|
حورات |
|
|
|
|
|
الدكتور عبدالله تركماني |
انزلاقات لبنان نحو الوصاية الدولية (*) |
|
|
2007-05-25 |
خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية |
|
إنّ اهتزاز الوضع اللبناني وانزلاقاته المتواصلة في اتجاه الوصاية الدولية لا يحتاج إلى مزيد من الأدلة ( شهد منذ أواسط 2004 سلسلة من القرارات الأممية بدأت بالقرار 1553، ومرت بالقرارات 1559 و1595 و1636 و1644 و1664 و1680 ووصلت إلى القرار 1701 )، فمنذ حرب الصيف الماضي والتداعيات التي تبعتها خاصة، ولبنان يشهد إمعانا في تعطيل المؤسسات الدستورية، ودفع البلد في اتجاه البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، بعد محاولات تطيير المحكمة ذات الطابع الدولي، وتجاوز المواثيق اللبنانية والعربية والدولية التي تدعو إلى الحفاظ على خصوصية العيش المشترك في لبنان. لقد صار معروفا أنّ القيادة السورية لا تريد المحكمة ذات الطابع الدولي، وقد نجحت عبر حلفائها في لبنان - حتى الآن - في عدم قيامها. إذ تدرجت من رفضها على أساس أنها غير معنية بها وهي ستحاكم أمام محاكمها كل سوري يثبت تورطه في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ثم تطورت إلى ربطها بمجموعة مطالب من بينها تشكيل المحكمة بعد انتهاء التحقيق، مما يعني استبعادها ربما لما لا يقل عن سنة أو سنتين، أو إلغاء بعض البنود فيها وإلغاء الربط بين جريمة الحريري وجرائم الاغتيال الأخرى. لقد قدمت المعارضة اللبنانية، من حيث لا تدري، خدمة جليلة للأكثرية عندما رفضت مناقشة نظام المحكمة الدولية في مجلس النواب، فجعلت إقرارها في مجلس الأمن محتما، وأسقطت بذلك حجة سورية بضرورة توافق اللبنانيين عليها، إذ حوّل هذا الرفض المحكمة من مشكلة لبنانية - لبنانية ولبنانية - سورية إلى مشكلة بين سورية والعالم، بعدما أعلنت روسيا أنها لن تستخدم حق النقض ضدها، مثلما حصل مع القرار 1701 الذي يلزم سورية بوقف تدفق السلاح إلى لبنان عبر حدودها، وربما لاحقا مراقبة هذه الحدود، إذا رأى المجتمع الدولي أنها لا تستجيب. والواقع أنّ دولا مؤثرة في المجتمع الدولي تبدي قلقها من إدخال تعديلات إضافية على نظام المحكمة، خصوصا في ما يتعلق بعلاقة الرئيس والمرؤوس، بعدما تم تأمين الحماية للرؤساء وفق التعديلات التي قدمتها روسيا على النظام الأساسي للمحكمة. وفي رؤية هذه الدول: إنّ أية تعديلات تتناول هذا البند ستؤدي إلى إفراغ نظام المحكمة من مضمونه، بحيث يصبح من غير المفيد المضي في تأليف المحكمة ما دام لا جدوى منها في ظل تقييد وصولها إلى المذنبين الحقيقيين. وبقراءة متأنية للقرارات الأممية يظهر أنّ قرارين منها اتُخذا بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهما بالتحديد: القرار 1636 الذي يساند إجرائيا لجنة التحقيق الدولية في عملها الاستقصائي لكشف ملابسات جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ويجعل التدخل في هذه العملية الإرهابية عملا يخالف سيادة لبنان وحريته. والقرار 1644 الذي وسّع عمل لجنة التحقيق ليطال الجرائم التي حصلت في لبنان منذ 1 أكتوبر/تشرين الأول 2004، بالإضافة إلى إقراره طلب الحكومة اللبنانية الرامي إلى محاكمة المتورطين أمام محكمة لها طابع دولي، على أن يساعد الأمين العام للأمم المتحدة الحكومة اللبنانية في تحديد طابع المساعدة المطلوبة ونطاقها. والمشكلة هي أنّ الديبلوماسية السورية اليوم، كما كانت قبل القرار 1559، لم تصغِ إلى رسائل الحكمة والتعقل التي حملها منسق السياسة الخارجية الأوروبية خافيير سولانا إلى دمشق، ولا تسمع نصائح المملكة العربية السعودية ومصر، كما لم تبالِ بنداء العقل والضمير لنخبة المثقفين والناشطين السوريين " سورية الوطن والشعب هي الأبقى "، وفي مقدمتهم سجناء الرأي والضمير: عارف دليلة، كمال اللبواني، أنور البني، ميشيل كيلو، محمود عيسى، فائق المير. فلا تزال على موقف الرفض إلى أن تجد نفسها أمام المزيد من المصاعب والعزلة، لأنّ المحكمة الدولية سيتم فرضها من قبل مجلس الأمن الدولي، وهو التوجه المتوقع في حال بقاء حلفاء سورية في لبنان على مواقفهم. إنّ الرهان السوري على عدم قدرة المجتمع الدولي على إقرار المحكمة عبر الفصل السابع يشكل خطأ ينبغي تجنبه، فمع نشوء مؤسسات المجتمع الدولي ومع تداخل العلاقات الدولية ونشوء الجرائم العابرة للدول والقارات، كان لا بد من أن يتوافق هذا المجتمع على مبدأ " عدم التملص من العقاب "، وسوف يتصرف مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من الميثاق على أساس أنّ اغتيال الرئيس الحريري يشكل " عملا إرهابيا له أبعاده ويشكل تهديدا للأمن والسلم الدوليين ". إنّ من الخطأ محاولة وصف المحكمة بأنها وسيلة انتقام سياسي، مع إقرار مسبق بأنّ لأحكامها نتائج سياسية سيجري التعامل معها خلال مدة طويلة من الزمن، لكنّ مثل هذه النتائج لا يجوز أن تكون سببا لنسف المحاكمة من أساسها. وإذا وصلنا إلى الفصل السابع، وهو أكره الحلال كما قال وزير العدل اللبناني شارل رزق، فإنّ على المعارضة اللبنانية أن تعرف أنها ذهبت بعيون مفتوحة جدا إلى هذه المحكمة، وإلى الوصاية الدولية، عندما وضعت عربة الحكومة أمام حصان المحكمة ذات الطابع الدولي. ولكأن مقايضة الحقيقة والعدالة بالمعادلة الرقمية 19+11 في حكومة أشرفت على نهايتها الدستورية يمكن أن تبني وطن العيش المشترك، أو لكأن مقايضة الدم بالسياسة مسألة تجوز في هذا العصر.
تونس في 20/5/2007 الدكتور عبدالله تركماني كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
(*) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 24/5/2007. |
||
|
|
|
حورات |