أقسم بالله العظيم. أن أصُونَ حياة الإنسان في كافّةِ أدوَارهَا. في كل الظروف والأحَوال بَاذِلاً وسْعِي في استنقاذها مِن الهَلاكِ والمرَضِ والألَم والقَلق. والله على ما أقول شهيد.

هذا مقطع من قَسَم الطبيب الذي يجب عليَّ وعلى الدكتور بشار الأسد وعلى كل طبيب أن يلتزم به طوال حياته. بناءً على هذا القَسَم لا يجوز لي أن أرى مريضاً أحسب أنه يوشك على الهلاك لأن طبيباً آخر أخطأ في تشخيص مرضه، وبالتالي أخطأ في علاجه، دون أن أرفع صوتي عالياً وأقول لذلك الطبيب: مريضك موشكٌ على الهلاك لأنك أخطأت في تشخيص مرضه وأخطأت في علاجه. إذا صمتُّ أكون قد خنت القسم الذي عاهدت الله فيه (أن أصُونَ حياة الإنسان في كافّةِ أدوَارهَا في كل الظروف والأحَوال بَاذِلاً وسْعِي في استنقاذها مِن الهَلاكِ والمرَضِ والألَم والقَلق) ستكون خيانتي عظيمة إذا فعلت ذلك في حق إنسان واحد، فكيف ستكون خيانتي إذا فعلت ذلك في حق عشرين مليون إنسان، في حق وطن بأكمله أحسب أن الرئيس الدكتور بشار الأسد يسير به نحو الهلاك لأنه أخطأ في تشخيص مشكلته وبالتالي أخطأ في علاجها.

أريد أن أبدأ بعرض وجهة نظري لتشخيص مرض سورية ولعلاج هذا المرض منذ أن استلم الدكتور بشار الأسد حكم سورية.

لقد ورث الدكتور بشار من والده نظاماً سياسياً شمولياً فردياً من نوع الأنظمة الشمولية التي كانت تحكم نصف دول العالم في القرن الماضي والتي اندثر معظمها بعد أن أثبتت التجربة الإنسانية أن الأوطان لا يبنيها العبيد الخائفون تحت سيف دولة الأمن والقمع وإنما يبنيها المواطنون الأحرار في ظل دولة السياسة والقانون. ورث الدكتور بشار من والده نظاماً شمولياً لم تعارضه الدول الغربية كثيراً لأنه أقنعها بأن البديل عنه سيكون إسلامياً متطرفاً يهدد مصالح الغرب ولم يرتفع صوت معارضيه في الداخل لأن آلة القمع الرهيبة زرعت الخوف في قلب كل مواطن سوري. تغير العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وانهيار الأنظمة الشمولية في العالم الواحد تلو الآخر مثل أحجار الدومينو، وارتفع وعي الشعوب (بما فيها الشعوب العربية) بعد تطور وسائل الإعلام والاتصال، وأصبح حجب الحقائق عن الشعوب والكذب عليها ضربٌ من الحماقة وبالتالي لم يعد باستطاعة الدول الغربية أن تستمر في دعمها المطلق للأنظمة الديكتاتورية في العالم العربي ولا سيما أن كثيراً من مؤسسات البحث في العالم الغربي ربطت بين أحداث 11 سبتمبر وحالة الظلم والإحباط التي أوجدتها الأنظمة الديكتاتورية في المجتمعات العربية.

لم يوفّق الدكتور بشار ـ حتى اليوم ـ في قراءة هذه التغيرات العالمية الدراماتيكية واستمر في التعامل مع الداخل والخارج وفق أسلوب والده القديم الذي إن كان مجدياً في الثمانينات من القرن الماضي فلم يعد مجدياً على أبواب القرن الحادي والعشرين، كانت سورية بعد رحيل حافظ الأسد بحاجة إلى رؤية جديدة مختلفة تماماً، رؤية عصرية تدرك التغير الذي طرأ على العالم، رؤية إنسانية تنطلق من احترام الإنسان السوري واحترام حقوقه، رؤية تصالح النظام السوري مع شعبه وتمنح هذا الشعب فرصته في الحياة الحرة الكريمة. منذ استلامه الحكم بدا أن الرئيس بشار لا يملك هذه الرؤية وبدا تشخيصه لمشكلة سورية بعيداً تماماً عن حقيقتها فقد اعتقد أن الخلل الإداري والاقتصادي هو أساس المشكلة في سورية وأن الأولوية هي للإصلاح الإداري والاقتصادي.

