كأن عدوى الـ «عملية»، واقصد ما يسمى عادة بعملية السلام، أو العملية السياسية قد انتقلت من فلسطين الى العراق. هنالك بشائر لعملية سياسية من النوع الذي يصبح هدفا قائما بذاته إذا لم يتوفر حل سياسي وانسدت الآفاق واشتدت وطأة الاحتلال والقمع والمعاناة. لم نعد ندري إذا كانت الوفود تتقاطر لتبحث شأن العراق، ام يتم استغلال العراق لبحث علاقات ثنائية من نوع آخر على هامش المؤتمرات. وما «هامش» المؤتمرات من هذا النوع إلا مركزها في الواقع.

استتقبالات يعقبها افتتاح وخطابات ثم اجتماعات. ثمة مسلسل قد انطلق، ويتضمن مؤتمراً اولاً وثانياً وثالثاً، وتساؤلات وتوقعات وتوترات تنتج وتخرج صحافياً من نوع احتمال لقاء وزيرة الخارجية الأميركية مع وزراء من حكومات دول تحب اميركا أن تسميها «راعية للإرهاب» على «هامش» المؤتمر، وقضايا أخرى لا تنتهي ويعتاش منها الخبر في مرحلة عزت فيها الأخبار السياسية الفعلية عن العراق ذاته.

وفي النهاية حديث وقرارات عن شطب ديون للعراق. ولا أحد يذكر أن للعراق اصلا اقتصاداً وانه مدين، هل تعمل بالفعل في العراق بنوك دائنة ومدينة وموازنة دولة وعجز تجاري؟ ولنفترض ان العراق مدين ولن يدفع ديونه، ماذا تراهم فاعلين؟ هل سوف يحاصرون العراق ويفرضون عليه العقوبات أم سوف يحتلون العراق مثلا؟ يقول المثل العامي المحكي في بلدنا «أكثر من القرد ما مسخ الله»، فماذا لدى العراق ليخسره لو جن جنون أحدهم على ديونه وليس على دمائه؟ يكاد المرء يجن من ان هنالك من جلس وبحث وبحث وبحث، فلم يجد سوى مشكلة ديون العراق لينجح في حلها. اي عراق واي ديون؟

لقد غرق العراق بالدم والفساد والسرقة والنهب والقتل والسطو والمطامع الصغيرة والكبيرة واستغلال الطوائف مطايا للتحشيد والتنافس بين اشخاص بلا ضمائر، فيختتم مؤتمر أعماله متحدثا عن الديون، وليس هنالك من يعرف الفرق بين الفساد والديون، والعجز المالي والسرقة، والاستبداد والاحتلال، والإرهاب والمقاومة...اي عراق وأي ديون؟

هؤلاء الذين جعلوا العراق الغني الأبي فعلا يشحذ ويتسول، هؤلاء الذين جعلوا ابناء العراق وعلماء العراق يتشتتون في أصقاع الأرض كلها حفاظا على حياتهم، هؤلاء الذين لم يتمكنوا بعد سنوات على سقوط بغداد من إيصال النفط الى محطات الوقود في العراق نفسه، هؤلاء الذين لا يستطيعون حتى الآن تشغيل مولدات تكفي حاجة العراق من الكهرباء يتحدثون عن شطب وإعادة جدولة ديون العراق! اي عراق واي ديون؟

وفوق كل ذلك يستغل العراق كحلبة لتحسين ارصدة إقليمية في مواجهة المشروع الأميركي أو تحسين المواقع في إطار المشروع نفسه، أو غير ذلك. المهم ان العراق الممزق المتشظي النازف ليس هو الموضوع.

لقد افتتحت عملية جديدة توهم بتبني توصيات سياسية من نوع توصيات بيكر هاملتون، ولكن تنفيذها يخرج إخراجا كما تخرج المؤتمرات ويجهز لها. وكما يخرج نقد الفساد إخراجا يتكرر الحديث الممل عن الإصلاح والشفافية والمحاسبة مثل لازمة، فيما يمارس الفساد بكل شفافية. وفيما يسفك الدم من دون أن يفهمنا أحد من مؤيدي تلك الحرب في حينه الملوحين بالحرب ضد إيران حالياً، عن السبب في انهم لم يفقدوا القدرة على الكلام، ولماذا لم تلتصق السنتهم في حلوقهم ولماذا لم يجف الحبر في اقلامهم بعد ان جفت حتى الدموع في مآقي أطفال العراق.

