من دون ديموقراطية سياسية، خلافا لدول كثيرة في الغرب والشرق، ومن دون «ديموقراطية اجتماعية»، على عكس ما كان بعضها قبل أربعين عاما، آلت نظم الحكم في أكثر الدول العربية إلى أوليغارشيات ضيقة. فبينما تستجيب الديموقراطية السياسية للحاجة إلى الفصل بين السلطة والثروة (وبين السلطة والنسب)، أو الحد من احتمالات تطابقهما، فإن الديموقراطية الاجتماعية كانت موجهة بنيّة تسخير السلطة لمصلحة كسر احتكار الثروة. على أن الالتزام هذا اقتضى في التجارب العربية وغير العربية تركيزا عاليا للسلطة واحتكارا متشددا لها، الأمر الذي لم يتأخر في جميع الحالات التي نعرفها عن توليد احتكار جديد للثروة متوافق معه. وستكون الحصيلة النهائية للديموقراطية الاجتماعية نقل الثروة من أيد إلى أيد أخرى، أو وضع طبقة محل طبقة. غير أن الطبقة الجديدة تملك السلطة والثروة معا. ولحداثة عهدها وارتباط ثروتها بسلطتها، فقد نزعت بثبات نحو استخدام السلطة العارية لحراسة الثروة الفاحشة.

ونتحدث عن نظم أوليغارشية لإبراز واقع التطابق الجديد بين السلطة والثروة. فالنظم هذه ليست محكومة من قبل قلة فقط، وإنما هي أيضا تراعي مصالح أقلية اجتماعية. قد يمكن أن توصف القلة هذه بأنها طبقة، على أن نعرّف الطبقة بأنها موقع من السلطة السياسية التي تتحكم بقوة بالموارد والثروات الوطنية، وبالعمليات الاقتصادية المحلية والدولية.

تجمع الأوليغارشيات العربية بين الدوام المميز لاشتراكياتنا أو ديموقراطياتنا الاجتماعية في ستينات القرن العشرين، كالبعثية والناصرية و»جبهة التحرير» الاشتراكية في الجزائر...، وبين ما يميز الليبرالية الصرفة من التزام محدود بدور اجتماعي. فلا هي اليوم دول تغييرية ولا هي دول تتغير. وتتمحور سياستها بصورة كاملة حول دوامها الذاتي ومنع التغير من أي مصدر جاء ومهما يكن إيقاعه الزمني. ولعله لأول مرة في تاريخنا الحديث تمضي عقود دون أن تتغير نظمنا الاجتماعية أو تتغير نظم حكمنا. والأرجح أن لذلك صلة وثيقة بكون التغيير السياسي حاملا لأول مرة أيضا لمخاطر انهيار الدولة والاحتراب الأهلي.

لكن كيف يضمن نظام أوليغارشي بقاءه؟ بطرق متنوعة، أبرزها ثلاث: فائض من العنف، الغرض منه سحق فكرة الاعتراض الاجتماعي وليس فقط التغلب عليه؛ عقيدة إجماع وطني مفروضة تخفي الطابع الأقلوي للنظام، أعني صفته كنظام أعياني جديد؛ وأخيرا تفريق المجتمع المحكوم لتسهيل السيادة عليه، وذلك بأن يغدو النظام الأوليغارشي الممرّ المحتوم للتفاعلات الاجتماعية بين السكان، وهو ما سميناه في غير مكان نموذج المجتمع الممسوك، المحروم من أي تماسك ذاتي، والذي تتحكم سلطات ماسكة بمستوى تماسكه ووحدته.

ويمكن للتفريق أن يسلك خطوط التمايز الدينية أو المذهبية أو الإثنية القائمة أصلا في أكثر مجتمعات المشرق العربي. هذا يحصل من تلقاء ذاته في غياب إطار تماهٍ وطني مطابق للدولة. لكن يحصل في الغالب أن الأطقم الأوليغارشية تشجعه أو تتعامل مع مجتمعاتها بوصفها مكونة من أديان ومذاهب وإثنيات، وتعتمد على هذه اعتمادا تفاضليا كركيزة لحكمها وأمنها. ويلبي الارتكاز الأخير حاجتها إلى توفير قاعدة مأمونة وموثوقة للأوليغارشية الحاكمة.

هنا أصل أساسي للطائفية في مجتمعاتنا المشرقية. إنها من الخطط السياسية للأوليغارشية، أي لضمان الحكم الامتيازي لطبقة اجتماعية محدودة الحجم. ولعل هذه هي الحلقة المفقودة بين «الصراع الطبقي» و«الصراع الطائفي».

