(الجزء الاول)  

"الغريب الحق هو ليس الذي نأى عن وطن بني من ماء وطين وفقد أهله وأحباءه،

 

إنما الغريب هو ذلك الإنسان الذي يعيش في وطنه غريبا"

 

أبو حيان التوحيدي  (933 ـ 1023)

 

الكتاب: الاغتراب الثقافي للذات العربية

المؤلف: د. حازم خيري

الناشر: دار العالم الثالث، القاهرة، 2006

عدد الصفحات: 104 (قطع متوسط)

يثير هذا الكتاب، على صغر حجمه، العديد من القضايا الهامة والخلافية في مسألة الاغتراب الثقافي. وإثراءاً للحوار سنعمد الى مناقشة الاغتراب الثقافي من خلال قراءة الكتاب، أكثر مما نستوخي مراجعة تقليدية للكتاب ذاته. يتناول الكتاب، في فصوله الاربعة، لحظة ميلاد الاغتراب الثقافي والقائمين عليه، وآليات تكريسه مختتماً بفصل حول التفاعل مع الاغتراب الثقافي. ويستهل الكاتب عمله بفصل تمهيدي للتعريف بالمفاهيم الثلاثة التي يرتكز عليها هذا البحث وهي العرب والثقافة والاغتراب.

 

في المفاهيم الرئيسية

معنى الاغتراب

        تدهشك السهولة التي يصل بها الكاتب الى تعريف الاغتراب وهي الظاهرة التي ما زال الباحثون من كافة الاختصاصات والمعارف الانسانية يحاولون سبر غورها وتحديد معالمها. فبعد إستعراض الكاتب لدلالات  مصطلح "الاغتراب" في التراث الفكري وصولاً الى العصور الحديثة (هوبز، لوك، روسو، هيجل)، فانه يلتزم بالتعريف التالي للاغتراب الثقافي ويقصد به معنى واحداً "...أي تنازل الانسان عن حقه الطبيعي في إمتلاك ثقافة حرة متطورة، إراحة لذاته وإرضاءًً لمجتمع" (ص 20). موضحاً ما يقصد بذلك:

ـ إراحة الذات: أي تنازل الانسان طواعية عن حقه في نقد وتطوير ثقافته وتخويل آخرين بهذا الحق نيابةً عنه.

ـ إرضاء المجتمع: تنازل الانسان عن "حقه الطبيعي في نقد ثقافته وتطويرها".

 

هيجل ونهاية المعرفة

        لا يخفي الكاتب إنحيازه لمجموعة من الافكار والمفاهيم بل يسطرها بوضوح. ولا ضير في ذلك، فمن حق الكاتب ان ينحاز. إلا أن هذا الانحياز قد حجب رؤية العديد من الجوانب الهامة لاشكالية الاغتراب والكثير من الإضاءات الانسانية التي أسهم بها مفكرو وفلاسفة القرنين الاخيرين.

        ينتهي الكاتب، في معرض حديثه عن الاغتراب، عند هيجل (1771 ـ 1830) ولا يتابع المسيرة الانسانية التي تلته متجاهلاً العديد من المدارس الفكرية والاجتماعية والفلسفية والسيكولوجية التي حبل بها القرنان التاسع عشر والعشرون،  والتي قدمت إسهامات كبيرة في مفاهيم الاغتراب وحلوله. لذا يظل البحث منقوصاً اسيراً للماضي والتاريخ، ولا يلامس المستجدات والمؤثرات الحديثة.

        لم تمض سوى بضع سنوات على وفاة هيجل حتى جاء كارل ماركس (1881 ـ 1883) ليقلب مقولة هيجل رأساً على عقب.[2] ومنذ ذلك الحين، أصبح الاغتراب بفضل ماركس ونيتشه (1844 ـ 1900) وهيدغر وغيرهم شاغلاَ للمفكرين والفلاسفة والمنظرين عبر القرنين التاسع عشر والعشرين، وقد أثرى العديد منهم، مسألة الاغتراب بزخم كبير من المساهمات والمفاهيم. نذكر من هؤلاء، على سبيل المثال لا الحصر، جورج لوكاش وانطونيو غرامشى وماكس فيبر وفرويد ويونغ واميل دوركهايم وايرنست بلوخ ووالتر بنجامين وأدورنو وفريدريك جايمسن وتيري ايجلتن وسارتر.

