بغض النظر عمن حرك الأحداث مؤخراً باتجاه المواجهة بين فتح الإسلام والجيش اللبناني، فإن ما برز للسطح أثناء هذه الأحداث يستلزم وقفة معمقة لأننا امام حالة عينة من حالة متأزمة ومغفلة إلي حد بعيد، تتجاوز هذه المصادمات وحتي الحالة اللبنانية برمتها، وتتصل بعمق الشارع العربي والإسلامي.

فما طرحه التنظيم المسمي " فتح الإسلام " أثناء هذه المواجهات، لا يمثل أي خط او نهج سياسي بالحد الأدني لما يمكن ان يبرر تسمية المجموعة " تنظيماً ". فهو يقول تارة أنه يسعي لتحرير القدس، وهذا متوقع ومقبول من تنظيم منشق عن " شهداء الأقصي " بمسمي إسلامي تحديداً. لكن قوله "جئنا لنصرة السنة " في لبنان فيما هو يخوض حرباً مع الجيش اللبناني يدعو لأكثر من تساؤل لا يجد له إجابة منطقية.

فبداية، الجيش اللبناني الآن تحت إمرة حكومة أغلبيتها الحاكمة تنضوي تحت مظلة " تيار المستقبل " الذي يتزعمه السيد سعد الحريري السني الذي يقال الان - بغض النظر عن قناعتنا بمبررات هذا القول - إنه يمثل السنة في لبنان. بل إن الحكومة اللبنانية الحالية تخوض كل معاركها الداخلية والإقليمية وتعقد تحالفاتها الدولية علي قضية واحدة دون كل قضايا لبنان المتأزمة، وهي " الكشف عن قتلة رفيق الحريري "..

وليس جبران تويني أو خليل حاوي أو سمير قصير وغيرهم ممن قتل معهم او مع الرئيس الحريري، وليس عشرات الألوف من القتلي والمعذبين والمفقودين من السنة والشيعة والمسيحيين والدروز، اللبنانيين والفلسطينيين، في سنوات الحرب الأهلية.. أي انه، إن قبلنا أن دم الحريري وليس غيره هو ما يحرك هذه الحكومة باتجاه قرارات ترهن حتي السيادة اللبنانبة، فإن السنة يكونون أبناء الحكومة المدللين حتي الإفساد، وليس العكس..

فمن الذي استنجد بمن في ظل هكذا حكومة؟؟ أم هي فتنة طائفية يجري ركوب موجتها بجهالة مدقعة؟؟ والأعجب أنها الفتنة التي يحاول " سنة " آخرون من الأغلبية الحكومية ركوب موجتها الجديدة في طرابلس حين دعوا ميليشياتهم لحمل السلاح في المدينة للتصدي " لفتح الانتفاضة ".. وحاول ركوبها غير السنة من ذات الأغلبية، كما رأينا في محاولة ربط السيد وليد جنبلاط مواجهات مخيم نهر البارد بسلاح حزب الله الذي هو " شيعي " !!

ولكن قول مسؤول فتح الانتفاضة أنهم مستهدفون لأنهم يقولون "لا اله الا الله محمد رسول الله " يكشف النفس التكفيري الكريه لدي هذه الجماعة. فمعني قولهم هذا ان كل من يعاديهم او يعادونه كافر ، والثانية (من يبادرون هم لعدائه) هي الأغلب، لأن الناطق باسمهم يضيف أن هدفهم هو (قتال الكافرين).. ويقصد بها حتماً مسلمين سنة وشيعة ومسيحيين وعلمانيين، وليس الصهاينة المحتلين لأنه لو قصد هؤلاء لقال (اليهود)!!

وكلمة "جئنا " تكمل الصورة الحقيقية لهؤلاء الذين لاهم "فتح" التي - رغم مآخذنا علي سياسات بعض قادتها بعد ما أسمي بمسيرة السلام - تظل فصيلاً مناضلاً لا يفرخ إلا نوعه، ولا هم فلسطينيون.. فحين توالت الأخبار عن المواجهة لتفيد أن جنسيات القتلي من " فتح الانتفاضة" في أول يوم للمواجهة كلها عربية غير فلسطينية أو لبنانية، تأكد أن استعار اسم فتح كان كاستعارة اسم الإسلام..

بينما الحقيقة أن هؤلاء نسخة طبق الأصل عن مجاميع صغيرة من المتطرفين الذي يجوبون العالم العربي والإسلامي (وأحياناً يتسربون لخارجه )، يقودهم نكرة يسمونه " أميرهم "، بحثاً عن أرض يمارسون فيها طقوس القتل بجز الأعناق إن امكن، وبغيرها إن لم يتسن لهم ذلك.. طابور من التنظيمات التي تخرج كالفطرمن تحت الأرض بعد كل عاصفة تحل بالأرض العربية التي لا تنقصها العواصف!!

لن نتوقف عند مسؤولية أمريكا عن استقطاب وتدريب وتمويل " العرب الأفغان " وغيرهم، ولكننا نتوقف أولاً عند دور الحكام والشيوخ في نزاعهم علي أعناقنا، أو تحالفهم "غير المقدس" عليها.. كما أسمي تحالف الكهنوت مع ملوك أوروبا في عصور ظلمتها علي شعوبها بعامة وعلي مفكريها وعقولها بخاصة!!

