|
حورات |
|
|
|
|
|
مسعد عربيد |
إشكاليات الاغتراب الثقافي العربي |
|
كنعان |
2007-05-13 |
خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية |
|
مناقشة في كتاب "الاغتراب الثقافي للذات العربية" (الجزء الثاني والأخير) "الغريب الحق هو ليس الذي نأى عن وطن بني من ماء وطين وفقد أهله وأحباءه، إنما الغريب هو ذلك الإنسان الذي يعيش في وطنه غريبا" أبو حيان التوحيدي (933 ـ 1023) الاغتراب والتفسير الديني نقد الثقافة ونقد الدين يدعو الكاتب بوضوح الى نقد الثقافة العربية وتطويرها، ومنعاً لسوء الفهم او الالتباس، يحدد لنا الكاتب مفهوم النقد لديه: "فالنقد عنده تثمين للحسن وتهذيب للقبح" و"ثقافتنا العربية الاسلامية مهما سمت لا بد من إعمال عقولنا فيها، حتى يتسنى لنا ان نبصر موضع اقدامنا وأن نقهر إغترابنا". وتظل هذه الثقافة، كما يرى الكاتب، "رافداً لا ينضب لآلامنا العربية، ومن ثم تزداد آلامنا كلما تعامينا عنها، فهي كما أسلفت صناعة بشرية، لا قداسة لها" (ص 21). يطالب الكاتب:"ان هناك حاجة ماسة لمباشرة البناء والهدم في أقدس هيكل عند الانسان العربي، وهو ثقافته العربية الاسلامية (ص 23). وإستدراكاً لعدم الخلط بين "الثقافة العربية الاسلامية" و"الاسلام"، يؤكد الكاتب "على اننا لا نعنى بالثقافة العربية الاسلامية الاسلام، فهو فوق النقد أما ثقافتنا فدونه". ثم يتابع:" صفوة القول ان الباحث يرى الاغتراب الثقافي تهديداً خطيراً لوجود الانسان العربي وحريته، وهو ما يفرض علينا سعياً دؤوباً ومحموماً لتحرير ثقافتنا من محبسها وتطويرها، فحينئذ، وحينئذ فقط، نكون قد نجحنا في قهر إغترابنا الثقافي". ورغم أن الكتاب في مجمله دعوة صريحة لنقد وتطوير الثقافة، إلاّ ان مهمة النقد هذه تزداد تعقيداً وإستحالةً عبر النص، حين يحدد لنا الكاتب "وظيفة" النقد وحدوده. فالنقد عنده لا يمس الدين الذي هو "فوق النقد". وهكذا يشترط في سعيه لتحرير الثقافة، "مناعة" للدين فهو "فوق النقد" ويحصر وظيفة النقد في مجال الثقافة التي هي "دون النقد". بغض النظر عن أسباب هذا الفصل بين الدين والثقافة، سواء كان تديناً أو إحتراماً للتدين الشعبي، أو تعبيراً عن موقف عقائدي وفكريٍٍ، أو مراعاة وتحاشياً للمحاذير والمخاطر التي قد يتعرض لها الكاتب في مجتمعنا من قمع السلطة السياسية والمؤسسة الدينية، فان هذا الموقف يتنافي مع التحليل العلمي ويعبر عن كبوة للمثقف رغم اللبوس والمساحيق التي يتزين بها. ودون الدخول في متاهات لاهوتية وروحانية تخرج عن موضوعنا، وليس لها ضرورة أصلاً، وتنتهي بالايذاء بمشاعر التدين الشعبي لدى قطاعات عريضة من جماهيرنا، فان الاحجام عن نقد الدين، أو بالاحرى تحريمه، يدفعنا الى أن نسأل الكاتب أن يحدد لنا مفهومه للدين. وعلى خلاف ما شاع في الخطاب الديني وما توحي به الكثير من الكتابات والادبيات، فالدين ليس مفهوماً ولا شأناً واحداً ولا يتسنى النظر اليه من منظور أو مستوى واحد فقط. على العكس من ذلك، فاننا نرى في الدين أبعاداً ومستوياتٍ متعددة: ـ فالدين في إحدى مستوياته عقيدة إيمان؛ ـ وفي مستوى آخر يكون الدين تديناً شعبياً يتمثل في تقاليد وشعائر وطقوس؛ ـ والدين، كما هو في الاسلام، نظم وتشريعات تحكم شؤون الحياة الدنيا وتضبط النواحي الحياتية للفرد والاسرة والمجتمع. مجمل القول، أن الدين قد تغلغل في المجتمعات البشرية، عبر قرون طويلة ومن خلال عدة مستويات وفضاءات، في كافة أبعاد وتفاصيل حياتنا وترك بصماته العميقة على طرائق عيشنا وفكرنا وثقافتنا وعاداتنا ولم يقف محايداً في شؤون الحياة الدنيا حتى المأكل والملبس. وعليه، يكون السؤال من شقين: أولاً: أي بعد من أبعاد الدين هو المعصوم عن النقد؟ ولماذ؟ وثانياً: أما والدين بكافة أبعاده، على هذه الحالة من الهيمنة على جوانب حياتنا، فكيف لنا أن نسد الباب أمام النقد والتقييم؟ وربما يجدر بنا ان ندفع بالمحاججة قدماّ وبشيء من التفصيل: أ ـ هل ينحصر "تحريم النقد" في عدم المساس بالعقيدة الدينية (القرآن وأحاديث الرسول والصحابة) أو ربما القرآن وحده؟ وفي هذه الحالة، كيف لنا أن نفسر، إختلاف رجال الدين في تفسير النصوص الفقهية فكانت المذاهب الاربعة المعتمدة، وتعددت وجهات النظر بين الفقهاء والمفسرين بين معارضٍ يدعو الى تطوير الفقه التشريعي ومجددٍ لهذه المفاهيم والتفسيرات. فهل كانت هذه التفسيرات والمذاهب عصياناً وإثماً؟ وكيف لنا ان نتطور ان كانت وجهة النظر تعتبر إعتراضاً او عصياناً محرماً؟ ب ـ أما إذا المقصود هنا هو تحريم نقد المؤسسة الدينية، فانه يجدر بنا التذكير بان هذه المؤسسة قد تشكلت، كما في الاديان الاخرى كالكنيسة الكاثوليكية على سبيل المثال، كبنية ذات تعقيدات وتفرعات شتى، عبر عملية تاريخية طويلة لتصبح أداة تثقيفية وايديولوجية وقمعية في أيدي السلطة (الطبقة الحالكمة)؟ ت ـ أم أن الكاتب يقصد عدم المساس بالتشريعات والنصوص الاسلامية التي تضبط نظم الحياة السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية وكافة تفاصيل حياة وأحوال الفرد والاسرة في بلادنا؟ ث ـ ام أنه يقصد بالدين شعائر التدين والممارسات الشعبية للطقوس الدينية والتي تظل، رغم إغراقها للفرد والمجتمع وهيمنتها على كافة أنشطة الحياة وفعالياتها، أمراً روحانياً شخصياً يحكمه الفرد ويحدد علاقاته به؟ ونخشى ان نرى الكاتب ذاته ينزلق، وربما من حيث لا يدري، الى إستخدام القمع فيحرّم النقد والاجتهاد حين يقول: "ولعمري أن القول بغير ذلك ينطوي بالضرورة على إمتهان صارخ لذلك القبس الالهي الذي أودعه الرحمن أجسادنا. فماضينا صنعه البشر، والبشر خطّاءون مهما تسامت أقدارهم..." (ص 29). بقي أن نسأل الكاتب، كيف يتأتى لنا ان ننتج ثقافة "حرة متطورة"، حسب ما يطالبنا بنا ونحن مكبلون بكل هذه القيود؟ وكيف لنا أن نلبي مطالبته المتكررة "بإعمال العقل المودع باجسادنا" إذا ما ألغيت حرية العقل وحقه المقدس بالنقد وإذا ما سلب قدراته على النقد والابتكار والابداع والتجديد وأرداه جثة هامدة لا حراك فيها. فأي "قبس آلهي" هذا، وما بوسعه أن يفعل إذا ما كبل بكل تلك القيود؟ الدين والثقافة: الفصل القسري ومهما كان قصد الكاتب، فان الدين بكل أبعاده ودلالاته هذه يؤثر، دون ريب، على ثقافتنا العربية الاسلامية الى الحد الذي يستعصي معه على الباحث العلمي والموضوعي أن يقيم الفصل بين الثقافة والدين. ولا يقتصر هذا على الحالة العربية بل ينطبق على كافة المجتمعات بما فيها تلك التي تدعي الفصل بين الدين والسلطةـ وتتبجح بالعلمانية في نصوصها ووثائقها ودساتيرها، في حين تنغمس سياساتها وممارساتها ـ على المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية ـ في الدين وتعاليمه وثقافته وتوظيفها في خدمة مصالح الطبقات الحاكمة. (كما هو حاصل الآن في الولايات المتحدة وغيرها من دول الغرب الرأسمالي). إختزال الثقافة في الدين أ ـ باستثناء تناول المستوى الديني للاغتراب والتركيز على الدين وأحداثه وأبعاده، فان الكاتب يكاد لا يتطرق الى معاني ودلالات أخرى للاغتراب. فللاغتراب الثقافي ابعاد ومفاهيم متنوعة ومتشابكة، منها الاجتماعية والنفسية والانسانية والفلسفية والثقافية والفنية والروحية. ويهمنا أكثر ما يهمنا تجاهله للمستويات النفسية (الوعي الذاتي للانسان والتجربة الفردية والذاتية)، والمجتمعية، والثقافية كحالة جمعية ترتبط بالقيم والمعيير السائدة في المجتمع. يمعن الكاتب في إستشراف الابعاد الدينية، حتى يكاد يتملك القارئ شعور بان الكاتب لا يرى في الاغتراب الثقافي سوى بعده الديني، مما يثير المسألة التالية: ـ اذا كان الدين واحداً من مكونات الثقافة، فلمَ يكون تجاهل المكونات الاخرى لدى تناول الاغتراب الثقافي؟ ـ أما إذا كان الكاتب ينوي مناقشة الاغتراب الديني وحصر بحثه في البعد الديني، فلمَ لا يسمي الامور بمسمياتها فيقول انه بحث في الاغتراب الديني بدل الاغتراب الثقافي؟ ب ـ إضافة الى ذلك، فان الاصرار على الانفراد بالتفسير الديني وإقصاء العوامل الاخرى يؤدي الى ترسيخ المقولات التي سادت عبر مراحل متعددة من تاريخنا وفي حاضرنا والتي تفسر صراعنا مع القوى الاستعمارية والخارجية على انه بالاساس صراع ديني، وهي رؤية تحرفنا عن الجذور المادية والموضوعية (الاقتصادية والسياسية والطبقية) لهذا الصراع وتعمل على تشويهه. ت ـ إن مثل هذا الطرح من شأنه، في نهاية التحليل، أن يزيد من قوة وهيمنة المؤسسة الدينية والسلطة السياسية وان يعمق من فقر الانسان وتهميشه وإحباطه. ث ـ نرى مما تقدم، أن الكاتب بعد أن حرّم نقد الدين، قام بفصله قسرياً عن الثقافة منتهياً الى إختزال الاغتراب الثقافي، موضوع بحثه، في الاغتراب الديني أو في البعد الديني وحده. ولعل هذا من أكبر مخاطر التحليل العلمي والتي تتمثل في نهج متخشب متجمد "يحرم" في الوقت الذي يطالب فيه الكاتب "بثورة ثقافية". التحديات الراهنة للثقافة العربية هناك العديد من الهموم والتحديات الراهنة التي تواجهها الثقافة العربية والتي يكاد الكتاب، في مجمله، لا يتناولها بما تستحقة من مناقشة. لذا، رأينا من الاهمية مناقشة هذه التحديات، بايجاز، من أجل الوصول الى فهم موضوعي للإغتراب وحلوله. ويمكننا إيجاز أهم هذه التحديات، بشكل مكثف، في المحاور الرئيسية التالية: أ ـ تدمير الثقافة والهوية القومية العربية وإختلاق هويات جديدة كالاوسطية (هوية الشرق الاوسط الكبير) والمتوسطية (هوية البحر الابيض المتوسط). ب ـ تفكيك الثقافة والهوية القومية العربية الى ثقافات وهويات قطرية ومن ثم وتفتيت تلك وتحويلها الى هويات وكانتونات إثنية وطائفية ودينية ولغوية (كما نرى في لبنان والعراق). ب ـ مشروع إعادة التثقيف يهدف الى إختراق الطبقات الشعبية العربية، ثقافياً وسياسياً من أجل غرس مفاهيم السوق، واستحالة مقاومة رأس المال والعولمة (تيئيس الجماهير)، وتعميق القطرية على حساب الانتماء القومي والوحدوي للامة العربية. وهو مشروع راسمالي غربي ذو إذرعة تنفيذية قطرية عربية يشكل المثقفون فيه الحاملة الرئيسية. في إشكالية الاسلامي والعربي باستثناء عرضه لتعريفات عامة في الثقافة، والوقوف لدى "لحظة ميلاد الاغتراب الثقافي" ودور الثقافة العربية لما قبل الاسلام فيها، يكتفي الكاتب بمعالجة مبتورة دون تناول الاشكالية الاساسية تاركاً القارئ أكثر تعطشاً لإجابة، وهي إشكالية المكونين العربي والاسلامي والعلاقة بينهما في الثقافة والهوية العربيتين. فعندما يحدد الكاتب لحظة ولادة الاغتراب بتنازل المسلمين الاوائل عن حقهم الطبيعي في امتلاك ثقافة حرة ومتطورة وبلجوئهم للثقافة العربية السابقة للاسلام، فانه كمن يقول لنا ان: ـ الثقافة العربية لما قبل الاسلام لم تكن حرة ولا متطورة؛ ـ وأنه كان يفترض من المسلمين ومن الثقافة الاسلامية تطوير الثقافة العربية، وهو ما لم يقوموا به. إلا أن هذه الشروحات، التي قد تدغدع فينا بعض الشجون، لا تقدم لنا فهماً عصرياً لمأزقنا الراهن ولا تسهم في تقديم أية حلول. فليس هناك خلاف في أن المكون الاسلامي، عامل هام في ثقافة العرب والمسلمين لا يمكن التقليل منه. إلاّ أن البعد الاسلامي جاء ليثرى الثقافة العربية التي سبقته بتاريخ طويل. فالمكون الثقافي الاساسي في كل من الهوية والثقافة العربيتين هو المكون العربي، أما المكون الاسلامي فيظل حضارياً وتراثياً وثقافيأً اكثر مما هو هوية. لذا يجب وضع المكون الاسلامي في سياق المكون الحضاري العربي وليس العكس. ويتسائل الدكتور عادل سمارة: "فما هو الجامع الثقافي اليوم بين عربي مسلم واندونيسي مسلم، او نيجيري او ايراني؟ هناك تراث سابق جمع هؤلاء، هناك حالة حضارية سابقة. اما اليوم ومن ناحية واقعية، فلم يعد هذا الامر قائماً." وعليه فان الدعوة للانتماء الى ثقافة اسلامية، لا عربية، إنما هي دعوة تتجاوز "الهوية العربية لصالح هوية إسلامية غير موجودة واقعيا"، كما أن القول "بثقافة اسلامية في مواجهة ثقافة مسيحية انما يخدم الفزاعة التي خلقها هنتنجتون حول صراع الثقافات بهدف حرف النظر عن الميدان الحقيقي للصراع وهو الصراع الطبقي قوميا والنضال ضد النهب الاستعماري الامبريالي المعولم عالمياً." ثم يضيف أن التعدد الثقافي في المجتمع العربي "لا يقتصر على المكونين الدينيين الاسلامي والمسيحي، فالامة العربية أمة قديمة/جديدة استوعبت الكنعانية والفينيقية والفرعونية والبربرية...الخ، كما سمحت للحياة في داخلها لإثنيات عديدة سواء الكردية او الامازيغية او الشيشانية او الشركسية وغيرها، وما هذا إلا مصدر إثراء ثقافي لها."