        ما يعنينا هنا هو أن الكاتب لا يتطرق الى العديد من المفكرين الذين إتفقوا على ان مصدر الاغتراب بكل أشكاله تكمن في البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمعات الحديثة. وعليه، فان خطورة التوقف عند هيجل في دراسة ظاهرة الاغتراب ليست مجرد إغفال أكاديمي لمساهمات إنسانية كبيرة، بل هي تكمن في أن المدارس التي تلت هيجل نقلت الاغتراب (واسبابه وعلاجه) من الفكر المثالي الغيبي ووضعته في سياق الظروف الاجتماعية والاقتصادية (الانتاجية والطبقية) والسياسية المسؤولة عن إنتاجه.

 

الاغتراب في الماركسية الثقافية

كان كارل ماركس أول من بادر الى نقد المفاهيم المثالية حول الاغتراب وتجليس هذه الظاهرة في ظروف العمل والانتاج التي إعتبرها الموقع الطبيعي والمركزي للاغتراب (central locus)، في حين رأى هيجل ان الاغتراب في الانسان ذاته. فلم يجد ماركس جذور الاغتراب لا في العقل البشري ولا في الدين كما رأى سلفاه هيجل وفويرباخ، بل عثر عليها في العالم المادي أي أن الاغتراب لديه كان يعنى فقدان الانسان للسيطرة على عمله وعلى التحكم بعملية الانتاج وظروفها. أما الاغتراب بين الافراد الآخرين في المجتمع فرأى أنه نتيجة التناقضات التي تفرزها البنية الطبقية للمجتمع. تلك هي مساهمة الماركسية الاساسية في تطوير مفاهيم الاغتراب والتي فتحت الباب على مصراعية أمام العديد من الاجتهادات والمدارس الفكرية.

        وبالرغم من أن ماركس وانجلز لم يعالجا هذه الظواهرفي عصرهما بالتفصيل، إلاّ انهما أدركا بوضوح العلاقة بين الثقافة والايديولوجية (البنية الفوقية) والقاعدة (البنية التحتية) للمجتمع وإعتقدا أن كلاً من الايديولوجية والثقافة تتشكل وتكتمل صياغتهما في خدمة وضمانة مصالح وهيمنة الطبقة الحاكمة. وكانت هذه ثانية المساهمات للماركسية الثقافية في مسألة الاغتراب. فمن وجهة نظر ماركس وانجلز، ان الاشكال والتعبيرات الثقافية المختلفة تظهر في ظروف تاريخية محددة ونوعية لتخدم المصالح الاجتماعية ـ الاقتصادية للطبقة الحاكمة ولتؤدي وظائف إجتماعية هامة تهدف الى طرح الايديولوجيات اللازمة لتبرير وشرعنة الهيمنة الطبقية (هيمنة الطبقة الحاكمة). أما الجيل الثاني من الماركسيين الكلاسيكيين (الديقراطية الاجتماعية في ألمانيا والماركسيون الراديكاليون في روسيا) فقد اولوا إهتماماً كبيراً للمكونات الاقتصادية والثقافية والسياسية للماركسية حتى أصبحت هذه نظرية وعقيدة الطبقة العاملة في اوروبا.[3]

 

مفهوم الثقافة

        يميل الباحث الى الاخذ بتعريف ت.س. اليوت للثقافية: "فالثقافة عنده طريقة حياة شعب معين، يعيش معاً في مكان واحد. وتظهر هذه الثقافة في فنون أبناء هذا لشعب، وفي نظامهم الاجتماعي، وفي عاداتهم وأعرافهم، وفي دينهم"؟ (ص 15)

        وبالرغم من أن هذا التعريف الشائع يؤكد عوامل التفاعل والتعايش المشترك في تشكيل ثقافة مشتركة كحالة جمعية، فاننا نود أن نؤكد، في هذا الصدد، على أمرين أساسيين:

ا ـ أولهما، أن نشوء الثقافة وتطورها وإكتمالها يتم عبر عملية تاريخية تتفاعل فيها التجارب المشتركة.

ب ـ والامر الثاني، هو ان الكثير من الباحثين، كما مؤلف هذا الكتاب، يجمعون على دور "العامل الاجتماعي" أو "النظام الاجتماعي" في نشأة وتكوين الثقافة. إلاّ أن هذه المفاهيم تظل عائمة إن لم تتناول البعد الانتاجي (الطبقي) في هذه المسألة والذي يشكل عاملاً أساسياً في تكون الثقافة والمثقفين. والمقصود هنا، بشكل أكثر تحديداً، هو دور عملية الانتاج في المجتمع والعلاقات الناتجة عنها في تكوين الثقافة والمثقف وكذلك دور المثقف في العملية الانتاجية. فكل تشكيلة إجتماعية ـ إقتصادية تخلق ثقافتها ونسقها القيمية الخاصة بها وبهذا تصبح الثقافة (والمثقف) معبّراً عن مصالح طبقة معينة، سواء كانت حاكمة أو محكومة، مضطَهَدة أو مضطَهِدة.

