"عَليّ أن أوقف الكتابة، لأن هذه التحليلات ستصلح أرضية للمؤرخين."

فوكو، الحراسة والعقاب، آخر صفحة.

 

من نافلة القول أن نردد بأن الصراع التاريخي يتأتى لأجل تحقيق مصلحة، لكن ليس دائما المصلحة المادية كما يعتقد الماديون. أكثر من ذلك، يمكننا القول، إن المصلحة المادية لا تلعب في كثير من الأحيان غير دور ثانوي (كودليي1973 و1974)، بل إنها كثيرا ما تغيب من بعض الأحداث التاريخية: فكيف يمكننا أن نقترح تفسيرا يرتكز على آليات/إواليات السلطة من أجل فهم مُرْض لهذه الأحداث؟

تعتبر الكتابات التي قام بها فوكوM. Foucault  - وفي مقدمتها "الحراسة والعقاب" وخاصة ج3 الذي يحمل عنوان: التأديب - مجالا رائدا لدراسة السلطة، التي تحتاج منا إلى تصنيم (على غرار ما كتبه ماركس في أول فصول رأس المال: السلعة صنم) [كما اقترح علينا سمير أمين منذ سنة 1988، رغم أنه عجز عن صياغة نظرية خاصة بذلك، واكتفى بتصوره الأتاوي المتجاوز في تفسير التاريخ وأحداثه (1980، 1980، 1981)]. ورغم أننا نعلم بأن كتابات فوكو حول السلطة، أو بالأحرى "ميكروفيزياء السلطة"، مشوبة بالكثير من الغموض والضبابية، فإنه يمكننا أن نستنتج منها الشيء الكثير، لأنها أيضا تمتاز في الوقت نفسه بالعمق والانسيابية، خاصة فيما يتعلق بالسلطة والسياسة، أو إن شئنا "السلطة السياسية"، وإن كنا لا نستطيع، في الواقع، أن نفصل بين ما هو سياسي وغير سياسي داخل السلطة، فالعلاقات شفافة ومتماهية إلى درجة كبيرة. وكان علينا أن ننتظر جيل دلوزG. Deleuze (1987) ليوضح لنا بعض ما غمض من فكر فوكو، لكن حتى هذا المفكر القريب جدا من فوكو لم يستطع فهمه، أو على الأقل لم يفهمنا فوكو كما تمنينا، إذ ظل الغموض أهم صفة مميزة ومرادفة لدراسته.