وكأننا امام «عملية» جديدة، عملية سلام سوف تتكرر حلقات اجتماعاتها ومؤتمراتها، وسوف يتكرر اهتمام الصحافة بكل اتصال يليها ويعد للمؤتمر المقبل. نقول ذلك لأن الولايات المتحدة بحاجة لعملية ومبعوثين ومؤتمرات حين ترسل عشرات آلاف الجنود الى العراق ليصبوا الزيت على نار تلك الجحيم.

هنالك طبعا منطق في محاورة دول الجوار بشأن العراق. ولكن الحوار الحالي بين الولايات المتحدة ودول الجوار يتلخص في محاولة الأولى جرهم نحو موقف من المقاومة العراقية أقرب إلى موقف الاحتلال، وإلى موقف من الحكومة المركزية يؤدي إلى تسهيل شؤونها وتمكينها من العمل.

أما من ناحية هذه الدول فيتلخص الحوار بمقايضة هذا الموقف المرغوب أميركياً مع قضاياها المعلقة وهمومها هي مع الولايات المتحدة. هذه سياسة، وبهذا المعنى فإن «العملية السياسية» الجارية بشأن العراق لا تشمل كلمة السياسة بمعناها المختلف والمتميز عن «العمليات الحربية»، اي «عملية سياسية» بدل الحرب، بل السياسة بمعناها الأصلي المتخلص بالعمل على أساس مصالح الدول والحكومات. ولذلك حال انتهاء المؤتمر سُمع فورا عن تنفيذ الولايات المتحدة نيتها بإضافة آلاف الجنود في العراق، أما صدى التفجيرات فزلزل المنطقة كلها.

ولا تتناقض خطوة من نوع زيادة عدد الجنود مع نقد هاملتون وبيكر وضباط استمع اليهما الأخيران لسياسة رامسفيلد. فقد وجهت الانتقادات الى رامسفيلد منذ بداية الغزو على الغرور الكامن في احتلال العراق بهذا العدد القليل من الجنود تطبيقا لنظرية عدم استغلال كل طاقات الجيش الأميركي في حرب واحدة وتمكين أميركا من شن حروب أخرى إذا لزم. كان رامسفيلد مقتنعا أن اميركا بعدتها وعديدها سوف تكون مضطرة لخوض حروب عدة في الوقت نفسه، وأن عليه ان يثبت امكانية ذلك في اي حرب، وذلك بقصف شديد يليه انزال متفوق ضد نظام متداع، ولكن بعدد من الجنود يقل عما يلح عليه الجنرالات. وخلافا لما يعتقد البعض كان انتقاد رامسفيلد انتقادا لغروره واستخفافه المعبر عنه بقلة عدة الجنود. فقد طالب الذين انتقدوه بأعداد أكبر من الجنود وليس أقل.

يخطئ طبعاً من يقدر النقاد من داخل المؤسسة الحاكمة في الدول الغربية أخلاقيا إذ يُسقط عليهم نقد ضحاياها، إذ غالبا ما يعتبرون حلفاء أو يتم تصويرهم اكثر انسانية من صناع القرار الذين ينتقدونهم. إنهم في الواقع يديرون سياسة مصالح حزبية أو فردية واقعية ضد خصومهم المحليين في الإدارة كما تدير دول الجوار سياسة مصالح مع الولايات المتحدة في «العملية السياسية». وفي أفضل الحالات يسمع نقد جدي من منطلق المصالح العليا والأمن القومي الأميركي. وهنا تخلط الضحية بين الصرامة في التعامل مع ما يمس الأمن القومي الأميركي البادية على وجوه بيكر وهاملتون وبين المسؤولية الإنسانية. فهي غير قائمة إلا في الأذهان.

لم نسمع لا بيلوسي ولا غيرها من نقاد الحرب من داخل المؤسسة ينتقدون الجرائم الأميركية في العراق بجدية، أو يذرفون الدموع السياسية العلنية على غير الجنود الأميركيين. ويتوجه نقدهم كله لاستقطاب الرأي العام بناء على تزايد عدد الجنود الأميركيين الذين يسقطون في العراق من دون تحقيق اي هدف، ومن دون افق لنجاح العدوان. وحتى الموت، موت الجنود الاميركيين لم يكن ليعصر دمعة واحدة من عيونهم لو كان مقترنا بانتصار. ولذلك يمكن أن نسمها دموعا سياسية.