        يمر الكاتب على عجل على عمل صاموئيل هنتنجتون في الحضارات المعاصرة والصراعات بينها، ويقف محايداً من هذا الكاتب ودوره في المشروع الرأسمالي ـ الامبريالي وتأثيراته العميقة على كافة التطورات الثقافية والسياسية في العالم في العقد الاخير، حيث مثل أحد "المرتكزت الايديولوجية" للنظام العالمي الجديد الذى تلى غياب القطب الاشتراكي. ورغم ان الحضارات و"صراعاتها" ليست موضوع الكتاب، إلاّ ان ليس هناك من شك حول التأثيرات العميقة لهذه الايديولوجية في صياغة السياسات الاميركية الامبريالية وتداخلاتها في أنحاء الوطن العربي على كافة المستويات الاقتصادية والسياسية والثقافية، وهو ما يصب في القلب من مسألة الاغتراب الثقافي وتحديات الحاضر والمستقبل.

        يعرج الكاتب على كتاب لورنس هاريزون، الموظف السابق في برنامج الولايات المتحدة للمساعدة، والذي صدر عن مركز هارفارد للشؤون الدولية عام 1985 بعنوان "التخلف حالة عقلية ـ حالة أميركا اللاتينية" والذي حاول إثبات ان "الثقافة في الغالبية العظمى من بلدان اميركا اللاتينية كانت العقبة الاولى والاساسية على طريق التطور" (ص11). ورغم ما أثاره هذا الكتاب من إحتجاجات، يعود الكاتب ليؤكد موافقته على اطروحة هاريزون قائلاً أن الكثيرون من هؤلاء الناقدين "... أدركوا ما تضمنته دراسة هاريزون من عناصر صائبة وصحيحة". أي أن الكاتب يعود ليقبل بالنظرية الاساسية المطروحة في الكتاب، وهي نظرية عنصرية، من حيث الجوهر، وتشكل في أساسها إمتداداً ثقافياً للمركزانية الاوروبية. بهذا التقاطع، يصطف الكاتب بوضوح في معسكر رأس المال أو أنه يخفق في إلتقاط المسالة المركزية وهي دور الثقافة كآلية تدمير للثقافات المحلية وإحلالها بثقافة راس المال والعولمة التي هي من حيث الجوهر ثقافة إستهلاكية لا يعنيها إلاّ جرّ مواطني/مستهلكي اميركا اللاتينية (وغيرها) الى المزيد من الاستهلاك وضخ الارباح الطائلة في أنابيب الراسمالية وشركاتها ومؤسساتها المالية. وهكذا تنضم الثقافة الى آليات الرأسمالية الاقتصادية والسياسية الاخرى من إملااءات النظام الراسمالي والشركات المتعددة الجنسيات والمنظمات غير الحكومية التي تخدم هذا النظام.

 

العرب: وطن أم عالم؟

        يقر الكاتب بان العرب "امة كاملة واحدة"، "...إلاّ أنهم ليسوا بعد جنسية بالمعنى القانوني. فالانسان الذي يدعو نفسه عربياً قد ينعت في وثيقة سفره بانه ذو جنسية سورية أو لبنانية ..."، ويتابع بان "عدم وجود دولة عربية واحدة" لا يقلل "من الوجود الفعلي للعروبة، فالاواصر العديدة التي تربط الانسان العربي الى غيره من العرب، قدماء أو معاصرين، ليست أقل متانة من الآصرة القانونية" (ص 14). يتفادى الكاتب، رغم هذا الوضوح، مصطلح "الوطن العربي"، ويستبدله بلفظ "العالم العربي" عبر الكتاب كله.