ينطلق فوكو من تجاهل لماهية السلطة ومصدرها: «إن السؤال ما السلطة؟ أو ما مصدرها أو أصلها؟ قد لا يكون في محله، بل ينبغي بالأحرى أن نتساءل عن الكيفية التي تتحقق بها، أو كيف تمارس نفسها وتظهر إلى الفعل» (دلوز ص78)، لذلك نراه يتجاوز سؤال التعريف، في "إرادة المعرفة"، إلى سؤال الكشف عن التقنيات. منذ الفصل الأول للكتاب (نحن الفكتوريين) يعلن بأن البحث عن تحديد لنظام السلطة / المعرفة / اللذة (في سيرورته ومبررات وجوده) ينتهي بنا إلى أن المهم في العملية كلها هو التوصل إلى معرفة أن تقنيات السلطة متعددة الأشكال (ص12...). لكن، ورغم سؤال المجاوزة هذا، فهو يعطيها تعريفا بسيطا جدا عندما «يعتبرها علاقة قوى، أو بالأحرى أن كل علاقة قوى هي على الأصح علاقة سلطة... والقوة لا موضوع لها سوى القوة، قوة أخرى، لا تدخل في علاقة مع كائن آخر، بل مع قوى أخرى... بالمستطاع إذن، تصور قائمة... لمتغيرات تعبر عن علاقة قوى أو سلطة... كالتحريض والإثارة... والتسهيل والتوعير... والتوسيع والتضييق... تلك هي مقولات السلطة» (دلوز ص87...). فهي إذن مجموعة أفعال تؤثر في مجموعة أفعال ممكنة (فوكو، بحثان حول الفرد والسلطة، ص196، العيادي، ص58). بهذا ففوكو لا يعني بالسلطة ما دأبنا على تسميته بهذا الاسم، أي مجموع الأجهزة والمؤسسات التي تعمل على إخضاع المواطنين، كما لا يقصد بها أشكال الإخضاع التي عادة ما تتخذ، في مقابل العنف، شكل قانون، كما لا يقصد بها، أخيرا، نظام الهيمنة الذي يمارسه عنصر على عنصر آخر أو جماعة على أخرى. (إرادة المعرفة، ص121). إنني عندما أفكر فيها، يقول في مكان آخر (نظام الخطاب، ص71) أسائل نفسي عما كنت أتحدث في "تاريخ الجنون" أو في "مولد العيادة" اللهم إلا عن السلطة، رغم أنني لم أستخدم هذه العبارة، وقد عانيت الكثير في صياغتها، بسبب الوضعية السياسية التي عشناها، جراء التراشق السجالي العنيف بين اليمين واليسار. لكن المشكلة سوف تطرح بحدة عندما يعتبر فوكو أن «من سمات علاقات السلطة أيضا أنها غير معروفة» (دلوز ص81). لسبب بسيط هو أنه ليس هناك في الأصل علاقات سلطة (إرادة المعرفة، ص124). فهو إذن يعتبر أن ما السلطة، ما أصلها ومصدرها، غير ضروري المعرفة (لأن المهم في نظره ليس سؤال الأصل بل سؤال العقل)، ويرى بأنها عبارة عن "علاقة"، لكنه يعود فيرى أن علاقاتها أيضا غير معروفة! (ألم يكن معنا شيء من الحق عندما قلنا بأن فكر فوكو ما زال غامضا رغم عمقه وانسيابيته؟) لكن ما يفيدنا كثيرا في أبحاثه أنه، على خلاف الماركسية والبنيوية الكلاسيكية، قد أعاد لما هم أيديولوجي بعض الاعتبار: «لا وجود لعلاقة سلطة لا ترتبط بنشأة حقل معرفة، ولا وجود لمعرفة لا تفترض علاقات سلطة وتنشئها في الوقت ذاته» (دلوز ص45). ولا بأس أن نشير هنا إلى الالتقاء بين مارسيل غوشيه، الباحث عن أصل الدولة والسلطة السياسية، وميشال فوكو، الباحث عن أصل المعرفة، الذي يرى بأن المهم هو تأسيس سياسة جديدة للحقيقة، لا تلبث أن تتحول بدورها لسلطة، (دلوز ص46)، بينما ذهب غوشيه أبعد من ذلك عندما اعتقد (ص202)، بتفاؤل زائد، بأننا «على وشك الانتقال من تاريخ رفض السلطة إلى تاريخ القبض على حقيقتها... القادر وحده على منعها من أن تمارس»، وهو اعتقاد نرفضه لأن الإنسان لا يستطيع أن يراقب إلا شكلا واحدا من أشكال السلطة، هو "السلطة السياسية"، على أن هذه المراقبة نفسها تظل نسبية ومحدودة، بل إن هذه المراقبة تتحول بدورها إلى سلطة، ومع التعمق في تحليل رموز السلطة وأبعادها سندرك مدى استحالة القبض على السلطة ومنعها من أن تمارس.

لا نختلف كثيرا مع فوكو في استنتاجاته، وإن كنا نرى أن السلطة ممارسة رغم كونها تتضمن علاقة، لكننا نختلف جذريا مع غوشيه الذي توقع أنه سيأتي الوقت الذي نقبض فيه على حقيقة السلطة "القادر وحده على منعها من أن تمارس"!؟ فهو إذن يتصور مجتمعا بدون سلطة، وهذا لا ينبغي أن يعقل، ولا يمكن أن يكون، لأنه لا مجتمع بدون سلطة، كما أنه لا مجتمع بدون أيديولوجيا، إن السلطة تجدد نفسها، إنها بلا حدود، أو إن «السلطة هي حدود السلطة نفسها»  (ألتوسير1981 ص88)، وهي في الوقت ذاته قديمة في المجتمع، إنها أصيلة فيه: «إن أكثر التجارب الاجتماعية بدائية، تفيدنا تماما أن كون الإنسان جزء من جماعة يعني أن يخضع لاحترام بعض الأنظمة وتنفيذ بعض الأحكام، هذا هو في شكله العام، الواقع الاجتماعي للسلطة»  (لابيار1977 ص7).

إن هذه "العلاقة السلطوية" يستحيل فهمها وإدراكها إدراكا تاما بمعزل عن رموزها، لأنها تمارس ذاتها من خلال هذه الرموز والتفاعل بينها، ويصبح بالتالي ضروريا، لإتمام مفهوم السلطة، من تحديد رموزها.