|
حورات |
|
|
|
|
|
أسامة رشدي |
اختطاف "آلان جونستون" والانحراف الجهادي |
|
|
2007-05-14 |
خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية |
|
عندما بدأت في الكتابة عن أهمية مبادرة الدكتور سيد إمام وإخوانه المتعلقة بترشيد العمل الجهادي ، وتصويب الكثير من المفاهيم البائدة التي أساءت للجهاد وللإسلام ، كانت صورة عشرات العمليات التي تنسب لأطراف هنا أو هناك باسم الجهاد أو الإسلام ماثلة أمامي. ولم أكد أكتب مقالي السابق حتى فوجئت بإعلان جماعة جيش الإسلام في غزة عن مسئوليتها عن اختطاف مراسل هيئة الإذاعة البريطانية في غزة آلان جونستون المخطوف منذ حوالي شهرين، ومطالبة الجماعة في شريط لها مدعم بصورة البطاقة الصحفية لجونستون بإطلاق سراح أبو قتادة الفلسطيني المحتجز في لندن على ذمة قضية إبعاد من الأراضي البريطانية في مقابل الإفراج عن المراسل الصحفي البريطاني. هذه العملية هي نموذج واضح لمثل هذا الإتحراف الجهادي الذي ندعو للعدول عنه والتنديد به واللجوء بدلاعن ذلك للوسائل النافعة والمشروعة التي تتفق مع الشريعة الإسلامية والفقه الصحيح للجهاد، فما علاقة جونستون بأبوقتادة؟! هذا صحفي كان يمارس دوره وعمله وهو آمن يعمل منذ ثلاثة أعوام بتصريح من حكومة السلطة التي هي حكومة حماس حاليا، ويقوم بجهد نافع يتعلق بإلقاء الضوء على معاناة الشعب الفلسطيني القابع تحت الحصار. أما أبو قتادة فليس محكوما في بريطانيا ولم توجه له اتهامات رسمية، ويستطيع لو أراد غدا أن يذهب إلى أي مكان يريد خارج بريطانيا .. فلا يوجد قانونا ما يمنعه من ذلك .. ولكن إلى أين سيذهب؟ وهو المحكوم عليه بالسجن في بلده الأردن، وهو المطلوب أمريكيا والمدرج على قائمة الأمم المتحدة للأشخاص الين تزعم الولايات المتحدة تورطهم في الإرهاب .. فهل يريد جيش الإسلام في غزة إجبار بريطانيا على الإفراج عنه وتركه حرا طليقا في بريطانيا رغما عن الحكومة والشعب البريطاني! .. هل هذا تفكير سليم؟ إن استنساخ ما يحدث في أفغانستان والعراق من عمليات أسر يتبعها تفاوض لإطلاق سراح الأسرى لا يصلح للقياس عليه في حالة الصحفي الإنجليزي المقيم في غزة. بالتأكيد القياس هنا فاسد لاختلاف الحالتين فطالبان مثلا تأسر مقاتلين أو رعايا للدول المحتلة ولها أسرى عندهم ولها أماكن تسيطر عليها ومن ثم فهي تعمل ضمن قواعد معترف بها، أما إذا أرادت بريطانيا – وهي تريد بالفعل – الإفراج عن الأخ أبو قتادة وإبعاده فهل سيتسلمه جيش الإسلام في غزة؟! مثل هذا الخلط في الأوراق يسئ لجهاد الشعب الفلسطيني وللإسلام ولرسالته وجهود الفصائل الفلسطينية التي يجب أن تنصب على مواجهة الاحتلال الصهيوني والمحافظة على وحدة الشعب الفلسطيني، الذي لا يتحمل الدخول في صراعات وصدامات جانبية مع العالم ولا سيما في مثل هذه القضايا الخاسرة أم أنه لا يكفي غزة ما هي فيه أزمات بفعل الاحتلال والحصار والعدوان الصهيوني؟ ألا يعلم هؤلاء أنهم يسيئون إلى أبو قتادة نفسه من حيث أرادوا نفعه كالدبة التي قتلت صاحبها، فأبو قتادة قضيته تعالج في المحاكم البريطانية، وليس في صالحه تأليب الرأي العام البريطاني والدولي عليه وعلى قضيته، وتأكيد المزاعم حول خطورته على الأمن القومي البريطاني وحول صلاته بجماعات مسلحة حول العالم. وأبو قتادة استأنف الحكم الصادر بترحيله إلى الأردن وقضيته رغم أنه خسر مرحلتها الأولى إلا أنها لاتزال منظورة أمام المحاكم العليا حتى تصل لمحكمة مجلس اللوردات التي سبق وأن ألغت قانونا كان أبو قتادة معتقلا بموجبه، وأطلقت سراحه بعدها ووضع تحت المراقبة المنزلية حتى اعتقل مجددا بعد توقيع بروتوكول تبادل المطلوبين مع الأردن. وقد قامت محكمة بريطانية قبل أسبوعين برفض قرار الحكومة البريطانية بترحيل أخوين ليبيين إلى بلادهما بموجب برتوكول خاص مشابه وقعته حكومة بلير مع النظام الليبي وأعربت المحكمة في حكمها عن خشيتها على سلامة المطلوب ترحيلهم لليبيا ومن ثم وجهت بحكمها ضربة قوية لجهود حكومة بلير الرامية لترحيل هؤلاء الذين تعتبرهم لندن يشكلون خطرا على أمنها القومي، فقد أعادت المحكمة من جديد التوازن بين الاعتبارات الأمنية والتزامات بريطانيا بقضايا حقوق الإنسان .. وهو ما يعطي الأمل في إمكانية إقناع المحكمة بذلك مجددا في حالة أبو قتادة. فعندما