        تستوقفنا هذه الاشكالية، لنطرح بضعة تساؤلات:

إذا كان الكاتب يرى وجود الامة العربية بمثل هذا اليقين، فما الذي يحول، إذن، دون أن تكون جغرافية هذه الامة "وطناً" وليس "عالماً"؟

        فاذا كنّا "امة كاملة واحدة"، واذا "كان عدم وجود دولة عربية واحدة" نتيجة للتجزئة الاستعمارية، لا يقلل من "الوجود الفعلي للعروبة"، فلماذا لا نكون "وطناً عربياً" بدل ان نسمي انفسنا "عالماً" كما هو العالم الاسلامي أو العالم الثالث على سبيل المثال؟

        لقد واجه العرب، ربما أكثر من أية جماعة بشرية اخرى منذ أواسط القرن التاسع عشر حين نشأت البوادر الاولى للقومية في اوروبا، إشكالية حادة نوجزها بما يلي:

ـ فمن ناحية، تجمعنا مسيرة تكوين مشتركة إتسمت بالاستمرارية التاريخية، رغم بعض التقطعات، كما يسود بين شعوبنا وجماهيرنا وعي وشعور قويان بضرورة تكوين كيان سياسي وثقافي وحضاري موحد؛

ـ ومن الناحية الثانية، فاننا ما زلنا نعاني من عدم التطابق بين "جغرافية القومية" و"جغرافية الدولة" أي غياب الوحدة القومية.

فبالرغم من وضوح الوعي والشعور القوميين وتجذرهما لدى الجماهير العربية، (وربما الى درجة تفوق ما تحظى به امم وشعوب أخرى تتمتع بوحدتها السياسية والجغرافية)، وبالرغم من صمود هذا الشعور أمام تحديات كبيرة دامت أكثر من قرنين، ما زالت هذه الوحدة بعيدة المنال، بل أصبحنا نقف أمام مشاريع وبنى سياسية وإجتماعية "ما ـ دون ـ قطرية" (اثنية ومذهبية وطائفية...الخ) تتكاثر بوتيرة غير مسبوقة. ويعود هذا الى أن الدولة العربية القطرية (التي قامت نتيجة حلقات التجزئة المتتالية منذ إتفاقية سايكس ـ بيكو) لم تعد قادرة على تلبية مطامع العولمة الرأسمالية فكان أن إنتقلنا الى مرحلة تفتيت "الدولة القطرية" وتذرير المجتمع الى إثنيات ومذاهب وطوائف وعشائر.

        ربما يبدو أننا شططنا عن موضوعنأ إلا أننا نرى أن هذه المسائل تقع في صلب إشكالية الهوية والاغتراب. ما يهمنا، في سياق هذه المقالة، هو الالتفات الى أمٍرٍ أساسي وهو دور التجزئة في تفتيت الجفرافيا السياسية والبنى الاجتماعية وخلق قطريات تسعى كل منها الى خلق ثقافة وهوية (أو هويات) قطرية كي تدمر وتستبدل الهوية القومية العربية .

        أما إستخدام عبارة "الخليج الفارسي المعروف لدينا بالخليج العربي" (ص 48) أو مصطلح "الخليج"، فهو تخارج يدلل على تبني الحدود والتسميات التي أملتها التجزئة الاستعمارية على الوطن العربي.

 

اطروحات الكتاب الرئيسية

 

أولاً: الثقافة العربية وميلاد الاغتراب

        يرصد الكاتب اربعة روافد "لثقافتنا العربية الاسلامية" يرى ان "التعاطي العربي" مع أحدها أو بعضها مسؤول بصورة أو باخرى عن مأساة الاغتراب الثقافي العربي. وهذه الروافد هي الاسلام، اللغة العربية، العادات والتقاليد، والثقافات الفرعية.

 

1) الاسلام: رفض الاسلام بعض السلوكيات العربية ـ ما قبل الاسلام ـ وقبل بعضها الاخر. ويرى الكاتب ان البعض إعتبر "التعاطي" مع السلوكيات العربية بين  الرفض القاطع لبعضها والقبول الصريح لبعض آخر، تعاطياً، إتسم بالغموض النسبي لانه لولا هذا الغموض لما "تجلى تثمين الخالق للعقل البشري، فقد آثر الله منح خلقه الفرصة لإعمال هذا الفبس الإلهي [أي العقل، م.ع.] الذي يسكن أجسادهم" (ص 26).

        وضعت وفاة النبي أصحاب الثقافة الاسلامية الوليدة "للمرة الاولى في مواجهة مباشرة مع مسألة النظام السياسي في دولتهم". "ولما كان الاسلام قد ترك، فيما يبدوـ معالجة هذا الامر المتغير بطبيعته للاجتهاد البشري، أضحى منطقياً لجوء الانسان العربي لثقافته السابقه يلتمس منها العون، بما لا يتعارض ـ من وجهة نظره ـ مع ثقافته الجديدة" (ص 27).           

