|
حورات |
|
|
|
|
|
الدكتور عبدالله تركماني |
أولويات الحالة الفلسطينية (*) |
|
|
2007-05-10 |
خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية |
|
لعل التحدي الأهم الذي ستضطر الحكومة الفلسطينية إلى التعاطي معه - بجدية - هو المحافظة علي لحمة الجبهة الداخلية، ورأب الصدع الذي نجم عن الانقسام الداخلي. إذ أنّ الواجب الأول، الملقى على عاتقها، هو كسب ثقة المواطن الفلسطيني ليطمئن على أمنه ولقمة عيشه في ظل ممارسات الاحتلال الوحشية، وفي ظل أوضاع مرعبة تفكك لحمة المجتمع الفلسطيني، خصوصا في قطاع غزة. إذ تشير الأرقام عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، المستقاة من تقارير ووثائق لمنظات دولية وكذلك مكتب الإحصاء الفلسطيني: 43% من سكان الأراضي الفلسطينية المحتلة يعانون غياب الأمن الغذائي، وثلثي العائلات في الضفة الغربية وقطاع غزة، أي نحو 2،7 مليوني شخص، صاروا تحت خط الفقر في 2006 بينهم 2،4 مليونان لا يؤمنون الحاجات الأساسية كالغذاء والملبس والمسكن.
ومن هنا يقع على الحكومة الفلسطينية التخطيط والعمل على تحسين مستوى الأداء الاقتصادي لمواجهة متطلبات المجتمع الفلسطيني، حيث معدلات النمو السكاني العالية، والارتفاع الكبير في عرض قوة العمل الفلسطينية، في وقت يعاني الاقتصاد الفلسطيني من عدم القدرة على استيعاب المزيد من قوة العمل. ومن جهة أخرى، تتزايد يوما بعد يوم التقارير حول الاعتداءات على الأرواح والممتلكات داخل المجتمع الفلسطيني، الذي كان يتباهى بما يسود أبناءه من الوئام والتراحم والأخوة، على قاعدة الانتماء إلى الوطن الواحد والشعب الواحد. إذ لم يعد أمرا استثنائيا أن يطلق فلسطينيون النار على فلسطينيين آخرين، تحت ذرائع واهية يُفترض أن تتلاشى أمام مبدأ الوحدة الوطنية بين مختلف القطاعات والفصائل والأحزاب الفلسطينية. إنّ وجود الميليشيات غير الخاضعة لأمرة السلطة المركزية، والتي تتلقى تعليماتها من جهات غير رسمية، يعتبر بكل المقاييس مظهرا مأساويا للتخلف والتسيب الأمني وفقدان رابطة الانتماء إلى الوطن الواحد والشعب الواحد. وبعيدا عن التعميم أو المبالغة في التوصيف فإنّ مطلب حل الميليشيات، على اختلاف أسمائها ودواعي تشكيلها، ودمجها في جهاز الأمن الفلسطيني الواحد والمركزي، ليكون انتماء عناصرها إلى فلسطين الوطن والشعب وليس إلى العائلة أو العشيرة أو الفصيل، هو السبيل الأفضل للتمهيد لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة، القادرة على حماية أرواح وأعراض وممتلكات المواطنين، وإقناعهم بأنه لا حاجة لقيام هكذا ميليشيات في ظل سيادة القانون واستقلال القضاء ونزاهته وهيبة الحكم المستند إلى العدالة والمساواة والتعددية واحترام مختلف الآراء والاجتهادات. لقد دشن الفلسطينيون، عبر اتفاق مكة، مرحلة جديدة في تاريخ عملهم السياسي، يقوم على الشراكة بين حركتي " فتح " و " حماس " أساسا: أولا، من خلال حكومة الوحدة الوطنية التي أُنجزت. وثانيا، من خلال إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وهي مهمة لا تزال قيد الإنجاز. وستكون هذه المرحلة حين تنجز بالكامل معلما من معالم مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية، ترقى إلى مستوى التكوين الثاني للمنظمة الذي تبلور عام 1968، حين تولت " فتح " والفصائل الفدائية مسؤولية قيادة منظمة التحرير. بيد أن من الخطأ النظر إلى الحكومة باعتبارها مخلص الفلسطينيين من كل الإشكالات الداخلية التي أجهدتهم خلال السنوات القليلة الماضية، إذ أنّ عددا من هذه الإشكالات يتعلق بالموقع الذي تحتله القضية الفلسطينية، دوليا وإقليميا، وكون الساحة الفلسطينية مفتوحة على الدوام للتدخلات السياسية الدولية والإقليمية. ويتعلق أيضا، وعلى نحو هام بلا شك، بالاختلافات العميقة بين القوى الفلسطينية الرئيسية حول مستقبل القضية الوطنية، حول الأهداف التي يسعى إليها الفلسطينيون في هذه الحقبة من تاريخ نضالهم، وحول تعريف الثوابت الوطنية. وفي هذا السياق، ليس عيبا أن تقرأ " حماس " أو غيرها التطورات والمتغيّرات الإقليمية والدولية، لاسيما وأنّ المحيطين العربي والإسلامي يعيشان حالة من الضعف والتخلف والتبعية تجعل خيار الواقعية السياسية للشعب الفلسطيني خيارا وحيدا، لأنّ البديل قد يكون خطيرا على مستقبل الهوية الفلسطينية، وليس فقط على الطموحات الوطنية للشعب الفلسطيني. ويبقى القول إنّ تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية بحد ذاته يعتبر إنجازا للحد من التوترات التي شهدتها الساحة الفلسطينية في الآونة الأخيرة، لكن الأهم من ذلك التأسيس لخطاب مشترك يحرم عودة الاقتتال الفلسطيني، وقد يكون ذلك حجر الزاوية لتعبئة القدرات في مواجهة التحديات التي يواجهها الفلسطينيون. فهل تستطيع هذه الحكومة أن تكبح جماح الفلتان الامني ؟ وهل تستطيع أن ترمم ما خربه الحصار، وأن تعيد إقلاع المؤسسات الخدمية، وأن تقدم أنموذجا لعمل حكومي جديد، في الوقت الذي ما زال فيه الحصار يفرض تداعياته على عموم الوضع الفلسطيني ؟
تونس في 6/5/2007 الدكتور عبدالله تركماني كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
(*) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 10/5/2007. |
||
|
|
|
حورات |