إن نقطة البدء في أي عملية إصلاحية هي بناء الإنسان الذي يشعر بقيمته وكرامته ويحمل تقديراً عالياً لذاته، وإن سياسات النظام السوري عملت طوال أربعة عقود على تحطيم هذا الإنسان وتحطيم شعوره بالقيمة والكرامة! كيف يشعر السوري بقيمته وكرامته تحت وطأة المادة الثامنة في الدستور السوري التي تجعل البعث قائداً للدولة والمجتمع وكأن السوريين قاصرين متخلفين لا قدرة لهم على ممارسة حقوقهم السياسية التي تمارسها شعوب الأرض الأخرى؟! كيف يشعر السوري بقيمته وكرامته في وطن يختفي فيه آلاف الناس في السجون ثم تمضي الحياة وكأن شيئاً لم يكن، وكأن أمهات هؤلاء المفقودين وأزواجهم وآبائهم وأبنائهم وأقربائهم وأحبائهم ليسوا بشراً وليست لهم قلوب ولا ذكريات ولا دموع ولا مشاعر!؟

نتيجة لهذا الشعور بانعدام القيمة ينخفض مستوى الأخلاق فتقدير الذات هو من أهم العوامل التي تدفع الإنسان إلى التحلي بمكارم الأخلاق، ونتيجة لهذا الشعور بانعدام القيمة يقل الولاء للدولة فكيف يقدر المواطن السوري دولته إذا كانت لا تقدره ولا تقيم له وزناً وينعكس انخفاض المستوى الأخلاقي وانخفاض الولاء للدولة على شكل ارتفاع في مستويات الفساد إذ تراجعت سورية على مدرج الفساد من الدولة رقم 77 عام 2003 إلى الدولة رقم 93 عام 2006 حسب منظمة الشفافية العالمية ومن دون الحاجة إلى هذه الأرقام يدرك كل مواطن سوري أن الفساد بلغ في عهد الرئيس بشار درجة غير مسبوقة، أما الاقتصاد فهو في تدهور مستمر يشعر السوريون بازدياد وطأته يوماً بعد يوم على شكل غلاء في الأسعار وارتفاع في معدلات البطالة وقد لخص الدكتور عصام الزعيم رئيس جمعية العلوم الاقتصادية في محاضرة بعنوان "الاقتصاد السوري إلى أين؟.." أزمة الاقتصاد السوري حيث قال (ومن المشكلات البنيوية التي يواجهها الاقتصاد السوري النمو المنخفض حيث بالكاد يتجاوز النمو السكاني، ووثائق المؤسسات الدولية تشير إلى أن النمو بلغ عام 2005 (3٪) وإذا لاحظنا التضخم (9٪) فإن النمو يصبح سالباً وهذه مسألة خطيرة من حيث انعكاساتها على البطالة والفقر) وفي دراسة أعدها مروان سليم حمزة وهي تتقاطع مع نتائج توصلت إليها الكثير من الدراسات حول الاقتصاد السوري توصل الباحث مروان إلى أن (من نقاط الضعف في الاقتصاد السوري ضعف القدرة التكنولوجية الوطنية وضعف مردود مؤسسات البحث العلمي الحكومي ومستويات التأهيل والتعليم وغياب برنامج استراتيجي وضعف الإدارة وقدم التشريعات والأنظمة والإجراءات وتعقيدها وبيروقراطيتها وارتفاع تكاليفها، وضعف تأهيل الكادر الإداري وتدني كفاءته، واستمرار تقويم العاملين في القطاع العام ومؤسسات الدولة في ضوء الولاء وليس الكفاءة، وتضخم العاملين في الإدارة وزيادة النفقات الإدارية وشخصنة مؤسسات الدولة وطبعها بطابع من يتولى إدارتها، وتفشي الفساد وخاصة انتشار الرشوة واستغلال المناصب الرسمية للثراء الخاص ودخول الموظفين الكبار في قطاعات الأعمال الخاصة واستغلال المنصب العام لتحقيق مصالح سياسية، والمحسوبية والمحاباة والوساطة فى التعيينات الحكومية وضعف أجهزة الرقابة والمحاسبة وعدم استقلاليتها).