ليست تحفظات بيكر - هاملتون على الحرب ناجمة عن نظرة أكثر إنسانية للعراق وشعب العراق ولا هي ناجمة عن رفض العدوان، بل عن فشل إدارة المحافظين الجدد للعدوان، ونقد رئيس وكالة المخابرات المركزية الأميركية الأسبق تينيت يكمله، إذ ينتقد القرار بالعدوان ويتبرأ من الأكاذيب التي لفقت لتبريره. فالنقدان وغيرهما مما سوف يكتب عن القرار بشن الحرب على العراق وإدارتها والمصالح الاستراتيجية والنفطية التي كمنت خلفها ونظريات نشر الديموقراطية البائسة، كلها تنطلق من فشل العدوان على العراق. وكما قلنا في حالة لجنة فينوغراد في إسرائيل: مع أنها تعالج الأخطاء عادة بأثر رجعي، فإن الفشل وليس الخطأ هو ابو لجان التحقيق، وهو المسؤول عن تشكيلها. ليست المشكلة بالنسبة الى النقاد من داخل النظام في الأخطاء التي ارتكبت بل في الفشل في تنفيذ السياسة. ولو نجح العدوان على العراق نتيجة عدم وجود طاقة مقاومة مجتمعية عراقية مثلا، ولو تم النجاح بالأخطاء نفسها التي تنتقد حالياً إدارة العدوان وبالثمن نفسه الذي يدفعه الشعب العراقي وبحمام الدم نفسه، لما ارتفعت أصوات رسمية أميركية تنتقد الحرب من داخل المؤسسة. الفشل هو السبب. ويعود الفشل لوجود مقاومة.

ونعود هنا الى دول الجوار.

لقد أفشلت المقاومة العراقية العدوان الأميركي كما افشلت جزءاً من أهدافه العراقية والإقليمية، ولكنها لم تنتصر بعد. لم يتحول الفشل الى انتصار بعد. ولن يكون ذلك ممكناً من دون محاربة الطائفية ومن دون اتفاق دول الجوار بعيداً عن الوصاية الاميركية. وعلى كل حال، إذا كان فشل العدوان الأميركي يعني تقسيم العراق بعد انسحابه فإن هذا الفشل العسكري سوف يعني نجاحا سياسيا أميركيا. بل أكثر من ذلك، إنه يذكرنا انه فشل في السيطرة ولكنه لم يفشل ولا حتى عسكريا في تحطيم العراق. ومن هنا فإن ترجمة الفشل العسكري الأميركي الذي أدى الى كل هذا النقد وهذه التقارير وهذه الحوارات الموصوفة أعلاه مع دول الجوار الى انتصار على السياسة الأميركية يمر عبر اقتران الانسحاب الأميركي بالحفاظ على وحدة العراق.

ويحتاج هذا الجهد الى عنصرين اساسيين. أولا، دول الجوار التي يجب ان تدفعها مصالحها المشتركة الى الحفاظ على وحدة العراق، يجب ان تتفاهم في ما بينها على الاعتراف بعروبة العراق والاتفاق على المواطنة العراقية المتميزة في الوقت ذاته للعرب وغير العرب، والحقوق الجماعية للأكراد فيه وفي إطاره. الاتفاق على وحدته يعني عدم استخدام الفوارق الطائفية فيه لتوسيع نفوذها هذه الدول على حسابه. هذا هو الحوار الذي يجب ان يجري بين دول الجوار من دون رعاية أميركية. ليس هذا وعظا بل هنالك منطق مصالح يدفعها الى ذلك يتلخص بتقديم البديل الإقليمي عن التدخل العسكري الأميركي المؤدي الى تفتيت دول المنطقة. وكلها عرضة للسياسات التفكيكية التفتيتية بالتآمر من دون عدوان أو تهيئة لعدوان او من خلال عدوان عليها.

أما العنصر الثاني فهو تفاهم فصائل المقاومة العراقية على وحدة العراق بأكثريته العربية وبأكراده، وتوجيه المقاومة والعمل النضالي حتى لو لم يشمل كل الطوائف على هذا الاساس. ومن الأفضل طبعا أن يشمل كل الطوائف. ولا نرى حلولا سحرية دون ذلك. لا يمكن محاربة الطائفية والتقسيم الطائفي الا باتباع سياسة مقاومة غير طائفية بل معادية للطائفية ومقاومة تحويلها الى طائفية سياسية. عندما تدفع القوى المؤيدة للاحتلال بسياساتها نحو التقسيم الطائفي تصبح معاداة الطائفية مبادئ عليا للمقاومة.

 

كاتب ومفكر عربي