|
حورات |
|
|
|
|
|
رضوان زيادة |
ميشيل كيلو: عذراً منك وإليك |
|
الحياة |
2007-05-22 |
خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية |
|
عزيزي ميشيل: أن يحكم عليك بالسجن ثلاث سنوات فهذا ما كان متوقعاً، لكن أن تكون التهمة الموجهة إليك هي إضعاف الشعور القومي فذاك ما كان يصعب تصديقه، ثم أن تُضاف جنحة إثارة النعرات الطائفية فذاك مما كان يستحيل تخيله. فأنت من قضيت عمرك دفاعاً عن الفكرة القومية، تكاد اليوم تسقط في «شر أعمالك»، ونحن الذين كافحنا ضد الطائفية والمذهبية والقبلية هاهي ترتد علينا بالسجن والعقاب والتنكيل. لا أدري لماذا عندما سمعت القاضي ينطق الحكم الذي قضى بسجنك ثلاث سنوات مع زميلك محمود عيسى شعرت بالسعادة أنه لم يحكم عليك بالسجن لخمس سنوات أو اثنتي عشرة سنة - وهذا من شر البلية – كما جرى مع صديقينا أنور البني وكمال اللبواني، ذلك أننا رضينا بالهمّ بيد أن الهمّ لم يرض بنا. لكن، عندما سمعت التهم الموجهة إليك تُتلى، شعرت بالامتهان والاحتقار الشديدين: كان لهم أن يحاكموك بأيٍّ من المواد المشهودة والذائعة الصيت في قانون العقوبات والتي هي مطاطة بما فيه الكفاية حتى أنها لا تحتاج إلى تعليلٍ أو تفسير، من مثل «إشاعة أنباء كاذبة من شأنها أن توهن نفسية الأمة في زمن الحرب»، أو «العمل على تغيير الدستور بطرق غير مشروعة»، أو «تعكير أواصر الوحدة العربية»، أو «تعطيل مؤسسات الدولة عن القيام بدورها»... وغيرها كثير مما يدعو للعجب. فأيّ عقلٍ جبار صاغ هذه المواد «القانونية» المتقنة غاية الاتقان. لماذا اختاروا اتهامك بهاتين التهمتين دون غيرهما، لا أحد يعرف؟، لكنه، من دون شك، إمعان في الاستخفاف بك وبدورك. فقد أريد للتاريخ أن يسجل التاريخ أنك متهم بإضعاف الشعور القومي، وأنت ما برحت تنافح من أجله وتدافع عن فكرة العروبة كي تبقى دمشق قلباً للعروبة نابضاً بالحرية وباحترام الإنسان وحقوقه. وأن تؤمن بالمواطنية كرابطٍ يجمع السوريين وينظمهم في إطار دولة مدنية ديموقراطية، انتهى بك إلى اتهامك بأنك تثير النعرات الطائفية وتحرضها. سخرية القدر وحدها يمكنها أن تفسر لنا ما يحدث، فما نؤمن به وندافع عنه نُتهم اليوم بأننا نعمل ضده، وما حذرنا منه يرتد علينا تهماً وجنحاً. لقد كنت من أوائل من بلور فكراً نقدياً ضمن الدائرة الأيديولوجية التي كنت تنتسب إليها، وقد راكمت جهداً معرفياً مثمراً مع جهود ياسين الحافظ وإلياس مرقص ورفاقهما في ما يسمى البعد الديموقراطي في الممارسة القومية، وكان ذلك في مرحلة مبكرة جداً حتى على مستوى الأحزاب القومية جميعها في الوطن العربي، وقد أنتجت مصالحةً بين الديموقراطية والاشتراكية كان يمكن لمفاعيلها أن تظهر لو كان حزب البعث الذي سطّر بعض منطلقاته النظرية الحافظ نفسه، ما زالت فيه بقية من عقائدية، لكنه تحول برمته إلى منظمة محكومة بآليات عمل سلطوية أكثر منها حزبية. ثم كنت من أوائل المثقفين السوريين على الاطلاق الذين حسموا خيارهم الديموقراطي بالقطع مع تاريخهم الأيديولوجي السابق، أي القبول بالديموقراطية كوسيلة وحيدة ونهائية للوصول إلى السلطة ولإدارة وتنظيم العمل السياسي والمجتمعي. لا أدري ما عساي أن أضيف بقول لي أو لغيري، فالأيام تتوالد لتثبت مقولة عارف دليلة الذي ما زال قابعاً بالسجن – ربما مصداقاً لمقولته – أننا لن نستطيع أن نغير شيئاً وأن الإصلاح وهمٌ كان خطأنا أننا صدقناه. فنحن لا نعمل من أجل التغيير فذاك شيء مستحيل دوننا ودونه خرط القتاد، إننا نعمل من أجل التاريخ، ألم يرو ابن المقفع في «كليلة ودمنه» عندما سأل أحدهم بيدبا إن كان يستطيع الوقوف في وجه ملك الغابة، فأجابه بثقة: لا أريد للتاريخ أن يكتب أن ملكاً مستبداً مر على هذه الأرض ولم يجد أحداً يقول له: لا. * كاتب سوري. |
||
|
|
|
حورات |