[2] خلاصة القول، إن الثقافة العربية هي الحارس المؤتمن على الهوية العربية، لذا ينبعي الحفاظ عليها أصيلة، حية، ومتجددة. لان المعركة ضد ثقافتنا هي بداية المعركة ضد هويتنا. ومن هنا يصح القول بأن التحدي الذي تواجهه الهوية الثقافية العربية، هو كذلك "تحد للهوية القومية العربية، ذلك، لأنها ـ أي الاولى- تمثل الوعي الذاتي للثانية. ومن هنا وفي ضوء ذلك نلاحظ ان اكبر تحد تواجهه الثقافة العربية راهنا يقع منها في العمق، أي في هويتها".[3] الاغتراب بين الثقافة والهوية إذن، فان اكبر تحد تواجهه الثقافة العربية راهناً يقع في هويتها. إلاّ أن الهوية تستند على ثقافة يكون وجودها سابقاً للوعي بالهوية ومؤسساً له. وعليه، فان الهوية، وإن كانت تتأثر بالثقافة، إلا انها تجد اساسها في الشروط السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر فها وفي الثقافة ايضا. تتمثل هذه الشروط في طبيعة التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية ونمط الانتاج المهيمن وما يتمفصل عنه من انماط واشكال انتاج ولا سيما العلاقات الانتاجية كمكون داخلي.[4] ليست الهوية إذن كياناً محنطاً يعيش وينمو منعزلاً عن سياق علاقتها بالتاريخي (السياسي الاقتصادي الاجتماعي)، ومن هنا، وعلى هذا الاساس، نفهم علاقتها بالثقافة حيث قد يتقدم كلاهما سويةً وقد تتراجعا معاً الى الوراء. وعليه، فان القيمة الاساسية لاي بحث في الاغتراب (المأزق) الثقافي للعربي تنبثق من الادراك بان الثقافة سابقة للهوية ومؤسسة لها وهي كذلك هي أحد العوامل الرئيسية للحفاظ على الهوية وتماسك الامم، بل هي، إضافة الى ذلك، وسيلة النضال وأدة المقاومة للمركز الراسمالي ـ الامبريالي وعملائه المحليين من أنظمة ومأجورين ومثقفين ومنتفعين ومنظمات غيرـ حكومية...الخ. الاغتراب الثقافي والتجزئة لا يلامس الكتاب معضلة تجزئة الوطن العربي التي تقف (ومعها ما خلفته من حالة تفكك المجتمعات وإقامة الدول والمجتمعات القطرية) كاحد أهم أسباب ومصادر حالة الاغتراب الثقافي العربي. فقد عطلت التجزئة نضوج العوامل الموضوعية لتطور المجتمعات والثقافة العربية كما شكلت قوة رئيسيةً عرقلت وإحتجزت تنميتها. لقد عملت القوى الاستعمارية الغربية عبر تاريخها على تجزئة البلدان والمجتمعات المضطَهدة، أما فيما يتعلق بالوطن العربي وفي هذه الحقبة بالتحديد، فقد تجلى إستهدافها له بكل بوضوح. فلم يشهد تاريخنا هذا القدر من التفككات السياسية/ الجغرافية والاجتماعية والثقافية القطرية الى ان جاءت التجزئة الاستعمارية الاوروبية في طبعاتها المتعددة بدءاً من اتفاقية سايكس ـ بيكو (مايو 1916). وقد إرتكزت السياسات الاستعمارية في إستهدافها وتجزئتها للوطن العربي الى آليات عدة أهمها ثلاث: إختلاق دول قطرية تستهدف خلق هويات وثقافات قطرية مستقلة، خلق ودعم أنظمة عربية عميلة مرتبطة بالغرب الرأسمالي ـ الامبريالي، وخلق المشروع الصهيوني الهادف الى خلق ثقافة يهودية وكي يشكل أساساً لمشروع خلق الدول الدينية والطائفية كما نرى مقدمات ذلك في لبنان والعراق. على هذا الاساس نفهم دور التجزئة في نشوء وتعميق الاغتراب ونرى مركزية البعد القومي كبعدٍ من أبعاد الثقافة والهوية القومية، "بل من حيث أنه الوحيد الممكن تاريخياً في الماضي والحاضر والمستقبل"[5]، وأن تجزئة الوطن العربي قد وفرت المقدمات التاريخية لتفكيك الثقافة والهوية القومية العربية وشكلت السياق التاريخي لولادة ثقافتين ـ القومية والقطرية بكل تبعاتهما على دور المثقف في المجتمع. العولمة وثقافتنا لم تقتصر هيمنة النظام العالمي الجديد الذي أطلت على الانسانية في مطلع تسعينات القرن الماضي على العولمة الراسمالية بسياساتها الاقتصادية فحسب، بل رافقت هذه المتغيرات غزوة ثقافية لا تقل شراسة. ورغم إدعاءات هذه الغزوة الزائفة بحلم "القرية العالمية"، فقد إستهدفت، في جوهرها، تكريس هيمنة ثقافية احادية القطبية تتمركز حول الثقافة الغربية (الانكلوساكسونية) كالنموذج الوحيد المقبول. ففي حين إستهدفت السياسات الاقتصادية تدمير التنمية في بلدان العالم الثالث وربطها بعجلة النظام