يتعلق الأمر بالقضاء البريطاني فمهما اختلفنا مع سياسيات بريطانيا الخارجية العدوانية، إلا أن القضاء البريطاني هو مستقل تماما ولا يزال يقاوم كل حملات التخويف التي تقتات على مثل هذه الأعمال التي تستخدمها الصحافة اليمينية في بريطانيا وأمريكا وأوروبا في التخويف من المسلمين والإضرار بمصالحهم في الغرب. ومن جهة أخرى حتى حكومة بريطانيا نفسها بزعامة بلير لم تسلم أحدا حتى الآن، رغم أنها أكبر حليف لأمريكا في الوقت الذي سلمت فيه كثير من البلدان الأوروبية -حتى رعاياهم- للولايات المتحدة .. وحتى من حكمت المحاكم البريطانية بتسليمهم للولايات المتحدة وانتهى حقهم في الاستئناف وأصبح الحكم نهائيا، ولم يبق القرار إلا على توقيع وزير الداخلية ومع ذلك ترفض بريطانيا تسليمهم لاعتبارات تتعلق بالخوف من التعذيب أو الخوف من تطبيق عقوبة الإعدام، وهو ما يثير أزمة مكتومة تغطي عليها تشابك العلاقات بين الحليفين، وذلك كما في حالة المصريين العيدروس وعادل عبد المجيد والسعودي خالد الفواز مسئول مكتب النصيحة في لندن الذي أسسه أسامة بن لادن. أبو قتادة اليوم يحتجز في مكان احتجاز يتمتع فيه بقدر لا بأس به من حرية الحركة والحقوق وليس كسجن بيلمارش شديد الحراسة، ويتصل يوميا بأهله وأولاده الذين يتمتعون بكامل حقوقهم الاجتماعية والصحية والمعيشية كما أفاد أخ مقرب من العائلة لكاتب هذه السطور. ومن ناحية أخرى فأخونا أبو قتادة قضيته معقدة بالفعل وهو متحمل لمسئولية مرحلة طغت فيها الأخطاء والانحرافات الفكرية والفقهية والتكفيرية، والتي لم يتراجع للأسف عنها رغم أن العودة إلى الحق فضيلة، وعندما أقول ذلك يحزنني أن أتحدث عن إنسان غائب لا يملك الرد عن نفسه، ولكن لنوضح ذلك لهؤلاء الأخوة في غزة وغيرهم ممن لم يعايشوا هذه المرحلة ولم يضطلعوا على تعقيداتها، ولن أتحدث هنا عن رأيي فرأي معروف كتبته وقلته في حينه قبل سنوات، ولا ندعي الحكمة بأثر رجعي والحمد لله. ولكن أكتفي بإحالتكم لرأي قرين أبو قتادة وصنوه ورفيقه في فترة التسعينات وما شهدته من مآسي خاصة على صعيد التجربة الجزائرية التي انغمس فيها كل من أخونا أبو قتادة وأخونا أبو مصعب السوري فرج الله عنهما كزعيمين للجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر.. ولقد كفانا أبو مصعب بل وأنصفنا في شهادته عندما أقر في النهاية بما كان يجادلنا فيه وقتها، وأعتقد أن أحدا لن يشكك في سلامة نوايا أبو مصعب السوري أو في إدراكه وإلمامه بهذه المرحلة وبكل دقائقها وتفاصيلها.. وهو المعتقل حاليا لدى الأمريكان –فرج الله عنه وعن جميع المعتقلين- حيث حرص في فترة هروبه أن يكتب شهادته بنفسه، وهي شهادة للتاريخ، رغم أنه حاول التخفيف من حدة ما ورد فيها من انتقادات لابو قتادة بشكل كبير وقد عزى ذلك لكونه كان معتقلا في حينه. لقد كتب أبو مصعب هذه الشهادة من مخبأه وأودعها موقعه على شبكة الانترنت قبيل اعتقاله بأسابيع، وكأنها موعظة مودع يريد أن يتبرأ فيها مما جرى اقترافه من أعمال وفتاوى فيما يتعلق بالجزائر وغيرها، وليكشف جانيا من تطور عمليات التكفير واستباحة الدماء والتي وصلت حد تبرير قتل الدعاة والعلماء وشباب الحركة الإسلامية .. ثم بعد ذلك يأتي من يختطف شخصا آمنا غير محارب ليقايضه بإطلاق سراح أبو قتادة!! أرجو أن يقرأ الأخوة هذه الشهادة، وهي منشورة على الانترنت سيجدها من يبحث عنها بعنوان "مختصر شهادتي على الجهاد في الجزائر" لندرك أن هناك مشاكل حقيقية أدت لما آل إليه الوضع المتعلق بأخونا أبو قتادة. وأنا إذ أتمنى السلامة لنا ولجميع المسلمين، أتمنى أيضا أن تنتهي قضية أبو قتادة وغيره على خير، ولكن نتمنى أيضا على أبو قتادة وإخوانه أن يتحلوا بنفس القدر من شجاعة شيخه الدكتور سيد إمام الذي كان يفخر بأنه تتلمذ على يديه وأن يعلنوا انضمامهم من لندن للمبادرين بإعادة النظر في الكثير من الآراء والفتاوى التي حرفت قضية الجهاد عن مسارها الإسلامي. ونتمنى أيضا على إخواننا في غزة أن يعيدوا النظر في هذه السياسات الجديدة المتعلقة باختطاف الآمنين من الأجانب، وأن يوحدوا جهودهم في صفوف المقاومة للمحتل، وأن يبادروا بالإفراج عن جونستون وأن يبتعدوا عما يشتت جهودهم ويحرف قضيتهم عن مسارها الصحيح.
osama@saveegyptfront.org
|
||
|
|
|
حورات |