        يخلص الكاتب الى تحديد لحظة ولادة الاغتراب الثقافي العربي بعد وفاة النبي ويرى أن الاحداث التي شهدها عصر الخلفاء الراشدين قد تركت "أثراً لم يتلاشى قط" (ص 27). ويقبل الكاتب بالرأي الشائع بان مسلمي العصر النبوي قد أحلوا ثقافتهم الاسلامية الجديدة محل ثقافتهم العربية القديمة، إلا انه يضيف بان دراسة هذه المسألة بشكل وافٍ قد تساهم في "تفسير مأساة الاغتراب الثقافي التي ما إنفك الانسان العربي يرفل في غلاّلتها" (ص 26).

        هنا، إذن، كانت ولادة الاغتراب الثقافي العربي. وعلية، يمكننا تلخيص مكونات هذه الاطروحة على النحو التالي:

1) الإرتباط بين التعاطي العربي بعد وفاة النبي والخلفاء الراشدين من ناحية، وبين ميلاد الاغتراب الثقافي للانسان العربي من ناحية اخرى: أي الإرتباط  الوثيق بين التعاطي العربي مع مسألة النظام السياسي في الدولة الوليدة وبين ميلاد الاغتراب الثقافي للانسان العربي.

2) في تعاطيهم مع هذه المسألة، لجأ المسلمون الاوائل الى خبراتهم السياسية السابقة للاسلام أي الى الثقافة العربية لما قبل الاسلام.

3) هذا اللجوء كان يعني تنازل المسلمين عن حقهم الطبيعي في امتلاك ثقافة حرة ومتطورة، بمعنى ان الثقافة العربية لما قبل الاسلام قد "حرمت" المسلمين الاوائل من إمتلاك ثقافة حرة ومتطورة.

4) وهكذا هدر المسلمون فرصة الاستفادة من التثمين الاسلامي للعقل البشري.

5) ان آثار هذا اللجوء الى الثقافة العربية وتأثيراتها ما زال موجوداً حتى يومنا هذا. 

        ويمكننا، في هذا الصدد، أن نبدي الملاحظات التالية:

أ ـ تمركز الصراع في عهد النبي بين نقيضين رئيسيين: الدين الجديد وأتباعه في جانب وأغنياء قريش وزعامتها وتقاليدها في الجانب الآخر. أما بعد وفاة النبي فقد تحول التناقض الرئيسي الى طرفين جديدين: بين المسلمين أنفسهم حيث أضحت الخلافة نفسها (كمنصب ديني) المحور الذي يدور عليه هذا التناقض. والحقيقة أن الدوافع والطموحات الاجتماعية لما يعنيه هذا المنصب من إمتلاك للسلطة، كانت تكمن وراء هذا التناقض. وقد بدأ الشكل الديني للصراع على الخلافة يتكشف في قاعدته الاجتماعية والسياسية منذ خلافة عثمان، الخليفة الثالث.[4] 

ب ـ ان كثيراً من التشريعات الاجتماعية التي جاء بها الاسلام كانت تعبيراً مباشراً عن الواقع الاجتماعي الموضوعي (أي إنعكاساً لواقع مادي) مثل تخفيف معاناة الفقراء بتحريم الربا وفرض ضرائب على الاغنياء، بالاضافة الى التشريعات المتعلقة بتنظيم العلاقات الاجتماعية ومنها الانتاجية تنظيماً لا يخرج عن الاساس الذي يقوم عليه الملكية الخاصة ومن ينشأ عنها من التمايز الطبقي.[5] 

        أما إستنتاجات الكاتب حول العلاقة بين الثقافة العربية قبل الاسلام والمسلمين الاوائل، فتكتنفها عدة إشكاليات وقضايا خلافية هامة، على الاقل من الناحية النظرية:

أ ـ لقد شكلت الثقافة العربية السابقة للاسلام البيئة والمناخ اللذان ترعرع فيهما الاسلام والمسلمون، كما شكلت الوعاء التي إكتملت ونضجت فيه التجربة الحضارية العربية.

ويمكننا ان نستنبط من هذه المقولة إستنتاجين:

الاول: أن الثقافات والحضارات تتشكل نتيجة تفاعل عوامل وقوى وظروف "إنسانية" وإجتماعية وتاريخية مادية معينة وتأتي إفرازاً للتشكيلات الاجتماعية في تلك المجتمعات.