هذا الفساد والتدهور الاقتصادي لم توقفه ولن توقفه عشرات القوانين الجديدة ولا عزل عشرات الموظفين والقضاة الفاسدين لأن تشخيص مشكلة سورية خطأ في أساسه (الخلل الإداري والاقتصادي) وبالتالي العلاج خاطئ (قانون يصدر هنا أو هناك أو فاسد يتم تنحيته من هذا المنصب أو ذاك) ونتيجة الخطأ في تشخيص المرض وعلاجه يأتي الفشل في تحسن المريض أي الفشل في وقف التدهور الاقتصادي وخفض معدلات الفساد وهي الوعود التي لم يستطع الرئيس بشار الأسد أن يفيَ بها طوال فترة حكمه.

إذن مشكلة سورية هي في النظام الشمولي الاستبدادي الذي لا يحترم كرامة الإنسان والذي لا توجد أي آلية لمراقبته ومحاسبته وهذه المشكلة لا تحل بإصلاح إداري ولا بإصلاح اقتصادي. هذه المشكلة لا تحل إلا بإصلاح سياسي يعيد الاعتبار والكرامة إلى المواطن السوري، إصلاح يحقق المصالحة الوطنية ويحل الملفات الإنسانية الخطيرة (ملف المفقودين وملف المهجَّرين وملف المحرومين من حقوقهم المدنية وملف الإخوة الأكراد) ويعيد سورية كما كانت قبل استيلاء البعث على السلطة جمهورية تعددية، إصلاح سياسي يكفل المشاركة الحقيقية في تشخيص مشاكل الوطن وعلاجها ويكفل المراقبة والمحاسبة التي تردع المخالفين وتؤدي إلى تصحيح الأخطاء. أما حجة السيد الرئيس في أن الضغوط الخارجية هي التي تعيق الإصلاح السياسي فهي تشبه حجة المريض الذي يمسك بملعقة دواء ويقدمها نحو فمه فيأتي عدوه ويقول له يجب أن تأخذ هذا الدواء فيرمي بالملعقة جانباً نكاية بهذا العدو! إن القول بإيقاف الإصلاح السياسي بسبب الضغوط الخارجية هو قول يحتاج إلى مراجعة فمن يعتقد أن بلده بحاجة إلى إصلاحٍ ما عليه أن يمضي بهذا الإصلاح بغض النظر عمّا يريده الآخرون وإن لم يفعل فمعنى ذلك أنه يجعل سياساته (من حيث لا يدري) رهناً لإرادة الآخرين وليست رهناً للمصلحة الوطنية.

أما القول بإيقاف الإصلاح السياسي للحفاظ على الأمن فهو يحتاج إلى مراجعة أيضاً، فما علاقة الأمن بالإصلاح السياسي؟ الإصلاح السياسي يعني إطلاق الحريات العامة والسماح بحرية الإعلام وتشكيل الأحزاب وتداول السلطة ولا يعني أبداً أن تتخلى أجهزة الأمن السورية عن مهامها في الحفاظ على أمن البلاد ومراقبة واعتقال من يقوم بأعمال إرهابية كقتل الناس وتفخيخ السيارات فكيف سيؤدي الإصلاح السياسي إلى منع أجهزة الأمن من القيام بهذه المهام؟!

وأما القول بأن للشعب السوري خصوصية تجعله غير قابل للديمقراطية الموجودة في الغرب فهو رأي وليس حكماً قطعياً غير قابل للنقاش. ماذا عن آراء السوريين الآخرين في أنفسهم؟ هناك من يرى أن الشعب السوري جاهز لممارسة الديمقراطية والدليل على ذلك أنه مارسها فعلاً قبل استيلاء البعث على السلطة. ثم من قال أن الشعب السوري يريد استنساخ الديمقراطية الموجودة في الغرب؟ الشعب السوري يريد استعادة نظامه الديمقراطي الذي كان قائماً منذ الاستقلال والذي سلبه منه حزب البعث بالقوة، الشعب السوري يريد استعادة حريته وحقوقه المشروعة، الشعب السوري يريد نظاماً سياسياً لا احتكار فيه للسلطة، نظاماً قائماً على التعددية والتداول وسيادة القانون لأنه في ظل نظام كهذا يتحقق التنافس السياسي الشريف الذي يجعل الوصول إلى السلطة والبقاء فيها مرتبطاً بكفاءة الحزب الحاكم وإخلاصه لا بقدرة هذا الحزب على ترويع الناس! في ظل نظام كهذا تتحقق المحاسبة الحقيقية التي لا تستثني أحداً فيتوقف نهب الموارد العامة واستغلال السلطة للأغراض الشخصية وغير ذلك من سيئات الأنظمة الشمولية التي لا تخضع للمساءلة والمحاسبة لأن الخصم فيها هو الحكم. فأي خصوصية تجعل الشعب السوري غير قابل لهذه الإصلاحات؟ أي خصوصية تجعل الشعب السوري غير مؤهل لممارسة حقوقه السياسية؟ وإذا كانت هناك خصوصيةٌ ما للشعب السوري فلماذا تُستثنى فئة من هذا الشعب من هذه الخصوصية وتُمنح وحدها دون غيرها الحق في أن تشكل حزبها وتقود الوطن وفق رؤيتها وكأن الآخرين ليسوا شركاء في هذا الوطن أو كأن الله اختص البعثيين دون غيرهم من البشر بالعقل والفهم!؟

