|
حورات |
|
|
|
|
|
صبحي حديدي |
نكبات سعد الله ونوس |
|
القدس العربي |
2007-05-17 |
خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية |
|
شاءت المصادفة الدالّة، التي اتخذت أيضاً منحي المفارقة القاسية، أن يرحل المسرحيّ السوري الكبير سعد الله ونوس (1941 ـ 1997) في يوم 15 أيار (مايو)، أي في يوم النكبة . وقبل أيام مرّت الذكري العاشرة لرحيل ونوس، ليس دون تذكرة جديدة بأنّ وطأة النكبة ما تزال شديدة مشتدّة، وليس في معادلتها القديمة بين الفلسطينيين والاحتلال الإسرائيلي فحسب، بل أيضاً علي صعيد الاقتتال البغيض بين فلسطينيي فتح وفلسطينيي حماس ، إذا تغاضي المرء عن نكبات العرب الأخري في العراق وفي لبنان، فضلاً عن النكبة المفتوحة بين الحاكم المستبدّ والمحكوم المكبّل. والمصادفة هذه تكتسب دلالة مشروعة إذا استذكر المرء حقيقة ارتباط ونوس، مثل الغالبية الساحقة من المثقفين العرب بعد النكبة، بالقضية الفلسطينية علي نحو وثيق انقلب إلي ما يشبه الهاجس اليومي العضال، المزمن أو حتي المَرَضي. وكيف للمرء أن ينسي عبارة ونوس الشهيرة الصاعقة، في الشريط الوثائقي الذي أنجزه المخرج السوري عمر أميرالاي عن الراحل: فلسطين قتلتني ! صحيح، كما يتوجّب أن نتذكّر مجدداً، أنّ ذلك القتل جري إرادياً، بمعني أنّ انخراط ونوس وأمثاله في الهمّ الفلسطيني كان خياراً طوعياً، بل كان علي نحــــو ما ذاتياً وموضوعياً في آن معاً. إلا أنّ من الصحيح أيضاً أنّ ذلك الإنخراط اتخذ وجهة قصوي في ما يخصّ مفهوم الإلتزام الأدبي، وكان قاتلاً بالمعني الذي قصده ونوس: قــتلٌ لرفاه الكتابة المتخففة من أعباء التاريخ، وقتلٌ لرفاه الفـــنّ الذي يترفّع عن الآني واليومي والطـــــاريء، وقــتلٌ لرفاه الكتـــابة في حجرة مغلقة بعيداً عن ضجيج الأرض وعذابات أهل الأرض، تماماً كما اشتهي الروائي التركي أورهان باموك في محاضرة نوبل. والحال أنّ الراحل أوشك، في بدايات كتاباته المسرحية، علي امتلاك الحقّ في الاستمتاع بكلّ أنماط الرفاه السابقة، لولا أنّ فلسطين هبطت به وبسواه إلي حقائقها الكبري أوّلاً، ثمّ أفضت إلي المزيد من الحقائق التالية وقد فضّت عنها هزيمةُ 1967 كلّ الأختام. ففي أواسط الستينيات كان وعي ونوس منشطراً بين أقصيَين: العبث الوجودي كما عكسه مسرح ألبير كامو، والموقع الكفاحي للمثقف وللنصّ الأدبي كما عكسه مسرح بيتر فايس وبرتولت بريخت. وكانت العواصف التي يطلقها جان جينيه وأنتونين آرتو في فرنسا تبلغ أسماع ونوس وهو بين القاهرة ودمشق وباريس، مثلما كانت تقلقه الأسئلة التي طرحها مسرح العبث عند توفيق الحكيم، ومسرح التغريبة الملحمية عند ألفريد فرج وجلال خوري. وبهذا كان الموضوع الوجودي والفلسفي أكثر ضغطاً من الموضوع السياسي، الأمر الذي جعل ونوس يكتب النصّ المسرحي لكي يُقرأ أولاً، أو لكي يُقرأ قبل أن يُؤدّي علي الخشبة. هذه هي السمة الأولي التي طبعت أسلوبيته في مسرحياته المبكرة، خصوصاً في أعمال مطالع الستينيات مثل ميدوزا تحدّق في الحياة و مأساة بائع الدبس الفقير و الرسول المجهول في مأتم أنتيغونا . هنا كان السرد الروائي يطغي علي الحوار، وتمــــيل اللغة إلي الإغراق في وصف الحالات الشــعورية الكثيفة التي تذكّر بتقنيات تيار الوعي في رواية مارسل بروست وجيمس جويس. وكانت اللغة مشحونــــة بمجازات شعرية عالية الإيحاء، حتي في عبارات الإرشاد المسرحي (الموجهة إلي مخرج العمل بصفة أساسية، كما في هذا المثال: تصمت الجوقة، إلا أن الأنين يظلّ مســـترسلاً كنغــــمة وحيدة يطلقها ناي شرد بعد منتصف ليل كئيب تبلله الوحشة والوحدة ). لكنّ المسرحية الشهيرة حفلة سمر من أجل 5 حزيران ، التي كتبها علي امتداد سنتَي 1967 ـ 1968 وعُرضت للمرّة الأولي في دمشق سنة 1970، دشّنت طور النقلات الحاسمة التي أنزلت الراحل، مرّة وإلي الأبد، من الأبراج العاجية كافة: مغامرة رأس المملوك جابر ، 1971، حين استخدم المادّة التاريخية لصناعة حكاية قادرة علي إعادة إنتاج الحاضر في شكل إسقاطات سياسية واجتماعية معاصرة؛ و سهرة مع أبي خليل القباني ، 1973، حين اختار تقنية المسرح داخل المسرح وعالج ألوان الفرجة الشعبية ومسرح خيال الظلّ بمصطلحات التغريب البريختية، لكي يوجّه النقد الشديد للخطاب الأصولي والمؤسسة الدينية المتحالفة مع السلطة؛ والإغتصاب ، 1990، حين بلغت شحنة الرسالة السياسية في النصّ المسرحي ذروة دراماتيكية جلبت علي ونوس تهمة التبشير بالسلام مع الدولة العبرية؛ و منمنمات تاريخية ، 1993، حيث يتعرّض المثقف العربي، ممثّلاً هنا بالمؤرّخ وعالم الاجتماع ابن خلدون، لنقد توبيخي بالغ القسوة؛ وأخيراً الأيام المخمورة ، 1996، حين أخذت المحنة الذاتية (داء السرطان) شكل يأس داخلي متعاظم يطمس قدرة الوعي علي إدراك وتحليل اليأس الخارجي. ولكي نتذكّر، أخيراً، أنّ نكبات الأنظمة تقتل بدرورها، بل هي تقتل حتي بمفعول رجعي، لم يكن طبيعياً أن تمرّ الذكري العاشرة لرحيل ونوس دون علامة فارقة من أهل النظام الحاكم في دمشق. تقول الحكاية إنّ السيدة فايزة شاويش، أرملة الراحل، قرّرت إهداء مكتبته إلي المعهد العالي للفنون المسرحية، بوصفه المقام الأفضل لوضع المكتبة في خدمة طلاّب يدرسون مختلف الاختصاصات المسرحية. وهنا وقع العجيب المذهل: لقد اعتذرت إدارة المعهد عن قبول الهدية، لضيق المكان! أم هو ضيق الزمان، زمان الاستبداد والتوريث والنهب والفساد، بذاكرة أهل المكان؟
|
||
|
|
|
حورات |