والثاني: ان الثقافات والحضارات لا تأتي في أطوار التاريخ البشري المختلفة مبتورة عن سابقاتها من التجارب والمساهمات الانسانية. بل ان التاريخ يشهد أنّ الامم والشعوب تتواصل في تطورها عبر التاريخ في إستمرارية للثقافة والحضارة والنظم القيمية التي تتوارد بما يشبة متوالية مستمرة تتاثر كل منها بسابقاتها وتبني عليها متطورة الى درجات أرقى. وعلية فان نهضة الامم لا تنبثق من قوى غيبية ميتافيزيقية ولا تنطلق من فراغ ولا من نقطة الصفر في كل حقبة من حقبات تاريخها، بل تنطلق من موروثها الثقافي والحضاري وتراثها. ويمكننا ان نستنطق التاريخ الكثير من الادلة والحالات نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر الحضارات اليونانية والرومانية والعربية والاسلامية وغيرها.

ب ـ يستوجب البحث العلمي والموضوعي أن يقرأ التراث قراءة أمينة تصون الذاكرة الجمعية للشعوب وللامم وتنبع من رغبتها في الاستمرار والبقاء.

ت ـ يتناقض الكتاب، في نظرته الى الثقافة العربية قبل ـ الاسلامية، مع العديد من نظريات علم الاجتماع والثقافة التي تولي إهتماماً خاصاً لدور الثقافات السابقة في تنمية الوعي الجمعي من خلال الذاكرة الجمعية التاريخية التي تربط الاطوار التاريخية في نشوء وتطور الامم ككينونة واحدة وهوية قومية واحدة.[6]

 

2) اللغة الغربية: "جرثومة الاغتراب الثقافي"!: في معرض أجابته على السؤال الذي "يفرض نفسه الآن، هل للغتنا العربية علاقة باغترابنا الثقافي؟"، يخلص الكاتب الى ان التعريب حمل في طيّاته جرثومة الاغتراب الثقافي (ص 32). حيث ان مسلمي عصر الصحابة بدؤا رحلة الاغتراب الثقافي حين لجأوا الى الثقافة العربية السابقة للاسلام في تعاطيهم مع مسألة النظام السياسي للدولة الحديثة.

ويجدر الذكر أنه يندر ان نجد بين الثقافات الانسانية هذه الدرجة من التجريم  والادانه لللغة القومية! وليس بعد ذلك إلاّ ان نتخيل ما كان ان تؤول اليه ثقافات وحضارات الشعوب والامم لو كانت سابقاتها ولغاتها جراثيم تحمل اليها العدوى.

 

3) التقاليد والعادات: يرى الكاتب ان هناك من العادات والتقاليد ما يتحول الى "قيود تأخذ برقابنا"، ويميز، في هذا الصدد، بين العادات والتقاليد التي "تحفظ علينا جوهر هويتنا" وتلك "المرتبطة بمأساة إغتربنا الثقافي". يرى أن الاسلام "بريء من مأساة إغترابنا الثقافي"، وتقع المسؤولية هنا، كل المسؤولية على التقاليد العربية قبل الاسلام. وهكذا يصل الكاتب الى الفصل القاطع بين ما هو عربي ـ قبل الاسلام وعربي ـ أسلامي (ما بعد الاسلام) وينحى باللائمة على الميراث العربي (قبل الاسلام) (ص 34).

        إذا كان الامر كذلك، فانه من حق القارئ، في هذا الصدد، أن يتسائل:

أ ـ لماذ صمت الاسلام والمسلمون على هذه العادات والتقاليد وكرسوا العديد منها خلال قرون من الزمن؟

ب ـ ألم يحن الوقت بعد اربعة عشر قرناً ان ينفض الاسلام والمسلمون عن ذاتهم مثل هذه التقاليد والعادات؟

         في التصدي لهذه الاسئلة والاجابة عليها تكمن مفاتيح الوصول الى إستنتاجات هامة قد تسهم في فهم أفضل لهذه القضايا.

 

4) الثقافات الفرعية: في حين أن الثقافات الفرعية "لا تعد مسؤولة بصورة مباشرة عن ميلاد الاغتراب الثقافي للانسان العربي" على حد قول الكاتب، إلاً ان بعض هذه الثقافات إمتلك "إستعداداً ذاتياً أهلها بصورة ملموسة للتعامل، عطاءً وأخذاً، مع الاغتراب الثقافي في عالمنا العربي" (ص 35) ويرى ان الثقافة الكردية مثالاً ثقافة غلبها الاغتراب على أمرها، في حين أن الثقافة القبطية "نموذج واضح للتفاعل ـ عطاءً واخذاً ـ مع ثقافتنا الاسيرة" (ص 36).

