|
حورات |
|
|
|
|
|
الدكتور عبدالله تركماني |
جدل الإقليمي والدولي بشأن العراق (*) |
|
|
2007-05-18 |
خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية |
|
قبل المؤتمر، اختلطت الأوراق الإقليمية والدولية، وغدا العراق ساحة صراع وتنافس ومساومة. وكان من الصعب فصل الإقليمي عن الدولي بحكم ظروف الاحتلال الأمريكي – البريطاني، واهتمامات المنظمات الإقليمية والدولية، ودول الجوار. ولا نغالي إذا قلنا بأنّ الأزمة العراقية جسّدت، منذ العام 2003، تفاعلات النظام الدولي. لقد أفرطت أطراف عراقية عدة في التفاؤل بما يمكن أن ينجزه المؤتمر، بل أنّ تلك الأطراف عقدت آمالا على المؤتمر تتجاوز الواقع إلى حدود الأوهام، خاصة حين اعتقدت أنه سيفضي إلى إعادة الأمن المفقود إلى العراق ووضع حد للتدخلات الإقليمية في شأنه الداخلي، إضافة إلى تشكيله خرقا عراقيا كبيرا في الميدانين الإقليمي والدولي، خصوصا لجهة التمهيد لإيجاد حل ديبلوسي وسياسي لخلافات دول مجاورة للعراق مع الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الدولي. وفي الواقع، يمكن التأكيد أنّ الدول المتهمة بالتدخل في الشأن العراقي هي جزء من المشكلة الأمنية والسياسية في العراق، بل أن المؤتمر مهد - بطريقة غير مباشرة - لتدخلات إقليمية متزايدة في الشأن العراقي. ففي حين أنّ الكل التقى تحت عنوان " إنقاذ العراق "، فإنه كان يضمر نية أخرى تتعدى هذا " الإنقاذ ": الإدارة الأمريكية تريد قيام مناخ سياسي وأمني يسمح لها بالخروج من العراق بأسرع وقت وبأقل الخسائر. أما إيران فقد أدركت أنّ الخروج الأمريكي المبكر سيتركها الوريث لعراق محطم، لن تتمكن من السيطرة عليه، بل سيصبح الغول النامي في حديقتها الخلفية. والقاسم المشترك بينها وبين الجيران الآخرين للعراق هو الخشية من الخروج الأمريكي السريع الذي قد يدفع الجميع إلى تمويل وتعزيز وتسليح حرب طائفية في مواجهة موسعة ومدمرة. إنّ بنود الورقة الإيرانية، التي قُدمت إلى مؤتمر شرم الشيخ، تعكس رغبة إيرانية بجعل العراق منطقة نفوذ لها بموافقة أمريكية، حيث لوحت للإدارة الأمريكية بدعم وجود القوات الأمريكية في قواعد ومعسكرات داخل العراق، إذا كانت مستعدة للتفاهم معها حول الملف النووي. وفي تفسيرها لهذه المعادلة تقول قراءات رزينة: إن إيران تريد القول للأمريكي أنّ بقاءه واستمرار نفوذه، أو حتى انسحابه المشرف من العراق، مرهون بالتعاون الإيراني، وإنّ استثناء العامل الإيراني في العراق لن يعود عليه إلا بالمزيد من المصائب والغرق في وحل هذا المستنقع الذي أوجده لنفسه. أما القيادة السورية فما تزال تبحث عن فرصة للتفاهم مع الإدارة الأمريكية، تفك بها عزلتها وتعوّم دورها الإقليمي من جديد، ما دفعها لاستغلال انعقاد المؤتمر للدخول في مساومة على الثمن الذي تستطيع أخذه مقابل تنفيذ الشروط الأمريكية. تركيا من جهتها تعيش حالة فتور في علاقاتها مع الإدارة الأمريكية، بسبب موقفها من الغزو الأمريكي للعراق من جهة، وهي متوجسة من اتفاق كردي – أمريكي على إقامة دولة كردية في كردستان العراق، وهي داخلة في سجال سياسي إعلامي مع القيادات الكردية بهذا الخصوص. وقد لعب التحذير الأمريكي لتركيا من القيام بعمل عسكري ضد الأكراد دورا في تعميق الفتور بين الطرفين الأمريكي والتركي. وأيا كان الحال، فإنّ المرحلة الديبلوماسية ضرورية فيما يتعين على العراق أن ينضم ثانية إلى المجتمع الدولي، واضعين في الاعتبار أنّ توتراته الداخلية ستقدم الإغراء لآخرين بتدخلات خارجية، ولا يمكن مقاومة هذه التوترات بصورة فعالة في ظل غياب بعض المبادئ المتفق عليها. إذ المطلوب حوار بين كافة الأطراف الخارجية الفاعلة والمؤثرة في العراق، حوار لا يقوم على محاولة إقصاء أي طرف بل يهدف إلى إقامة نوع من التفاهم حول كيفية توفير استقرار العراق، وحول كيفية منع العراق من أن يكون " ورقة " في يد طرف أو أكثر ضد مصالح حيوية لأحد هذه الأطراف، فخلق توافق دولي - إقليمي حول استقرار العراق يجب أن يعززه بالطبع الاقتناع بمخاطر استمرار الانهيار العراقي الذي سيطيح كليا بإمكانية إقامة توازن مستقر في الخليج وفي الشرق الأوسط، وسيجعل من العراق مصدرا لكافة أنواع المخاطر على دول المنطقة وعلى الأمن الإقليمي. ومن هنا كانت ضرورة أن يكون حل المسألة العراقية جزءا من العمل للتوصل إلى تسوية عامة تشمل، بالإضافة إلى تفاهم العراقيين أساسا، تفاهم الدول الكبرى ودول الإقليم من أجل تثبيت السلام والأمن في المنطقة المحيطة بالعراق. وهو ما لا يمكن الوصول إليه من دون حل المشاكل الأخرى العالقة في هذا الإقليم، من مشروع التخصيب النووي الإيراني إلى القضية الفلسطينية إلى المسألة اللبنانية والسورية. ومما لاشك فيه أن مؤتمر شرم الشيخ، من خلال المشاركة الإقليمية والدولية الواسعة، قد وفّر مظلة دولية لإمكانية تنفيذ توصياته، ومثّل بداية لإعادة القضية العراقية إلى المجتمع الدولي بعد أن تم تهميشه خلال السنوات الأربع الماضية. خاصة بعد أن جرى التأكيد في البيان الختامي للمؤتمر على " إعادة تأكيد أهمية دعم الأمم المتحدة والحاجة إلى تقوية دورها المركزي في تقديم المساعدة الدولية ودعم العملية السياسية والمصالحة الوطنية، بما في ذلك دعم إعادة تأسيس المؤسسات الحكومية ". وكذلك " تأكيد وحدة العراق وفق الحدود المعترف بها، والتزام مبدأ عدم التدخل في شؤونه الداخلية وعلاقات حسن الجوار مع كل الدول المجاورة، والتشديد على حق الشعب العراقي في تقرير نظامه/مستقبله السياسي والسيطرة على موارده الطبيعية والمالية، وضرورة البحث في تفاهمات على أساس المصالح المشتركة لكل القضايا العالقة ".
تونس في 13/5/2007 الدكتور عبدالله تركماني كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
(*) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 17/5/2007. |
||
|
|
|
حورات |