الراسمالي، أرتكز الذراع الثقافي لمشروع العولمة أساساً على التنكر للثقافات القومية والمحلية لتلك المجتمعات وعمل على تدميرها ومحوها وإستبدالها، وصولاً الى إعاقة التنمية وضرب الهويات القومية. وبغض النظر عن العباءة التي تتلحف بها العولمة الثقافية، والتي تدعي برائتها "وديمقراطيتها" وسعيها لتطوير ثقافات الشعوب الاخرى، فهي، في جوهرها، امتداد ثقافي للرأسمالية الامبريالية وآلياتها. يشكل مشروع الهيمنة الثقافية هذا، والذي كان من رواده فرانسيس فوكوياما وصموائيل هانتينغتون وغيرهم من مفكري العولمة القائلين بنهاية التاريخ وصراع الحضارات، خطرا على ثقافتنا وثقافات شعوب العالم الثالث لأن العولمة، كما أسلفنا، بعد أن أحكمت قبضتها الاقتصادية والسياسية، أخذت تتقدم نحو الهيمنة الثقافية أو ما يمكن أن نسميه الأحادية الثقافية. وهكذا ففي حين إنتهت بنا التجزئة الى ثقافتين (القومية والقطرية) أو أكثر، جاءت العولمة الرأسمالية لتنكل بهذه الثقافات القطرية وتذررها الى محلية وطائفية ومذهبية ولتستبيح اللغة القومية وتدمرها عبر تفريخ لهجات محلية، على طريق ضرب الثقافة الواحدة فالهوية الواحدة (أنظر أمثلة لبنان مصر سوريا فلسطين العراق..). الاغتراب والتخلف أن التخلف الذي نعاني منه، على إختلاف أسبابه ومستوياته، هو نتيجة البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلاقات التي تفرزها. وليس التخلف الاجتماعي والثقافي سوى نتاجاً لعوامل التخلف الاقتصادي والتجزئة وإحتجاز الغرب الرأسمالي للتنمية، تلك العوامل هي التي تعمق التبعية كي تعود لتكمل دورة إعادة التخلف. لذا، فان البحث عن حلول وبدائل للاغتراب يجب أن يبدأ من هنا، من تغيير هذه البنى والعلاقات التي تنتجها. ولن يتسنى إنجاز هذا التغييرإلاّ بخلق وعي نقدي يستند اساساً الى فهمٍ موضوعيٍ للمأزق الثقافي الذي نعيشه وإدراك دور الثقافة في صيانة الهوية والانتماء. ولا بد من الالتفات بشكل خاص الى التخلف التكنولوجي وخاصة وسائل الاتصالات الحديثة (الالكترونية والفضائية وغيرها) ودور هذا التخلف في خلق وتعزيز حالة الاغتراب. لا تكتمل المناقشة الشاملة لهذه المسألة بعيداً عن دراسة الواقع المادي لهذه الوسائل وإنفراد المركز الراسمالي الغربي بامتلاك تكنولوجيتها وحقوقها الفكرية وإدارة مؤسساتها والهيمنة على موادها ومواضيعها الاعلامية كي يستطيع إستخدامها في تحقيق أهدافه في تدمير وعي وثقافة المجتمعات العربية والعالمثالثية وإحلالها بثقافة الغرب الراسمالي الامبريالي ونظمه القيمية الاستهلاكية. في الحلول والبدائل يعدد الكاتب محاولات مقاومة وقهر الاغتراب الثقافي في التاريخ العربي والتي شملت التشييع والتصوف الفلسفي والرشدية (نسبة الى بن رشد)، ثم ينتقل الى سؤال ما العمل؟ "ما العمل والاغتراب الثقافي يحاصرنا أينما ولينا وجوهنا في عالمنا العربي؟"، فيجيب بان: "الحل هو: الثورة الثقافية، والثورية المقصودة هنا ليست تجديفاً في مقدسات ولا شطحاً فيما ليس من ورائه نفع، وإنما تثمين لذلك القبس الإلهي الذي أودعه الله أجسادنا، وهو العقل. فإعمال العقل طريق المعرفة، ومن لا يعمل عقله لا يمكنه أن ينقد شيئاً، ومن لا ينقد شيئاً فانه مغترب وسيظل على إغترابه." (ص 94) ويقول أيضا في عرضه للحل أنه لو ثمن المسلمون الاوائل الزخم الايديولويجي للاسلام والعقل البشري، لتمكنوا من "التعاطي الكفء" مع مسألة النظام السياسي للدولة الوليدة ولما كان هناك إغتراباً ثقافياً للذات العربية (ص 93). لا يرشدنا الكاتب الى سبل تحقيق هذه المهمة، ف"تثمين القبس الألهي" لا يقدم الاجابة على المأزق الذي نحن فيه. فقد سمعنا أمثال هذه النصائح لقرون طويلة ولم تصل بنا الى شاطئ الامان ولم تضيء لنا درب التغيير ولا درب "الثورة الثقافية". كما أنه ليس واضحاً ما يقصده الكاتب من "إعمال العقل" و"النقد"، حين ينضبط هذا النقد ويتكبل هذا العقل بمحدوديات صارمة تحرم وتحلل ما تشاء. الدين: أدة تغيير أم أداة سيطرة؟ أ ـ لم يلتفت الكاتب، خلاف ما أكده الكثيرون من الباحثين، الى ان الدين يقف على رأس العوامل والقوى التي تدفع المواطن/الفرد الى المساومة وتقديم التنازلات بل الى الانسحاب الى الداخل والانغلاق على الذات أمام بطش وإستبداد السلطة ومؤسساتها القمعية وغيرها من المؤسسات بما فيها الدينية التي تخدم مصالح الطبقات الحاكمة. وهكذا يصبح الدين، من حيث توظيفه إجتماعياً وسياسياً، قوة تشد بنا الى الخلف وتعيق التقدم وتعمق الفجوة بين الافراد، وبين الافراد والجماهير من جهة والسلطة من جهة اخرى، كما تعمق الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين الفئات والطبقات الاجتماعية وبين الفقراء والاغنياء. قد يشكل الدين في مراحل نشأته الاولى قوة إيجابية ودافعة نحو التغيير الاجتماعي كما حصل في المراحل المبكرة من تاريخ المسيحية والاسلام، أو كما حصل في العقود الاخيرة في بعض مجتمعات اميركا اللاتينية حيث لعبت ثيولوجيا التحرير دوراً إجتماعياً وسياسياً أيجابياً ونضالياً وتقدمياً وإصطفت مع مصالح الشعب والجماهير والطبقات الشعبية. إلا أن تاريخ البشرية، بالمقابل، يعج بالعديد من الامثلة والحالات المناقضة، حيث كانت المؤسسة الدينية، في مجتمعات ومراحل تاريخية مختلفة، قوةً معيقةً للتقدم ومضادة للتغيير وعملت في خدمة الطبقة الحاكمة ومصالحها، وحيت تم توظيف الدين في خدمة السلطة والسياسة. فكيف لنا، إذن، ان نتوخى إحداث التغيير مع إبقاء سطوة الدين والمؤسسات الدينية؟ وكيف يكون إستخدام الدين في إحداث التغيير؟ ب ـ على نقيض ما شخصه الكاتب، حين ذهب الى أن إراحة الذات كانت سبباً في الاغتراب وفي "تنازل الانسان طواعية عن حقه في نقد وتطوير ثقافته وتخويل آخرين بهذا الحق نيابةً عنه" (ص 20)، فانه يمكننا أن نحاجج أن إراحة الذات هذه قد تكون أيضاً سببا في إجهاض عملية التغيير، حيث أن الفرد يحققها كلما إزداد تقرباً من الدين والمؤسسة الدينية. فكلما إزداد التعامل والتحالف مع المؤسسة الدينية، فان المرء يضمن لنفسه قدراً أكبر من "السلام الاجتماعي" و"الامن الذاتي" اذ يحظى بقبول (أو تقبل) الآخرين له من حيث أنه يستخدم سبلاً ومفاهيم قريبة من فهم الناس وقادرة على مخاطبة عواطفهم وإفكارهم وتسهل بالتالي إستمالة رأيهم. على النقيض من ذلك، فان مهمة التغيير تتطلب خلق وعي إجتماعي نقدي يتصدى لوعي سلفي موروث، ويستند الى المعرفة والعلم بدل الغيبيات والاوهام الزائفة. يرى الدكتور حليم بركات ان هناك إغتراباً دينياً يتمثل في نوعين من حيث العلاقة بالمؤسسات الدينية: اولاً: الاغتراب من الدين، بمعنى رفض المؤسسة الدينية القسرية والخروج عليها وبخاصة في محاولتها مقاومة التغيير. ثانياً: الاغتراب في الدين، بمعنى أن المؤمن المتشدد ينسب قواه الذاتية الى قوى خارج نفسه ويسلمها مصيره، كما نرى ذلك منعكساً في بعض الحركات السلفية. ويتجلى دور المؤسسات الدينية في تعزيز هيمنتها على حياة الفرد (كما هي الحال في علاقتنا مع السلطة السياسية) في عدة مظاهر أهمها: أ ـ إثراء المؤسسة الدينية مقابل (وعلى حساب) إفقار المؤمنين في قدراتهم المادية والروحية والفكرية. ب ـ تعزز التنشئة الدينية قيم الطاعة والامتثال للاوامر بحيث يقفد المرء القدرة على المبادرة والقرارت المستقلة. ت ـ يغترب المؤمن عن ذاته ودينه، أو يزداد إغترابه هذا، بقدر ما تتمكن السلطة السائدة من إستخدام الدين كأداة سيطرة.[6] البديل: المشروع النهضوي لن تتسنى إزالة الاغتراب والخروج من مأزقه وإشعال "الثورة الثقافية" التي يطالب بها الكاتب دون مشروع ثقافي نهضوي تغييري شامل يضمن مساهمة الجماهير والشعب والطبقات الشعبية، صاحبة المصلحة الاساسية في هذا المشروع، ويقوم على رفض الواقع القائم وتغييره. ويرتكز هذا المشروع، في نظرنا، على عدة ركائز أهمها: أ ـ الوعي النقدي: أن أخطر ما خلفته أزمتنا الثقافية هو الابتعاد عن الفكر النقدي، لذا لا بد من خلق وعي نقدي جذري؛ يشكل ثورة في القيم والتعليم والاعلام والثقافة العامة؛ من أجل بناء ثقافة مقاومة ترتكز الى هذا الوعي وتكون قادرة على كسر طوق الخوف وإسترداد الثقة بالنفس. ب ـ فهم الواقع: تطوير فهم موضوعي للواقع العربي المعاش، من خلال قراءة شاملة تكشف كافة أشكال الاغتراب (الثقافي والسياسي والديني)، وعلاقة ذلك بالتخارج مع