نريد القول إن نظمنا المشرقية ليست طائفية أو أقلوية بالمعنى الثقافي، إلا لأنها نظم أقلوية بالمعنى الاجتماعي للكلمة. ويتأسس على هذه المقاربة القول إن الطائفية ظاهرة مشتقة وليست أساسية أو أصلية. إنها مرتبطة بنظم سياسية استبدادية، لا يمكن لغير استبدادها أن يحرس امتيازاتها واحتلالها موقع السيطرة على الموارد الوطنية وتحديد القرارات المهمة بشان توجيهها وتوزيعها. نستخلص أيضا أن الطائفية لا تصنع خارج السياسة والسلطة أو بمعزل عنها.

ويتمثل المغزى السياسي العملي لهذه المقاربة في أن أية استراتيجية للتحرر الديموقراطي والاجتماعي لا تذهب من وراء المظهر الإيديولوجي إلى الجوهر الاجتماعي تجازف بأن تعطي نتائج معاكسة تصب في مصلحة النظم الأقلوية الحاكمة. المسألة في جوهرها مسألة «حكم قلة» وليس «حكم أقلية» بالمعنى الاصطلاحي للكلمتين (القلة اصطلاحا: طبقة أو شريحة؛ والأقلية جماعة دينية أو مذهبية أو إثنية).

على أنه يتعين أن نتجنب نزعة اختزالية لطالما ميزت المقاربة اليسارية للطائفية، نزعة تنكر أية استقلالية على جملة العلاقات والعمليات التي نطلق عليها اسم الطائفية، وتجعل منها ظلا شحيحا لواقع طبقي يتمتع وحده بالأصالة. ما تخفق النزعة هذه في توضيحه هو سر فاعلية الطائفية وقدرة الطائفيين على حشد جمهور محروم، على العموم، وراءهم. الجواب الذي نقترحه يقتضي الكف عن مقاربة الطائفية بلغة معيارية تجعل منها رمزا لكل ما هو متخلف من جهة، ومخرب للوحدة الوطنية من جهة أخرى، ومعكر للصفاء الطبقي من جهة أخيرة. الطوائف، وهي نتاج الطائفية وليس العكس، تسيس جمهورا غفلا خاملا، وتزجه في حياة عامة لم تتوفر له في ظل الوطنيات الشكلية القائمة. وهي تحرر الجمهور هذا من غربته وتمنحه شعورا بقضية مشتركة ودرجة من المساواة لا تتوفر له في أطره العضوية التقليدية ولا في الدولة. هذا ما قد تصح تسميته بالنزعة الجمهورية الطائفية.

على أن رفض الاختزالية لا يلغي سلامة مقاربة الطائفية بوصفها استراتيجية للسيطرة السياسية وحارسة لامتيازات اجتماعية واقتصادية. فالجمهوريات الطائفية، أعني الطوائف كجمهوريات، تخذل بصورة نسقية نزعات الجمهور التحررية والمساواتية. وهي تموه بتغـذية شعور من القرابة والوحـدة حقيـقـة كونـها سلالم صعود للنخب الطائفية التي قلما تجد صعوبة في التفاهم بينها من وراء ظهر الجمهور (كان أشار إلى ذلك ياسين الحافظ في مقاربته للحرب اللبنانية، ضدا على تحليلات يساروية كانت تصادر على أن الجماهير الكادحة في مختلف الطوائف، وقد كان وقود الحرب كما هو معلوم، متطابقة المصالح ضد مستغليها الرأسماليين!)... ولا تشكل الطوائف أطرا للترقي الفكري والسياسي والأخلاقـي إلا فـي مجـتمعـات تـدنـت فـيها الدولـة إلى مستوى العشيرة، أي ما دون الطائفـة، وغـدت وكالة أمنية رعناء لحماية امتيازات لاعقلانية واستثناءات غير شرعية. فإذا تعقلنت الدولة، ولو قليلا، تراجعت الطائفية وتكشف طابع الطوائف الضيق والرجعي.

لكن لماذا تبدو الطائفية مسألة أديان ومذاهب وعقائد؟ لأن الإيديولوجية الطائفية تقوم على ذلك بالذات، أي على حجب وقائع السلطة والثروة وراء وقائع التمايز الديني، ولأنها تسخر وقائع القرابة الدينية والمذهبية لحماية الأوضاع الامتيازية التي تجني منها أعظم المكاسب. إن حكم القلة الثرية لا يقوم دون أن يحصن طابعه الجائر بمحاسيب موثوقين، ودون أن يخفي هذا التحصين وراء بلاغة وطنية عمومية من جهة، أو يعيد الاعتراض عليها إلى الإغراض الديني والمذهبي من جهة ثانية.