من الغرب، من الاوروبيين والامريكان والاستراليين والكنديين الشرفاء الذين كانوا دوماً يقفون الي جانب انسانية واحدة وضد كل عدو للبشر مهما كانت جنسيته ودينه.
اعاد ادموند بيرك في فورة اعجاب عصر الانوار بالعقل تذكير معاصريه بان الانظمة السياسية لا يمكن بناؤها علي تجريدات من نوع العقل ، بل تبني الدول علي اساس مؤسسات تقليدية تكونت مع الزمن وثبتت صلاحيتها وحازت الاحترام، وحين يعري الانسان نفسه من المؤسسات التقليدية المجربة ليبني مؤسساته الجديدة علي اساس العقل وحده فانه يطرح جانباً كل ما اختبره الزمن من تجارب ليستند الي الخبرة الفقيرة المحدودة لجيل واحد من البشر. وهذا النقد الذي يصيب كبد الحقيقة، يمكن ان يتوصل اليه طبعاً بصورة مستقلة اناس سليمو التفكير في مجتمعات اخري ومنها مجتمعنا، لكن هذا المجتمع اصيب بمصيبتين فكريتين كبيرتين في القرن العشرين: المصيبة الاولي هي النزعة السلفية التي جردت المسلمين من خبرتهم التاريخية بدعوي العودة الي الاصول، والمصيبة الثانية هي النزعة التغريبية المغالية التي دعت المسلمين الي ترك خبرتهم التاريخية ايضاً ليبنوا فكراً ومؤسسات جديدة لا تقاليد لها ولا احترام تاريخيا يكفل بقاءها، ولعلي هنا اذكّر الفاعل السياسي ـ الايديولوجي العربي بالتجربة اليابانية التي قادت التحديث فيها اسرة ملكية قديمة.
هذه المحافظة الاوروبية القديمة conservatism التي ادموند بيرك منظرها الكبير لا علاقة لها البتة بظاهرة المحافظين الجدد الذين هم علي النقيض منها ثوريون متطرفون يريدون الاسراع في التغيير العنيف للعالم، ولو عن طريق حرب ذرية، كتمهيد لمجيء المسيح! ولا شك ان اللامبالاة بالانسان والنظر اليه من منظور نوع وحشي من انواع التدين الذي لا علاقة له فعلاً بالمسيحية التاريخية يتطابق كلياً مع النظرات الوحشية لازارقة عصرنا من نوع ابو مصعب الزرقاوي الذي تجادل مرة مع زميله في الفكر الظواهري الذي لامه علي استهداف المدنيين فقال ان الاسلام (اسلامه هو طبعاً) لا يعرف المدنيين والعسكريين وانما يعرف المسلمين والكفار! بين الزرقاوي وبوش لا فرق فالجذر المعرفي الوحشي واحد! وضد الفريقين ورؤاهما الوحشية يجب ان يتحد احرار العالم من مختلف القارات والاديان في سبيل عالم اكثر عدلاً وامناً. والنوع العاقل الرزين الذي ادعو اليه من رؤية محافظة رصينة عميقة لا علاقة له بهذه السلفانية الثورية التي تريد تغيير كل شيء مجرب وتاريخي (لا علاقة لها بالماضي كما يظن بعض اهل اليسار بل هي مثلهم عدوة له وتريد تغيير مؤسساته علي اساس مثل اعلي نظري مجرد لم يجرب).
ولا شك ان هناك بلاداً تستطيع تحمل تغيير قمة الهرم بلا تهديد لوحدتها المجتمعية، ومن هذه البلاد فيما آمل مصر، فالحل الذي اطرحه لمشكلة الشرعية لا يشملها، بعد ان راينا ان هذا البلد الذي يتمتع بوحدة تقليدية طويلة قد تحمّل تجربة اسقاط الملكية ثم تغير رئيسين دون ان تتهدد وحدته، ولا يستطيع في تقديري مراقب عربي نزيه معني بما يجري في هذا المركز العربي الذي تدور حوله رحي الواقع العربي الا ان يتضامن بشكل واضح مع جهود حركة سياسية لعلها الاكثر تحضراً في الوطن العربي وهي حركة كفاية ، اما بلاد مثل العراق و سورية و الاردن فان التجارب لا تطمئن الي انها تتحمل فعلا هزة تطيح بقمة الهرم السلطوي فيها.
