شكلت نكبة فلسطين محطة سوداء في التاريخ العالمي المعاصر: فمن جهة، تم طرد الفلسطينيين من وطنهم وجُرّدوا من أملاكهم. ومن جهة ثانية، تشردوا في بقاع الأرض لمواجهة كافة أصناف المعاناة والويلات. وقد تمثلت نكبة عام 1948 باحتلال ما يزيد عن ثلاثة أرباع مساحة فلسطين التاريخية، وتدمير 531 تجمعا سكانيا، وطرد وتشريد حوالي 85% من السكان الفلسطينيين.

وعلى مدى السنوات الماضية ونحن نحيي ذكرى النكبة والإسرائيليون يحيون ما يسمونه بـ " الاستقلال هم يتقدمون ويزدادون توسعا وقوة، ونحن نتراجع ونزداد ضعفا وتفرقا، وتمر السنوات وتتكرر المشاهد عاما وراء عام، نكاد لا نتعلم شيئا ولا نبحث عن نقاط القوة والضعف، وظلت الخطابات.

ومما يؤسف له، يبدو المشهد الفلسطيني سائرا نحو نكبة جديدة، في الذكرى التاسعة والخمسين لنكبة فلسطين، فهو محزن ومقلق ومحبط. فالفقر يدفع الأطفال في غزة إلى ترك المدرسة والدخول في سوق العمل في أسوأ الظروف، وقد بلغت نسبة الفلسطينيين الذين يعيشون تحت خط الفقر 60%، فيما الحصار مستمر بتبريرات مختلفة. أضف إلى ذلك أنّ الساحة الفلسطينية صارت مكان تجاذب كبير للصراعات والمواجهات الإقليمية والدولية، مما زاد من نسبة الاحتقان وظروف الانفجار.

ونحن نتحدث عن النكبة لابد لنا من أن نشير إلى أنّ مخاطر نكبة جديدة تتربص بالشعب الفلسطيني، تتمثل في تصعيد العدوان الإسرائيلي عبر مواصلة أعمال القتل والاغتيال المبرمج واستمرار حملات الاعتقال، علاوة على إقامة جدار الفصل العنصري الذي يلتهم85% من أراضي الضفة الغربية وتقطيع أوصالها إلى معازل يصعب التواصل بينها، أضف إلى ذلك إقامة الحواجز الدائمة والمتنقلة التي وصل عددها إلى 500 حاجز، ويترافق كل ذلك مع الحصار الظالم المفروض على كافة الأراضي الفلسطينية، وعزل قطاع غزة عن العالم الخارجي، واستمرار احتجاز عائدات الضرائب التي قاربت المليار دولار. كما بات الشعب الفلسطيني يئن تحت وطأة تردي وسوء الأوضاع الداخلية وتجدد موجات الاقتتال الداخلي من حين لآخر، وقد وصلت إلى تخوم الحرب الأهلية التي كادت أن تعصف به وتفتح الطريق إلى نكبة أخرى غير تلك التي صنعها الأعداء عام 1948، حيث تسود الفوضى وتستشري حالة الفلتان الأمني وتغيب سيادة القانون، وفي ظل ذلك تنعدم القيم والعادات الكفاحية المجيدة للشعب الفلسطيني الذي بات يشعر بأنّ كل إنجازاته وتضحياته في مهب الريح.

إنّ من المثير للحنق فعلا أن تصبح أرواح الفلسطينيين هينة على بعضهم بعضا، وأن يتقدم متحدثون يعلنون أمام الصحافيين أنهم قرروا سحب المقاتلين من الشوارع وتبادل المخطوفين. وقد دلت بعض الحوادث الأخيرة، الموجهة ضد جماعات أو نشاطات ورموز دينية وثقافية واجتماعية واقتصادية، على بداية تغلغل الفكر " القاعدي " وسلوكياته، التي تمثل نقيضا للإرث الثقافي الفلسطيني المعروف بالانفتاح والتعددية والتسامح، وهي صفات طبعت دائما الشعب الفلسطيني، وكان لها دور مهم في التعريف بعدالة القضية الفلسطينية.