 

ثانياً: القائمون على الاغتراب الثقافي

        يوزع الكاتب المسؤولية في الاغتراب الثقافي للذات العربية على النحو التالي:

1) الصحابة الأجلاء: الذين شهد عصرهم ميلاداً غير متعمد للاغتراب الثقافي للانسا ن العربي. ويلوم الكاتب الخلفاء الراشدين: "فلو ان تعاطى المسلمين الاوائل مع مسألة النظام السياسي للدولة الوليدة تم طبقاً لما إقتضته الحكمة الالهية (التشديد من م ع )، اي عبر تثمين العقل الانساني والاستفادة من الزخم الايديولوجي للاسلام، لما جرؤ معاوية وانصاره على توظيف الاغتراب الثقافي لصالحهم حين أقدموا على حيلة رفع المصاحف على أسنة الرماح والمناداة بان "الحكم لله" وهي مقولة حق اريد بها باطل" (ص 41).

2) الآخر العربي (الامويون والعباسيون والنخب الحاكمة): يتحمل الامويون بداية التكريس المتعمد للاغتراب، في حين كان العباسيون والنخب الحاكمة مسؤولين عن إستمرار تكريسه. ويؤكد الكاتب ان المناخ السائد ـ بعد استيلاء معاوية على الخلافة ومقتل الحسين وتسميم أخيه الحسن ـ كان مناخاً "نموذجياً" لتكريس الاغتراب الثقافي للانسان العربي تكريساً متعمداً على أيدي الامويين وعمالهم (ص 44).

3) الآخر غير العربي (العثمانيون والاوروبيون والسوفييت والاميركيون): عمد العثمانيون الى استمرار التكريس المتعمد للاغتراب في حين عمل الاميركيون والسوفييت على مساندة هذا التكريس.

 

"ثأر" الاوروبيين

ينظر الكاتب الى دور الاوروبيين في تكريس الاغتراب الثقافي ك"ثأر" من الذات العربية وينسب لهم هذه "الجريمة البشعة" قائلا انه "كان الاولى بهم مساعدتها [أي مساعدة الذات العربية] على قهر إغترابها الثقافي" لاعادة دمج تلك الذات في الحضارة الانسانية لتتبوأ المكانة اللائقة بها (ص 53). وكأني به يقول ان وظيفة هذا المستعمِر الاوروبي ومهمته التاريخية تكمن في إعادة دمج الذات العربية في الحضارة الانسانية مما ينفي عنه صفة المستعمِر أصلاً. ولعلنا هنا امام خلل في فهم المصالح الاستعمارية والعقلية التي تحكم المستعمر الاوروبي، خلل لا يقتصر على إفتراض أن "مساعدة الذات العربية في قهر إغترابها الثقافي" تقع على عاتق الاوروبيين، بل يتعداه الى فهم طبيعة ومصالح هذه القوى الكولونيالية ووضعها في السياق التاريخ لنشوء الراسمالية والامبريالية والعالم ومن حولنا. وجلي أن هذا يؤدي الى خلط الاوراق والى نهج قاصر عن فهم العالم والتاريخ من حولنا وتفسير أحداثه. إضافة الى أن مثل هذا النهج يلغي دور الشعوب المضطهَدة حيث يسهم في ضياعها بتكريس مفاهيم غيبية ووهمية تتنافى مع الفهم المادي الموضوعي للعالم والقوى المتصارعة فيه، ناهيك عن صياغة إستراتيجية للمقاومة والنضال.

 

السوفييت والاميركيون: تشويه التاريخ

رغم تعداده لبعض الفوارق بين السياسات السوفييتية والاميركية حيال البلدان العربية، فان الكاتب يعقد المماثلة بين دور ودوافع هاتين القوتين ويكاد يضعهما في "سلة واحدة" من حيث انهما ساندا "الاستقلال النسبي" للبلدان العربية بتكريس النخب العربية الحاكمة للاوضاع العربية المتردية، وفي مقدمتها الاغتراب الثقافي للانسان العربي (ص 53). ويعتبر الكاتب فترة 1955 ـ 1967 الفترة الاكثر تعبيراً عن مساندة السوفييت والاميركيين لمبدأ الاستقلال السلبي الذي "يهيء بدوره الاجواء المواتية لإدامة الاغتراب الثقافي للانسان العربي" ويماثل بين الموقفين، الاميركي والسوفيتي، الى حدٍ تضيع فيه التناقضات بينهما. أما أن تكون السياسات السوفيتية قد إتركزت على مصالحها (الاقتصادية والسياسية والجيوستراتيجية والايديولوجية ...الخ)، فهذا أمر مفروغ منه. إلاّ أن تغييب الفروق والتمايزات العميقة بين هذين المعسكرين والتنكر الاعمي لدعم الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية طيلة تلك الحقبة التاريخية لحركات التحرر الوطنية ومحاولات النهوض الوطنية والقومية في العالم الثالث (وخاصة للبلدان العربية في فترة 1955 ـ 1967)، فهو أمر يجانب الحقيقة ويناقض وقائع التاريخ.