في سورية اود ان ادعو كلاً من انصار الرئيس الشاب وانصار المعارضة الديمقراطية السورية الي تفكير واقعي في حل مسألة الشرعية: في اعتقادي ان نصف القرن الماضي قد اثبت انه لا حل لقضية الشرعية التي هي اساس استقرار المجتمع والدولة بدون تثبيت قاعدة قانونية مجمع عليها لمسألة رأس الدولة والسلطة، ونحن نري ان مجتمعات كالمجتمع المغربي، والمجتمع الاردني ايضاً لا تعاني من مشكلة راس الدولة والممثل الرمزي لوحدتها، وعلي هذا اري ببساطة لو كنت بدل هؤلاء الفاعلين السياسيين في سورية تثبيت راس الدولة فعلاً مدي الحياة، والانسب ربما هو الرئيس بشار الاسد لانه اولاً ببساطة هو الرئيس الحالي الفعلي الحائز علي دعم عصبية سياسية اجتماعية ذات ثقل، ولانه ثانياً شاب يتوقع له ان يعيش طويلاً ان شاء الله، وليس له تاريخ ثأري مع المكونات المجتمعية السورية، ولم تتكون عقليته في المدرسة الشمولية للاحزاب التقدمية القديمة، فمن هنا يجب طرح مبدأ رئيس مدي الحياة بصورة جدية كثابت وكنص دستوري واضح، ولا حاجة بعدها لاستفتاءات زائفة وعراضات محزنة هي كما قلت سابقاً تمثل انحطاط الشخصية البشرية وكرامتها.
في المقابل تترك السلطة التنفيذية (الحكومة) كمتحول تحدده فعلاً انتخابات حرة، وعلي الطريقة المغربية، وبحيث يكون هناك برلمان حقيقي علي ان يحتفظ الرئيس بالسلطات الفعلية (مثل الملك المغربي) التي تؤهله لان يتدخل بفعالية لحفظ الوحدة المجتمعية العامة.
ولا بد من انهاء ملف الاعتقال السياسي للمعارضين الذين ليس لهم ذنب سوي ابداء آراء تدخل ضمن المصلحة الوطنية العامة، ومن هؤلاء في اعتقادي المناضل ميشال كيلو الذي ادعو كمواطن عربي بصورة واضحة للافراج عنه فوراً، ومعه البروفسور عارف دليلة الذي قرات له فلم اجد في كتاباته شيئاً غير ابداء الراي في اوضاع الاقتصاد السوري ومواطن الخلل فيه، ويبدو لي ان نقده ينطلق من هذا المنطلق الوطني وعلي هذا فان مكان البروفسور دليلة الصحيح هو ليس السجن بل مكانه ان يكون علي راس لجنة لتصحيح اوضاع هذا الاقتصاد ومكافحة الفساد. اما السيد كمال لبواني فقد وضع نفسه علي ما يبدو في موضوع شبهة استجرار تدخل امريكي، ومنذ وقوع الكارثة العراقية صار كل مواطن عربي وبحق يتوجس شراً ممن يحاول استجلاب نموذج عراقي آخر الي بلده، لكن هذا لا يعني الا الدعوة الي محاكمة عادلة له، وبهذه المناسبة لا يستطيع المهتم المخلص بمصلحة هذا المجتمع العربي العزيز: المجتمع السوري، الا ان يري ان بناء سلطة قضائية مستقلة حقاً هي طريق استقرار المجتمع واجماعه علي شرعية النظام، والشيء الجوهري هنا هو الغاء المحاكم الخاصة واستبدالها بمحاكم عادية مستقلة.
ولا شك ان هذا الطرح سيتهم بالمثالية، وانا لا اجهل ان التنفيذ الفعلي له يصطدم بعوائق لن تاتي طبعاً من المعارضة المفتقدة لكل قوة وازنة حالياً، بل ستاتي من عقليات قديمة ومصالح من اهل السلطة، ولكني اري مع ذلك ان فتح باب تفكير جديد في مسألة الشرعية يستند الي ما قدمته الوقائع التي كان الانكليز يقولون عنها انها اشياء عنيدة (الوقائع اعني بها تجارب العقود الاخيرة في سورية وفي بلاد العرب والجوار) يساعد علي وضوح الرؤية عند الفاعلين السياسيين ويساعد في اللحظات التاريخية الحاسمة علي الاخذ بالخيارات الصحيحة، وما قد يبدو في لحظة ما خيالياً قد يغدو في لحظة اخري واقعياً مطروحاً كامكانية واقعية.

ہ كاتب من فلسطين يقيم في برلين