القوى الخارجية وبالتجزئة التي تقطع أواصلنا وتعيق تنميتنا، وبالاستبداد والسلطة والمؤسسات الدينية وفضح دورها في تخلف النظم التعليمية في بلادنا، وإختزال دور الفرد وتغييب وطمس قدرات الفرد والجماعة، وفي إرتداد الجماهير ولجوءها الى الثقافات الغيبية مجافاتها للعقل والمعرفة والمنطق. ت ـ ثقافة المقاومة: والتي لا يتسنى صياغتها وإبتكار أشكالها وأساليبها الجديدة دون الوعي النقدي والفهم الموضوعي للواقع. ث ـ تجليس الدين في سياقه الاجتماعي في حياة الفرد ورسم حدود واضحة له في الحياة العامة بحيث تحفظ له مكانته الروحية دون المساس بها في حياة الفرد وتدينه كممارسة ذاتية لا علاقة لها بالشأن العام، أي دون دس الدين في فضاء الحياة العامة. لا بد، إذن، من الفصل بين الدين والسلطة مع عدم التنكر للدين بل احترامه في مجال التدين الشعبي حيث يبقى فضاءاً روحياً وذاتياً للانسان. ج ـ ضمان دور وفعالية الجماهير والمرأة والمثقف والقوى المستنيرة في المشاركة في هذا المشروع وإحداث هذا التغيير. ح ـ تأسيس حركة إجتماعية/سياسية تكون حاملة هذا المشروع بكل آفاقه الاجتماعية والسياسية والثقافية. · ستقف المؤسسات الدينية والقوى السلفية في بلادنا وفي المجتمعات الاخرى ضد هذا المشروع لانه يتناقض أساساً مع مصالحها ولانها غير قادرة أصلاً على الاضطلاع بمهامه وإن أدعى بعضها الاصلاح والتغيير وغيرها من المسميات والشعارات، وسنراها تقاومه وتتآمر عليه كما فعلت تاريخياً حين وقفت ضد محاولات التغيير والثورة. · لا تستطيع إنجاز هذا المشروع ومهامه سوى القوى الملتزمة بمصالح الطبقات الشعبية والجماهير العريضة والتي تشمل القوى الاشتراكية والقومية والاسلامية المستنيرة بما فيها القوى العلمانية والديمقراطية الاصيلة. خ ـ سيصطدم هذا المشروع حتماً بالعدو الرئيسي وستكون معركته الاساسية ضد هيمنة المركز الراسمالي ـ الامبريالي وعملائه من أنظمة المحليين عميلة وكومبرادور محلي ومثقفين مرتبطين منتفعين. د ـ التصدي لاشكالية التنمية والخروج من هوة التخلف، والبنى التي تقف خلفه وتعيد إنتاجه. ذ ـ لا بد أن يتواصل هذا المشروع، في آفاقه الاممية، مع حركة التاريخ والشعوب الاخرى والتضامن الاممي ومع روح العصر ومتطلباته وأن يتعاطى بجدارة مع وسائل الاتصال الحديثة التي تغزو كافة جوانب حياتنا. ملاحظات منهجية اللاتاريخية: لا يتنسى تعريف إغتراب الذات العربية بالعودة قروناً الى الوراء، بل تكون المهمة في تشخيص الاوضاع الراهنة (الاجتماعية والسياسية والثقافية) ومقدار إنسجامها مع الفرد والجماعة وقدرتها على تلبية حاجاتهم. لذا، نجد أن حدة الاغتراب تزداد في المجتمعات المتخلفة، كما هو حاصل في بلادنا، حيث تتعثر التنمية وتحتجزها طبقات وأنظمة تعادي شعوبها وتقمعها وتجوعها، وحيث ترتهن التنمية بالقوى الخارجية وتتحكم فيها تقاليد موروثة بالية تشل الفرد والجماعة عن إحداث أي تغيير. ومن هنا أيضاُ نرى ان تصاعد التيارات السلفية في السنوات الاخيرة يؤدي الى تعميق الاغتراب في المجتمعات العربية. ترى ما هي جدوى العودة الى الوراء اربعة عشر قرناً كي نفهم اغترابنا واسبابه؟ لعلنا نستطيع صياغة المسألة بوضوح أكثر على النحو التالي: مقابل توغله في التاريخ، فان الكاتب يغض الطرف عن واقعنا الراهن المعاش ويغلق عينيه عن العديد من المفاهيم والمدارس الفكرية والفلسفية الحديثة التي عالجت الاغتراب على ضوء مستجدات العصر (الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتكنولوجية)؟ كيف لنا ان نفسر تأثير الامويين على إغترابنا، حين لا نتطرق لواقع التجزئة والتخلف والعولمة وتأثيراتها الفتّاكة على المستويات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية؟ وأخيراً، وفي السياق السياسي الراهن في بلادنا، من حقنا أن نتسائل ان كانت إعادة أزمتنا الى ما قبل اربعة عشر قرناً تسهم في تقديم أي حلول أم أنها تعمق الفتنة وتثير الاحقاد الطائفية؟ غياب الراهنية: في حين يقدم الكتاب قراءة تاريخية للاغتراب، فانه ينأى عن راهنية المأزق الثقافي العربي ولا يقدم قراءة دقيقة للواقع القائم ويغفل العديد من التحديات الراهنة التي تواجهنا. لا يتصل البحث بالتحديات والتناقضات الماثلة امامنا اليوم ولا يشغل الكاتب نفسه بقضايا التغيير والتحول (الثقافي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي)، بل يظل أسيراً للماضي متجاهلاً للمتغيرات (القومية والاقليمية والدولية) وتأثيراتها على الثقافة العربية وخاصة تلك التي ألمت بالوطن العربي بعد إنهيار المعسكر الاشتراكي ووقوع البشرية تحت هيمنة النظام الاحادي القطبية والاحادي الثقافية أيضاً. النظرات الغيبية: تظل هذه الدراسة رهينة النظرات المثالية والميتافيزيقية ولا تقدم سوى رؤية أحادية الجانب منفصلة عن تاريخيتها، وبهذا المعنى تظل قاصرة عن الارتباط الواقع الراهن وكشف العلاقة الموضوعية بين الاغتراب وواقعنا والقوانين الداخلية التي تحكمها وتظل مقطوعة الصلة بالواقع المعاش. تغييب سمات العصر والمرحلة الرئيسية: نلحظ أن الدراسة تخلو من معالجة الاغتراب على ضوء سمات العصر والتي تشتمل في عناوينها الرئيسية شدة الهجمة الرأسمالية ـ للامبريالية على بلدان العالم الثالث والمجتمعات الفقيرة، وإستهداف الوطن العربي في هذه المرحلة، وأممية المعركة وحتمية التواصل والتفاعل مع الثقافات والشعوب الاخرى. في فهم التراث: لا شك أن التعاطي مع المأزق الثقافي العربي، مأزق الاغتراب، يتطلب عودة نقدية وواعية للتراث والثقافة العربية، إلا أن هذا لا يعنى الردة السلفية الى الوراء والتغني (او التباكي) بالتراث العربي والاسلامي وتمايزنا الثقافي، كما أنه لا يتأتى بالتنكر للثقافات الاخرى، وإغفال حركة التاريخ والقوانين العامة التي ترتبط بها حركة المجتمع العربي والمجتمعات البشرية. الطائفية: تقوم النزعة الطائفية (المذهبية) على تكريس مبدأ النفي والنبذ للآخر والمغاير. ورغم أن الطائفية تنسب في شكلها الى جماعة تمارس معتقداً دينياً محدداً، إلا أنها في طبيعتها وجوهرها تستند الى بنية أو بنى (اقتصادية واجتماعية وسياسية). والطائفية في وظيفتها الاجتماعية والسياسية أكثر إرتباطاً بهذه البنى والانظمة منها بالدين والمعتقدات المقدسة. وضمن هذا الفهم والسياق، فان الطائفية قد وجدت في مجتمعاتنا لقرون طويلة، قبل أن يأتي الاستعمار الخارجي ليغذيها ويعمقها. فهل تغذي رؤية هذا الكتاب نزعة الطائفية ونعراتها؟ خاتمة ندرك انه ليس في مقدور عمل واحد أو كاتب واحد أن يعالج الاغتراب معالجة كاملة. إلاّ أنه من حقنا ان نطالب الباحثين ان يقدموا مساهمات أيجابية، والتي، مهما كانت متواضعة، فانها تشكل في تراكمها خطوة الى الامام. ومن هنا تساورنا الريبة إن كان الكتاب قد توفق في هذا المسعى أم أنه خلّف المزيد من الضياع والحيره. أغفل الكتاب الكثير مما لم يقله كما ترك الكثير من الاسئلة الحائرة دون إجابة، وكان في بعض جوانبة مغترباً من حيث انه بقي حبيساً للماضي والتراث الموروث التقليدي، وبالتالي عجز عن الانتقال الى رؤية ومشروع نهضوي مستقبلي. إلاّ أن خطورة الكتابة التي لا تساهم في الحل ولا تصبح جزءاً منه، تكمن في أنها تدفع الى الهروب الى الخارج بحثاً عن هذه الحلول، وهذا بدوره يعمق من الاغتراب والانسلاخ الثقافي. مراجع ذات صلة بالبحث:
1) إسماعيل الملحم، الخصوصية في الثقافة القومية العربية (دور الانتاج والابداع). (منشورات أتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1996). 2) إرنست فيشر وفرانز مارك (ترجمة خليل سليم)، ماركس الحقيقي. (دار ابن خلدون، بيروت، 1973). 3) د. حليم بركات، الاغتراب في الثقافة العربي: متاهات الانسان بين الحلم والواقع. (مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2006). 4) د. عادل سمارة، مثقفون في خدمة الآخر!: بيان ال 55 نموذجاً. (مركز المشرق/العامل للدراسات الثقافية والتنموية، رام الله ـ فلسطين المحتلة، 2003). 5) د. حسين مروة، النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية (الجزء الاول)، الطبعة الرابعة. (دار الفارابي، بيروت، 1981). 6) بندلي جوزي، من تاريخ الحركات الفكرية في الاسلام. (الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين ودار الجليل، بيروت، 1982).
|
||
|
|
|
حورات |