 

السلطة، الاستبداد والمؤسسات

يقر الكاتب، في معالجته لآليات تكريس الاغتراب الثقافي، بان المؤسسة هي الضمانة لديمومة الاغتراب في الذهنية العربية. وهو في هذا محق، فالمؤسسات الحاكمة في بلادنا تتصرف وكأن الشعب قد خلق من أجل خدمتها وخدمة مصالحها وأهدافها لا العكس. ويرصد الكاتب الآليات "الاكثر فعالية" في هذا المجال وهي: (1) مؤسسات العنف لحماية النخب العربية الحاكمة وقمع المواطنين[7]، (2) مؤسسات التلقين الاعلامي، (3) والمؤسسات التعليمية التي "تكاد تكون أهم آليات تكريس الاغتراب الثقافي وأخطرها"، والاخيرة (4) محترفو التبرير الديني.

رغم ان الكاتب يعالج "النخبة الحاكمة" في أكثر من موقع في الكتاب، فانه لا يغوص في السؤال المركزي حول دور الاستبداد والقمع في تغريب الانسان وإفقاره وقمع حرياته. وفي هذا الصدد، نبدي الملاحظات التالية:

 

اولاً: لا يقتصر الاستبداد في بلادنا على الاستبداد السياسي فحسب، بل يشمل الاستبداد الديني أيضاً حيث يقوم تحالف "غير مقدس" بين المؤسسات الدينية والسلطة السياسية الحاكمة وحيث يساهم كلاهما في قمع المواطن على كافة الاصعدة (الفكرية والروحية والسياسية بل وعلى صعيد تحصيل لقمة العيش).[8]

 

ثانياً: بالاضافة الى مسؤولية النظام الحاكم (الطبقة، الحزب/التنظيم السياسي)، في قمع حريات المواطن الاساسية وإبعاده عن المشاركة في الحياة السياسية والعامة، نلحظ أن المؤسسات الاجتماعية والسياسية القمعية في المجتمعات العربية، بما فيها المؤسسات الدينية، قد إستخدمت تفسيرات ومفاهيم غيبية فرضتها على الناس عبر عملية تاريخية إستمرت قروناً طويلة. وقد شكلت هذه الثقافة الغيبية أحد الاسباب الرئيسية لحالة الاغتراب والاستلاب لدينا حيث فقد الفرد معنى حياته ووجوده ودوره في صنع التاريخ والمستقبل وصناعة الحدث وصياغة مجتمعه. كما أنها، أي الثقافة والمفاهيم الغيبية هذه، مسؤولة عن ارتداد الناس عن الولاء للشعب والامة والمصلحة العامة والارتماء في أحضان الانتماء والولاء للطائفة والعشيرة وغيرها من التشكيلات. وما زالت هذه المفاهيم والتفسيرات ما زالت عائقاً رئيسياً أمام محاولات التغيير.

 

ثالثاً: يفرد الكاتب مبحثاً منفصلاً لتناول من يسميهم "محترفي التبرير الديني"، ويبدى الكثير من الخشية من ان يجد " تجارالآلام المتشحون بالاسلام" هؤلاء سبيلاً الى تحريف مضمون كلماته، فهم يعمدون دوماً الى خلط الاوراق بين الثقافة والاسلام مستغلين أجواء الإغتراب. وعليه، يؤكد الكاتب على البون الشاسع بين الثقافة العربية الاسلامية وبين الاسلام: فالثقافة العربية الاسلامية "صناعة بشرية" أما الاسلام "فصناعة الهية". وعليه يجوز بل يتوجب "إعمال النقد في الثقافة، على خلاف الحال مع الاسلام، فهو فوق النقد".

إلاً ان ما يهم الكاتب هو ذلك الدعم الذي يلقاه "تجار الآلام" المتشحون بعباءة الاسلام من الآخر العربي: ففي كل بقعة عربية يبدي الآخر العربي حرصاً صارماً على توفير الغطاء الديني لممارساته مستغلاً في ذلك إنصياع اولئك التجار لتوجهاته (ص 73). وفي تقديرنا ان اسلوباً كهذا يكتنف على الكثير من الغموض ويترك الباب مفتوحاً أمام  إحتمالات متعددة للتأويل.