إن المشهد الفلسطيني الراهن يمثل نكبة جديدة، ويعبّر عن أزمة وطنية ومجتمعية متعددة الأوجه، للعدو الإسرائيلي دور أساسي في خلقها وتعميقها ولكن للفلسطينيين مسؤولية أساسية فيما آل إليه هذا المشهد، وعليهم مواجهة هذاه الأزمة، عبر آلية حوار وطني جدي يشارك فيه الكل ويتحمل مسؤولياته التاريخية والمصيرية تجاه شعبه. فالموضوع لا يتعلق بالتوصل إلى مزيد من الهدنات العسكرية الهشة بين الأشقاء، أو إلى توليفات محلية دون أي عمق سياسي تسقط عند أول اهتزاز تتعرض له من الرياح " الخارجية " العاتية.

إنّ حالة الانقسام والمصالح التنظيمية الضيقة بعثرت الحقوق الوطنية وغيبت عامل التوحد الرئيسي، وهو أن الاحتلال جاثم فوق الأراضي المحتلة منذ عام 1967، هذا التغييب أضعف الجميع، فبدلا من التوحد باعتبار أنّ الجميع حركة تحرر وطني تسعى لإنجاز حق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية، بات المطلوب فقط، لدى " دكاكين " المنظمات والحركات، السعي لإحكام السيطرة على السلطة.

ومما يؤسف له أنّ أغلب القوى الفلسطينية لم تدرك أنّ النجاح الكامل للمشروع الصهيوني لم يكتمل بعد، بالرغم من مضي ستة عقود من الزمن على وقوع النكبة، فما زال يواصل عدوانه على الشعب الفلسطيني، الذي لم يركع ولم يستسلم للوقائع التي حققتها إسرائيل وفرضتها نتائج للنكبة المؤلمة، وما زال يخوض نضاله الدؤوب من أجل تحقيق أهدافه في إقامة دولته المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس.

 ومن هنا، على الفصائل الفلسطينية ألا تتحفنا فقط بمهرجانات وفعاليات النكبة، وما يرافقها من شعارات وخطب رنانة، بل عليها النهوض بالواقع الفلسطيني المؤلم والمأزوم. ولا يكون ذلك سوى بمراجعة شاملة للذات الفردية والفصائلية والمجتمعية لتحديد جوانب القصور والخطأ لمعالجتها، وتحمل المسؤولية عما وقع من أخطاء.

لقد صار الفلسطينيون في أمس الحاجة إلى وقفة جادة لإجراء مراجعة عميقة شاملة لأساليب تحقيق أهدافهم الوطنية واستعادة حقوقهم المشروعة، وصارت هذه المراجعة حاجة ضرورية ملحة لأسباب من أبرزها ليس فقط عدم حصول تقدم نحو تحقيق تلك الأهداف، وإنما أيضا استمرار إسرائيل في الاعتداء على الفلسطينيين وحقوقهم وأراضيهم بوسائل القوة والحرب بمختلف مظاهرها.

إنّ المراجعة الأهم يجب أن تشمل: أولا، بث الروح من جديد في حكومة الوحدة الوطنية والأسس التي قامت عليها. وثانيا، إيجاد مشاريع اقتصادية إنتاجية مستدامة لتوظيف الفلسطينيين وتعزيز صمودهم على أرضهم. وثالثا، توضيح أنّ مهمة الأجهزة الأمنية هي الحفاظ على أمن المواطنين وسيادة القانون.

وفي هذا السياق، يجدر بنا أن نتفطن إلى أنّ مخاطر الانتحار السياسي، عبر اللجوء إلى أفكار عدمية متطرفة تقوم على الانقطاع عن العالم، من خلال اعتماد مواقف مطلقة وإعطائها طابعا قدسيا والصدام مع الكل، تجدد النكبة الفلسطينية، وتمنع تحقيق أي هدف عادل.

 

تونس في 27/5/2007                   الدكتور عبدالله تركماني

                                    كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

 

(*) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 31/5/2007.