|
حورات |
|
|
|
|
|
نصري الصايغ |
هل المطلوب إنقاذ أميركا في العراق أم إنقاذ العراق؟.. إمبراطورية الفوضى والعنف.. |
|
|
2007-05-25 |
خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية |
|
1 ـ العنف المستدام القرن العربي الماضي، استقرت فيه الحروب، بلا هوادة. القرن العربي الراهن، منذ سنواته الأولى، قرعت أبوابه الحروب في كل الجهات، فدخلته بسهولة، ولن تخرج منه في زمن قريب. عالم عربي، منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى، مشرع للعنف، تصدر إليه الحروب، أو يستوردها، أو يستدعيها، ويسقط فيها، كأنه منذور لدمائه. الذاكرة العربية لا تحتاج إلى منشطات ثقافية، كي تتعرف إلى جراح هذه الأمة. لا حاجة للعقل العربي إلى براهين وأدلة كي يعي أن الحرب مقولته الأولى، وسلسلة مفاهيمه ومنهج تحليلاته، ولا حاجة إلى من يشعر العربي ويهديه حس الوجع، فالحروب العربية، والحروب فوق الأرض العربية، حفرت خنادقها ومقابرها، وأقامت لها منطقة دائمة الحضور. راهناً، العنف ينبت في هذه الأمة كالفطر. العنف يحضر إليها بشهية لا تشبع. العنف يخط ركام الحاضر وركام المستقبل. إذاً، لابد من سؤال: لماذا؟ سأترك الجواب، لوزير الخارجية البريطانية الأسبق جاك سترو: «إن حكومة صاحبة الجلالة «بريطانيا» تتحمل مسؤولية كبيرة، لأنها وفرت الأرضية للحروب، عبر تقسيمها هذه المنطقة إلى قطاعات بركانية متفجرة». إن بريطانيا العظمى أسست مع سواها لهذا العنف المستدام، منذ اتفاق سايكس بيكو، ووعد بلفور. 2 ـ الرابح خاسرٌ لا حاجة لفتح سجل الحروب، إنما أتوقف عند فاتحة الحروب التي خسرها العرب، كان ذلك في ميسلون، حدث قبل ذلك اتفاق مشروط بين العرب وبريطانيا، خاض العرب في ظله حرب تحرر ضد الأتراك العثمانيين، دفع العرب دماءهم في فتح المدن، ولما انتهت الحرب بانتصار العرب، عُوملوا كالمهزومين. المنتصرون الأقوياء، فازوا بالقرار، المنتصرون الضعفاء، كان عليهم أن يكتفوا بتلقي الإملاء. الرفض العربي، انتهى ذبيحاً في ميسلون. الوطن العربي، تكرس أشلاء. الدول العربية حملت منذ الولادة تشوهات جنينية رافقته في انقساماته وحركاته وأحلامه وطموحاته. الرفض العربي، انتهى في ميسلون فيما القبول الصهيوني، كان يتقدم، على تنفيذ صادق لوعد بلفور. بعد ذلك، ولدت إسرائيل الهجينة قوية جداً، في مواجهة دولة تحمل تشوهات الماضي، وفقراً في عملية التقدم. وأسقط العالم العربي في امتحان الاستقلال والوحدة، بالقوة المسلحة، النظام الملكي الديمقراطي أسقطته المدافع في دمشق. البرلمانية العربية، استبدلت بحكم عسكري، مطوّب من الدول الديمقراطية. كان العنف العربي، في الحرب العالمية الأولى. يهدف إلى تحقيق الحرية وتجسيد الوطنية في سيادة وكرامة، كان العنف العربي، ضد العثمانيين، لإقامة شراكة سياسية مع دول ديمقراطية. أسقط الحلم العربي المنتصر، بالحلم الاستعماري المستكبر فيما كان العرب يقاتلون من أجل التحرر، قاتل الحلفاء من أجل الاستعباد، فاز الحلفاء. وخسر العرب. من هنا، بدأ العنف... ومازال.. كما قال جاك سترو. 3 ـ اللعنة الأم هذا كان في الماضي، تلك هي اللعنة الأم. فماذا اليوم؟ وماذا غداً؟ عرفنا على مدار قرن حروباً استعمارية واقتصادية وأخوية وعدوانية وتحريرية واستقلالية وإقليمية ودينية وإثنية وعنصرية وقطرية بكل أنواع الأسلحة، فقدنا رجالاً بعدد شعب. فقدنا طاقات لا تعد، وأنفقنا ثروات بمئات المليارات. ومع ذلك فمازال العالم يتعامل معنا، على أننا ساحة لمعاركه بكل أنواع الأسلحة ويهددنا بالكيميائي والبيولوجي والبكتريولوجي والذري . ويصدر إلينا عنفاً مباشراً، يتسم بكل خصائص الإرهاب مستدرجاً ردود فعل من طبيعته. نحن إزاء إرهابيين، إرهاب من الخارج وإرهاب مضاد من الداخل. نحن اليوم، نشبه في العالم العربي، إمبراطورية الفوضى التي أنتجها نظام ما بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وانتشار الآمال بالسلام العالمي. كذب. يسقط الاتحاد السوفيتي، ونبت العنف في العالم كالفطر، ولعل أكثره، بل جلّه، يجد أرضه الخصبة في بلاد سكانها من المسلمين. الحروب الحاضرة والماضية باستثناء سيرلانكا هي حروب ينشغل فيها مسلمون. على أن المطلوب، ليس تعداد الحروب، بل المطلوب الجواب على السؤال: ماذا اليوم؟ وماذا غداً؟ كان من المفترض، أن يعيش العالم، بعد أهوال الحرب العالمية الثانية، فترة سلام دائم، ابتدع المنتصرون، كما في الحرب الكبرى آلية لمنع الحروب، فأنشئت منظمة الأمم المتحدة لرعاية السلام العالمي، ولم تسمح هذه المنظمة في شرعتها اللجوء إلى العنف إلا في حالتين فقط: 1 ـ الدفاع عن النفس. 2 ـ تهديد السلام العالمي على أن يؤخذ قرار الحرب داخل مجلس الأمن. خانت الدول الكبرى مبادئ الأمم المتحدة، انتشرت الحروب بالواسطة والحروب المباشرة، والحروب المتسلسلة، بلا ترخيص دولي. ومن بين مئات الحروب التي شنت، اثنتان فقط. نالتا موافقة دولية: الحرب الكورية، وحرب التحالف الدولي على العراق، بعد اجتياح صدام دولة الكويت. حظي العرب في هذه الفترة على أكبر تسع حروب، بعد الحرب العالمية الثانية: حرب التقسيم، حرب السويس، حرب حزيران، حرب تشرين، غزو لبنان 1982، حرب الخليج الأولى، حرب الخليج الثانية، احتلال العراق، حرب تموز 2006 على لبنان. ما حصة العالم في أسباب هذه الحروب؟ حصة البداية والرعاية والتأييد والتنفيذ. الاحتلال الصهيوني جاء بدعم غربي متفاوت ورعاية دؤوبة وتأييد دائم وهو مستمر في ارتكاب هذه الجريمة. معظم الحروب من إنتاج طبيعة الاحتلال وطالما أن الاحتلال مستمر فان العنف سيظل مقيماً والحرب ستكون مشروعنا الدائم. التخريب السياسي والمصالح الاقتصادية، كانا خلف ما تبقى من حروب، انتظم فيها العرب إما حلفاء وإما أعداء وعوض أن ينقسم الأطراف بين عرب وغرب عدواني انقسم العرب عربيين عرب الأحلاف في حلف إيزنهاور وبغداد إلى... وعرب ضد الإلحاق. ما تبقى من حروب، ضربت ما بين العرب، ليس بحجم الحروب التي دفعت العرب إلى الاستقرار في حالة انتظار حرب أخرى، إما يصنعونها هم بعد لأي وإما يخوضونها ضدهم بكل حماس. هكذا خسرنا سلاماً داخلياً، ولم نمنح سلاماً خارجياً 4 ـ الميراث المزدوج تساءلت الولايات المتحدة الأميركية بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 لماذا يكرهوننا؟ وأجابت هي على السؤال: لأنهم يحسدوننا، يحسدون حريتنا ونمط عيشنا، وديمقراطيتنا يريدون تدمير مجتمعاتنا لأنهم يمثلون البربرية في وجه المدنية، والتخلف في مواجهة الحضارة. واستقرت أميركا على هذه الإجابة المرضية لها ولسياستها ورفضت ان تسمع أي تفسير آخر أو أي تفسير متعدد، رفضت أن تجد سبب الكراهية في سياستها ردت ذلك إلى أسباب حضارية إلى كراهية متأصلة لدى ثقافات وشعوب للتفوق الحضاري الأميركي. وجواباً على السؤال يمكن التأكيد على أن الكراهية متنوعة الأسباب إلا أن الكراهية العربية ليست نتاج مصنع الكراهية الثقافي أو الديني أو المذهبي بل هي نتاج مصنع السياسة الكريهة لأميركا. الانحياز الكامل إلى إسرائيل لا يولد صداقة بل كراهية، الاستكبار السياسي، لا يولد وداً بل حقداً. الاحتقار المستدام يولد عنفا مستداما فكيف إذا كانت السياسة الأميركية تتبنى سياسة الاحتلال والقمع والإلحاق والسرقة والإخضاع والإملاء؟ كيف إذا كانت واشنطن قد اختارت أن تكون سياستها في هذه المنطقة تحديدا وهي استعمال القوة بنفسها أو السماح لإسرائيل باستعمال القوة بديلا عنها وعن نفسها كذلك؟. أورد في هذا السياق ما نقله البروفيسور جيل كيبل بعيد الحادي عشر من أيلول اختار كيبل أن يقطف ردود فعل عربية على الحدث. زار المغرب، مصر، لبنان، السعودية، قطر، وسواها. وروى في كتابه ما يلي: رجل سعودي مقيم في بريطانيا يعيش وفق الأسلوب البريطاني ووفق البروتوكول الاجتماعي الانكليزي ملبساً ومشرباً ومأكلاً وتسلية يدير أعماله الناجحة في لندن ومع ذلك عندما قرر أن يوزع ثروته على ولديه قسمها إلى ثلاث: الأولى لولده البكر، الثانية لولده الثاني، والثالثة لابن لادن. ولما سأل كيبل ابن ذلك الثري السعودي عن السبب، أجاب الابن: أنها سياسة الغرب إزاء العرب. هذا هو الثمن، سياسة الغرب تنتج رد فعل في طبيعة سياستكم، هذا هو منطق الكرامة عند أبي. فهذا الرجل لم يكن كارهاً للمجتمع البريطاني أو الأميركي بل كارهاً لسياستها الفظة، المجرمة والمتعالية والمنحازة ضد كل ما هو عربي. 5 ـ العنف بعيد عن واشنطن الخريطة العربية يحتشد فيها العنف ويتأهل لكسب مناطق مؤهلة لاستقباله. ليس كل العنف صناعة أميركية لان البلاد العربية، في معظم مراحلها الحديثة تخلفت عن صياغة رد سياسي اقتصادي ثقافي شعبي على السياسات العدوانية بل إن بعض هذه الحكومات أقامت حلفاً جهنمياً مع هذه السياسات العدوانية. ما جعل العنف الوليد استفادت أميركا من هذا العنف كل هم واشنطن أن يبقى العنف بعيدا عنها لم تكن تشعر بالإحساس الأوروبي المشبع خوفا من العنف ولقد ضرب العنف أوروبا مرارا، أميركا كانت مطمئنة إلى أمنها. حاليا نجحت أميركا في استبقاء العنف في مواطنه البعيدة، عنف في أفغانستان، عنف في العراق، عنف في فلسطين، عنف في لبنان، عنف في الصومال، عنف في دارفور في السودان ومشاريع عنف في الخليج والمغرب والجزائر ومصر والسعودية. العنف أرضنا العربية . العنف سماؤنا العربية. والعنف هلاكنا المستقبلي. وأميز بين العنف الذي اتخذ شكل المواجهة المنهجية والمحددة في مقاومة الاحتلال وتحديدا الاحتلال الإسرائيلي وبين العنف الذي يفرخ في كل الأمكنة المغلوطة ولا يصيب الاحتلال إلا نادرا جدا. 6 ـ النجاح الأميركي يقال الكثير عن فشل واشنطن في العراق، لم يحن وقت الحساب بعد، الذي فشل في العراق هم العراقيون والعرب معهم، العراق ذاهب في العنف إلى مسلخه ولا نبوءة متفائلة تفضي إلى حل ولو بعيد. كتب معلق فرنسي على تقارير سياسية و أحاديث دبلوماسية تطالب بمساعدة أميركا للخروج من العراق قال: «لابد من تصحيح اتجاه البوصلة، ليس المطلوب إنقاذ أميركا في العراق، بل إنقاذ العراق من أميركا» فالعراق هو الضحية وسياسة أميركا الإجرامية دفعت بالعراق إلى المقصلة. ويقال الكثير عن الفشل الأميركي في لبنان ها هي بيروت تعيش كوابيسها الدامية، العنف يزدهر كالجريمة ،كل شيء بات مهددا، وليس باستطاعة أي فريق لبناني أن يضع نقطة على سطر العنف، نقطة نهائية. العنف في فلسطين، بين فلسطيني وفلسطيني يوقع من الضحايا أكثر من حجم الاعتداءات الإسرائيلية. يبدو أن المشروع الفلسطيني الحالي مفتوح على المزيد من العنف المتبادل. ماذا في الصومال؟ وفي...؟ نجحت أميركا في استبدال هديتها المسمومة: الديمقراطية، بتوزيع النعوش على العرب نعم نجحت.. والآتي أعظم خاصة في ظل قيام نظام عربي إقليمي متماسك في حدوده الدنيا، وفي ظل مشروع السيطرة الأميركية على المنطقة. 7 ـ أخيراً... عندما طلب من أميركا أن تجيب على أسئلة الاستراتيجيين، بعد سقوط الاتحاد السوفيتي حول خياراتها المستقبلية اختارت بدل قيادة العالم، أن تحكم العالم، وان تسيطر على العالم وان تحتل العالم. سيكون ثمن هذه السياسات تعميم صناعة العنف الأميركي والكراهية لها، والحقد عليها، والضحايا لن يكونوا إلا من ضحاياها السابقين.
|
||
|
|
|
حورات |