|
حورات |
|
|
|
|
|
عمر كوش |
هل انتهت معركة الرئاسة التركية؟ |
|
|
2007-05-17 |
خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية |
|
لا شك في أن حزب العدالة والتنمية التركي سيدرس تداعيات إخفاقه في إيصال مرشحه إلى كرسي الرئاسة، وذلك بعد أن خرج مئات ألاف المدافعين عن العلمانية إلى التظاهر في شوارع اسطنبول، عارضين قوتهم في مواجهة محاولات حزب "العدالة والتنمية" الهادفة إلى إيصال مرشحه إلى الرئاسة التركية، ثم تصاعدت حدة الأزمة الرئاسية بعد تدخل رئيس أركان الجيش وألقائه بياناً باسم المؤسسة العسكرية، كان بمثابة إنذار مبطن بإمكانية تدخل العسكر الأتراك لحماية "العلمانية"، وأخيراً جاء تدخل المحكمة الدستورية العليا لتحكم بإبطال الدورة الأولى من انتخاب غول، والذي ردّ عليه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بالدعوة إلى انتخابات مبكرة. وتقف تركيا اليوم أمام ثلاثة سيناريوهات محتملة، أولها تعديل قانون انتخاب الرئيس وجعله ينتخب بالاقتراع المباشر من قبل الشعب، وثانيهما اللجوء إلى انتخابات تشريعية مبكرة، وثالثهما اختيار رئيس توافقي، فيما يستبعد تماماً خيار التدخل العسكري المباشر لحل الأزمة. ولا تزال أصداء اقتراح رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بالدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة في الـ 22 من تموز / يوليو القادم، تتفاعل في أوساط الأحزاب العلمانية، مثيرة أزمة جديدة مع قوى المعارضة، كونها تعتبره "توقيتاً غير مناسبا"، وسيسفر عن نسبة مشاركة ضعيفة بسبب خروج المواطنين لإجازاتهم الصيفية"، وتهدد بالمقابل باللجوء مجدداً إلى المحكمة الدستورية لإلغاء التعديل إذا تمّ. وعليه، فإن تركيا تبدو اليوم أكثر انقساماً من أي وقت مضى. كما تبدو الديموقراطية التركية على المحك مع تصاعد أزمة رئاسة تركيا، بمعنى أن ما يجري تركيا يشكل تحدٍ غير مسبوق أمام الإسلاميين الأتراك، ويتوقف حسم الأزمة على أدائهم بالدرجة الأولى، ثم على مواقف الجيش والقوى العلمانية في تركيا. وقد قدم الإسلاميون الأتراك نموذجاً يُضرب به المثل في مراكز الأبحاث والدراسات والأروقة السياسية الأوروبية والأميركية وإلى حدّ ما بعض الأوساط العربية والإسلامية، وذلك من جهة القدرة على تنفيذ الإصلاحات في الحياة السياسية في العالم الإسلامي، والمواءمة ما بين الإسلام وبين الديموقراطية، حيث حققت الحكومة التركية برئاسة رجب طيب أردوغان، الذي يوصف بالإسلامي المحافظ، تغييرات عديدة، فأنجزت إصلاحات كبيرة في ظرف ثلاثة أعوام تفوق ما أنجزته تركيا طوال أربعين عاماً مضت، مثل إلغاء عقوبة الإعدام، وتغيير أنظمة السجون، بما فيها حماية السجناء من التعذيب، وتعزيز حرية التعبير، والشفافية، وإرساء دعائم دولة القانون من خلال إلغاء محاكم أمن الدولة والمحاكم الاستثنائية، والاعتراف بأولية التشريعات الدولية على حساب القوانين الوطنية في مجالات حقوق الإنسان، واعتمادها بمثابة المرجعية بالنسبة للمحاكم التركية. والأهم من ذلك هو تعزيز سلطة البرلمان التركي، وتشريع قوانين للمساواة، ومراقبة نفقات القوات المسلحة، وتقليص صلاحيات مجلس الأمن القومي. وانخفض تأثير الجيش التركي في إدارة العلاقات الخارجية بخاصة مع اليونان عبر تقليص سلطته في هذا المجال، وعليه تمكنت الدبلوماسية التركية من القيام بدور إيجابي في حل أزمة جزيرة قبرص، ودخول الأخيرة عضوية الاتحاد الأوروبي. وتعرف النخب السياسية والعسكرية التركية مقدار الثمن الباهظ الذي دفعته تركيا في تسعينيات القرن العشرين المنصرم، نتيجة الانقلابات العسكرية والمواجهات الأهلية والأزمات اقتصادية، حيث استشرى الفساد في جميع مؤسسات الدولة، وعانت الأحزاب السياسية من إفلاس كبير، بعد أن أوصلت البلاد إلى حالة من انهيار التوافق المجتمعي. واستفاد حزب العدالة والتنمية من التجربة السياسية التي سبقته، حيث استطاع تحديد السياسة الإسلامية لقاعدته بطريقة تنسجم مع المبادئ الديموقراطية الليبرالية، وأصبح الحزب أقرب حزب "ديموقراطي محافظ" منه إلى حزب "إسلامي". وقد جاء فوزه بانتخابات 2002 كممثّل عن طبقات رجال الأعمال الصاعدة في الأقاليم، حيث لقي استحساناً لدى القاعدة الانتخابية التي تقطن حول المدن الكبرى، ثم طبّق بحزم برنامج الاستقرار الذي أعدّه صندوق النقد الدولي، كما نفذ الإصلاحات السياسية التي طالب بها الاتحاد الأوروبي، لكن ترسيخ موقعه السياسي جاء نتيجة الاستمرار في توسيع المساحة الديموقراطية في البلاد، وتحقيقه نهوضاً اقتصادياً ملحوظاً وهاماً، خصوصاً أنه أتى بعد أن عانت تركيا طويلاً من الكسادٍ والتضخمٍ والفساد طَوالَ سنين كثيرة، وبقيت نسبة النمو تتراوح ما بين 7 و10% خلال السنوات الخمس الأخيرة، وتضاعفت صادرات تركيا إلى أربعة أضعاف، فيما ارتفع متوسط الدخل للفرد السنوي من 1500 دولار إلى ستة آلاف دولار أميركي. وحافظ حزب العدالة على نظام ديموقراطي مستقر نسبياً، بالرغم من شوائب الفساد وتدخلات الجيش، حيث يسمح هذا النظام بحرية تشكيل الأحزاب بحرية كاملة، ولا توجد انتخابات مزورة في تركيا، بل الانتخابات فيها حرّة ونزيهة بشهادة الأوروبيين، وتتمتع الصحافة التركية بالحرية والقوة والتأثير، ويحظى القضاء باحترام مختلف الأطياف السياسية، بالرغم من المأخذ الذي يؤخذ عليه نتيجة تدخلاته السياسية. وتتفق معظم الأحزاب السياسية التركية، بشكل معلن، على عدم تدخل الجيش في الحياة السياسية. والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم، هو إلى أين تتجه تركيا؟ ثم هل هنالك إمكانية أمام النخب السياسية التركية للخروج من الامتحان الصعب في معركة الرئاسة؟ لا شك في أن الخروج السلمي والديموقراطي ممكن تماماً، ويمرّ عبر التوافق أو قبول النخب السياسية والعسكرية الاحتكام إلى الشعب التركي عبر انتخابات حرّة ونزيهة، أو بالتفتيش عن حلّ آخر يجنب البلد ما تكرر في أعوام سابقة من انقلابات دموية، ولا يسمح للأمور بالارتداد نحو الخلف
|
||
|
|
|
حورات |