طوال عقود منذ أواسط القرن الماضي وإلي يومنا هذا، كان يكفي أي أمي جاهل أن يلبس دشداشة ويطيل لحيته ليصبح " شيخاً " تقسم له التقوي وتوجب طاعته.. بل وتحل لهم دماء وأعراض الأمة في أحايين كثيرة، كما جري في الجزائر!! وبلغ تسييس الإسلام حداً من النفعية ان قامت تحالفات سرية ومعلنة بين هذه الجماعات التكفيرية المتناثرة والطارئة، وبين القوي الإسلامية الرسمية (أحزاب حكم أو معارضة وشيوخ ومفتو دولة، لا فرق) باعتبارهم مجاميع أتباع أو مشاريع أتباع أو امتدادات عربية أو إقليمية للإسلام السياسي..

 أو ناخبين في المواسم الديمقراطية الحقيقية أو المزعومة.. المهم أن تكاثر اللحية والجلباب سيحسب لهم في أية بانوراما سياسية غير ممحصة!! وغالبية الأنظمة العربية غير الديمقراطية تواطأت علي هذا لتوحي لحلفائها الغربيين أن الديمقراطية ستأتي بالتكفيريين قاطعي الرقاب هؤلاء. ورضي المعتدلون بالتهمة المبطنة مقابل صيت الغني الذي هو أفضل من صيت الفقر ..

وصدق العالم الكذبة، فعادت إلينا وهي تلبس ثوب "الحقيقة السياسية " التي توصلت لها مراكز استراتيجية غربية لا تخطيء، فصدقها العديدون منا، وبعضهم دخلوا في صفقات وتحالفات مصلحية مع القوي المزعومة هذه زادت من ترسيخ الشبكة التي باتت تلتف علي أعناق الحكام دون ان يدروا أنهم من بين أكبر ناسجيها!!

والآن وبعد أن اختلطت الرؤية علي المسلم العادي، وفي موسم " الاعتدال " المطلوب أمريكياً والممول من الحكومات العربية، تخرج علينا رسالات العواصم العربية المتنافسة علي زعامة العالم الإسلامي لتثلج قلوب التكفيريين فيضحكون في العلن مرة وهو يقبضون ثمن " الديباجة "، وفي السر مرتين وهم ينظرون إلي حملات الترويج لهذه الرسائل بعين، وإلي أعناقنا وبعض رؤوسنا التي نضجت فحان قطافها (الفجة والمفرغة تترك لأن قولبتها مضمونة)!! وسبق وكتبت في هذا الموقع عن إحدي رسائل " الاعتدال " هذه ( رسالة عمان ) مبينة كيف تحولت المؤتمرات التي أنتجتها والتي قامت عليها من بعد- بتوثيق مستمد من تغطية الإعلام الرسمي ذاته لهذه المؤتمرات - إلي منابر للتطرف، ومبينة ان مدلول الفتوي الوارد في هذه الرسالة بأن من يتبع أحد المذاهب (أظنها بلغت الستة أو الثمانية) لا يجوز تكفيره" ،هو بالذات ان من لا يتبع هذه المذاهب " يجوز تكفيره"!! والطريف أن الأردنيين بالذات يتبعون مذهبين في آن وفي خلط غير خاضع إلا لقناعة الشيوخ المعنيين بتقنين مفصل ما في قانون أو إجراء أو حتي في مناسك عبادة، وهما المذهب الحنفي والشافعي، وغالبية الأردنيين المسلمين لا يعرفون هذا..

 بينما يحمل العديد من نخب المسلمين الأردنيين أفكاراً وقناعات، من ثقافتهم العامة ونتيجة إعمالهم لعقولهم، قد لا تتطابق مع أي من تلك المذاهب التي جري انتقاؤها في اقتسام كعكة الفتوي هذه، خاصة مع كثرة المستجدات في الحياة العصرية.. فكم من هذه النخب عليه أن يتحسس رقبته؟؟

ليس العيب في تعدد الطوائف، فهي، كتعدد الأعراق والثقافات، شكل من اشكال التعددية التي توسع آفاق العقل وتنمي قدرات التعايش السلمي في المجتمعات الديمقراطية الحقة. ولكن علتنا تكمن في التكفيريين الذين باتوا مداخل ميسرة لكل " طابور خامس " يريد إشعال أوطاننا، ولا يمكن السكوت عنهم بعد الآن، خاصة سكوت من يزعمون امتلاك حق إصدار الفتاوي الدينية. ولنا تجارب سابقة مع تيارات وأحزاب وشخصيات إسلامية تزعم الاعتدال رفضت إدانة التكفيريين هادري الدماء وقاطعي الرقاب ومشعلي الفتن في مصر والجزائر والأردن. ولكننا نعتقد جازمين ان هذا لم يعد يقبل بعد كل ما جري لأمتنا، كما لا يمكن قبول الخطاب المزدوج: واحد في العلن بحجة التقية، وآخر في السر لحلقة الأتباع والتلامذة.

وبما ان التصدي للتكفيريين ليس أولوية حقيقية للأنظمة العربية، فالتحالف بينهما القائم علي تبادل شهادات الشرعية كان قطريا، ولكنه الآن بات ذا أبعاد إقليمية ودولية.. لهذا المهمة تقع علي النخب السياسية والفكرية في المعارضة وقوي الإصلاح الديمقراطي، وتبدأ بطلب مواقف محددة من التكفيريين ورفض أي تماه غير مشروع لهم مع أية تسميات وطنية او زعم لقدسية دينية.. فالدين لله والوطن للجميع.