قبل أن أنهي هذا المقال أقول لمن يسأل عن الجدوى من كتابته إذا أخذنا بعين الاعتبار الخطورة التي أعرض لها نفسي وأن هذا المقال لن يغير من نتيجة الاستفتاء القادم شيئاً، أقول لهؤلاء: عندما خرج يوسف العظمة بجيشه الصغير للدفاع عن دمشق كان يعرف أن الجيش الفرنسي بآلته العسكرية الجبارة سيسحقه عن بكرة أبيه، لكنه كان يعرف أيضاً بحسِّه الوطني العميق أن عدم خروجه يعني أن دمشق لم يعد فيها رجال يدافعون عن شرفها وعزتها وكرامتها وهذه رسالة خطيرة لو تلقاها جيل يوسف العظمة والأجيال التي تليه لأضعفت فيهم روح الجهاد ضد الظلم والطغيان، كان يوسف العظمة يعرف أنه لن يستطيع رد الجيش الفرنسي لكنه كان يعرف أيضاً أن دماءه ودماء الشهداء الذين خرجوا معه ستتحول إلى مشاعل تضيء طريق الحرية للأجيال القادمة وتذكي نار المقاومة التي ستُخرج الاحتلال الفرنسي ولو بعد حين، وهذا الذي حدث فعلاً. أنا لا أرضى بالاحتلال ولا أرضى بالاستبداد وأعتبرهما وجهان لعملة واحدة فكلاهما يلغي إرادة الشعوب وكلاهما عدو للحضارة والإنسانية والتقدم.

في الختام أقول: على الرغم من أن فوز رئيس ما بنسبة 99% لم يعد له وجود في هذا العالم إلا في المسرحيات الفكاهية التي يراد منها إضحاك الناس إلا أن كثيراً من المراقبين يتوقعون أن تكون نتيجة الاستفتاء الرئاسي القادم في سوريا 99%! وإنني أنصح الرئيس بشار الأسد من كل قلبي أن يقدم بعد انتهاء الاستفتاء على الاستفادة من الصلاحيات الواسعة التي يمنحه إياها الدستور وأن يبدأ إصلاحاً سياسياً فورياً وجدّياً وشاملاً (يشمل إلغاء المادة الثامنة من الدستور السوري وتشريع قانون عصري للأحزاب وإطلاق الحريات الإعلامية ثم إجراء انتخابات تشريعية جديدة تليها انتخابات رئاسية يتعدد فيها المرشحون وذلك خلال عام من الآن على الأكثر) فكل ما يحدث في هذا العالم يشير إلى أننا في عصرٍ كرسيُّ الرئيس الذي يفوز فيه بنسبة 55% أكثر ثباتاً بكثير من كرسي الرئيس الذي يفوز بنسبة 99% وخصوصاً أن سورية تخوض مواجهة شاملة مع المجتمع الدولي وليس سراً القول بأن هناك احتمال كبير أن تنتقل هذه المواجهة إلى مستوى خطير جداً بعد قيام المحكمة الدولية وظهور نتائج التحقيق في اغتيال الحريري، هذه المواجهة القادمة تحتاج إلى تلاحم حقيقي بين السلطة والشعب، والتلاحم الحقيقي لا تصنعه الحملات الإعلامية ولا التزييف ولا التخويف وإنما يصنعه التصالح مع الشعب وإعادة الحقوق إليه ومعاملته المعاملة الإنسانية التي تليق به.

ضمي دمشق فؤادي المشتاقا   ضميه دهراً ذوِّبيه عناقــا

ضمي فؤاداً لم يخف من ظالمٍ   أبداً ولم يرضَ الحياة نفاقـا

واليوم جاءك خافقاً بإبائـه   ليرى فؤادك بالإبا خفاقـا

__________

كاتب سوري