|
حورات |
|
|
|
|
|
أُبيّ حسن |
حديث مع المفكر السوري المعتقل ميشيل كيلو |
|
|
2007-05-07 |
خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية |
|
كان المفترض أن ينشر هذا الحوار مع الضمير الأسير ميشيل كيلو، فكّ الله أسره، لمناسبة (كانت قريبة) وتخصّه، غير أن رغبات السجّان كانت أسرع من أمانينا. وإذ أنشره الآن، أو معظمه، فلأعرب عن تعاطفي وتضامني مع كل سجين رأي في سورية، ابتداء بميشيل وليس انتهاء بعارف دليلة ورياض درار حمود ونزار رستناوي وأنور البني وفائق المير... في هذا الحوار الذي أجري قبيل اعتقال ميشيل بقليل، يتحدث فيه عن جانب من سيرته الذاتية، بما فيها طفولته متذكراً التأثير الكبير الذي تركه والده فيه، وهي سيرة تليق بمثقف وطني كبير ومناضل في سبيل خير مجتمعه. كما يتطرق إلى وضع المثقف السوري والمعارضة السورية وما تعاني منه من أزمات. *** أستاذ ميشيل كيلو ماذا عن النشأة الأولى، وما الذي تختزنه الذاكرة عن الطفولة والمحيط العائلي الذي نشأت فيه؟ ـ نشأت طفلاً في أسرة فقيرة لأب دركي وأم ربة منزل كادحة بأكثر معاني الكلمة صدقاً. ولدت عام 1940 في اللاذقية، وعشت طفولة هانئة في كنف أسرة أسسها رجل شريف وواسع الثقافة ـ نال شهادة الإعدادية عام 1927 في ثانوية التجهيز باللاذقية ـ عمل المستحيل كي يربي أطفاله على قيم وطنية ومجتمعية نزيهة وصحيحة، وعرف أنه لا مستقبل لهم بغير العلم، لذلك ضحىّ كثيراً من أجل تعليمهم، وتابع شؤونهم بصورة يومية، رغم أنه كان مهتما إلى أبعد حد بالقضايا الوطنية والاجتماعية، وكان أحد محبي ستالين وأتباعه في سوريا، الذين كان يعاملهم برفق شديد عندما ينفذ أمرا ما باعتقال أحد منهم. كذلك كان الرجل رفيقا بالبعثيين، لاعتقاده أن قضية العرب مهمة، وأن وحدتهم لا تقل أهمية عن المسألة الاجتماعية. أخيرا، كان أبي خليطا من المسيحي والمسلم، وكان يقول: كيف تستطيع أن تكون مسيحياً فقط في بيئة تاريخية أعطتك ثقافتك ولغتك وحضارتك وجزءاً مهما من هويتك. إلى أي حد ساهمت تلك البيئة وجغرافيتها الثقافية في صوغ ميشيل كيلو المفكر والإنسان؟ هل هناك عوامل بيئية أخرى ترى أن لها دوراً في صوغك بالشكل الذي عرفناك به؟ ـ هذه البيئة لعبت دوراً مهماً في صياغة وعيي. أنا لا أنسى أبي وهو يبكي كلما سمع أخبار فلسطين، ولا أنسى كلماته ضد الحكام، التي كان يطلقها بحضور جميع الناس، بسبب فلسطين. لا أنسى كذلك حماسه للفقراء وانحيازه إليهم، وجريه وراءهم عند الصباح كي يعيدوا إلى منازلهم الدجاج والبيض والعنب والتين، الذي كانوا يأتون به كي يحل لهم مشكلاتهم. كان يركض وراءهم صارخاً: مشغول بالكم على أولاد رئيس المخفر، يا أبناء... خذوا أغراضكم وأطعموا أولادكم الجياع. ثم كان يضيف بحب: تعالوا إلى المخفر بعد قليل وسأحل مشاكلكم قدر ما أستطيع. لا أنسى أخيراً اصطحابه لي إلى مدينة جبلة بصحبة فلاحين معدمين يرافقهم إليها كي يقسم يمينا كاذباً على الإنجيل بأنهم يفلحون قطعة أرض معينة ـ من أملاك الدولة التي فلاحتها جريمة يعاقب عليها ـ منذ أعوام طويلة، منتزعاً لهم أحكاماً قضائية تملكّهم إياها. ولا أنسى أخيراً كم تحمس للاستقلال وعمل من أجله ـ أصيب في قدمه خلال اشتباك مع الفرنسيين عام 1945 ـ وكم كان باله مشغولاً على البلاد، وكم كان يتألم لفساد الحكم ولإهمال قضايا الشعب الرئيسة. هل ثمة حادثة معينة تركت أثرها في نفسك وأنت تعيش مرحلة الطفولة؟ ـ كان أكثر ما انطبع في عقلي خلال هذه الطفولة المبكرة هو فقر الشعب، وبؤس الحياة وانتشار الجهل والأمية، وتأخر الريف. كما انطبعت في عقلي أفعال قام بها أناس أحبوا الشعب وأرادوا مساعدته، كان نموذجهم في ذهني وما زال الأستاذ أحمد عباس، الذي كان يأتي يوميا من قرية قرفيص (على مقربة من مدينة بانياس في الساحل السوري) إلى قرية حصين البحر (على مقربة من مدينة طرطوس الساحلية)، قاطعاً مسافة عشرين كيلومترا في الإياب والذهاب، ومعرضا حياته لمخاطر متنوعة كأن تقتله الحيوانات المفترسة أو يغرق في سيل جارف، لا سيما وأنه كان ينطلق في عتمة الساعة الرابعة فجراً من قرفيص ليعود إليها في الثانية بعد الظهر، بعد سبع ساعات من العمل المضني، كان يمضيها واقفا على قدميه وسط مئات التلامذة الصغار، الذين يتكدسون في غرفة كبيرة ويتوزعون على خمسة أعوام دراسية، بينما يهده الجوع وتكون ثيابه في أحيان كثيرة مبللة بماء المطر. في ما بعد، وعيت ما كان يجري، وهو أن الناس العاديين كانوا يرون في ظروفهم فرص ارتقاء وتقدم تلعب المعرفة والعلم دوراً مهماً فيها، فكان سعيهم إلى المعرفة والانخراط في الشأن العام أعظم ما بقي لي من تلك الحقبة. هذه العوامل المنزلية والمجتمعية، سابقة الذكر، أثرت مجتمعة في نفسي، وجعلتني أنحاز إلى بسطاء الناس، الذين كانوا يأتون حفاة وشبه عراة في عز البرد والحر إلى المدرسة، وقد اجتازوا ودياناً وجبالاً وقطعوا أنهاراً وتعرضوا لمخاطر لا توصف، كي يتعلموا ويشقوا لأنفسهم فرص التقدم. أما الحادثتان اللتان تركتا أعظم الأثر في نفسي، وأنا بعد طفل في السابعة، فهما منظر تلميذ صغير في مدرسة الصفصافة (قضاء مدينة صافيتا) وهو يفر من ذئب انقض عليه بينما كان يهم بقطع نهر القرية شبه الجاف، ومنظر كتفه وقد خلع، ولحمه وقد تمزق تحت أنياب الوحش، قبل أن يتمكن فلاح من قتله بفأس. ومنظر جارتنا وهي تضرب أيدي أولادها الأربعة وهي تمتد إلى بيضة مقلية، وطلبها إليهم أن يغمسوها تغميساً لا أن يأكلوها. كيف كانت الأجواء الثقافية/ السياسية التي كانت تسود مدينة اللاذقية في خمسينات القرن الماضي، وما هي أهم التيارات التي كانت تسيطر على وعي الشباب في ذلك الوقت؟ ـ كان الشباب في معظمه متحزباً ومسيساً، فقد كان في اللاذقية تلك الأيام جميع أطياف الثقافة والسياسة الحديثة، من ماركسية إلى قومية إلى إسلامية إلى ليبرالية. وكان الصراع المحتدم بين هذه التيارات، والانفتاح الذي ميز الأجواء الثقافية، وروح التنافس السائدة في أفق المدينة الحواري الغني بالأنشطة الثقافية وبالمبدعين الشباب، يسهم في إذكاء روح الرغبة في المعرفة والتحصيل والإبداع، حتى ليمكنني القول إن كل من عرفته كان إما محباً للشعر أو كاتباً له، وأنه كان في المدينة ذات السبعين ألف مواطن عشرات العازفين والمغنين المجيدين، كما كان فيها عدد كبير من الدوريات والمجلات، فضلاً عن عشر دور سينما، ومسرح كبير إلى جانب مسارح صغيرة، ومنتديات حوار وفن، ومراسم ونواد رياضية بقي أحدها بطل سوريا في كرتي السلة والطائرة طيلة سنوات عديدة، فإذا تذكرنا الرحلات والمسابقات الثقافية والأدبية، يكوّنت لدينا صورة مدينة عرفت في حينه من الثقافة قدراً يوازي ما تعرفه سوريا بأسرها اليوم أو يزيد عليه. هل ثمة أسباب معينة جعلتك تنحو نحو اليسار ككاتب ومفكر، وفي الوقت ذاته تتبنى القومية على الطريقة الناصرية؟ ـ عرفت الاشتراكية في البيت، ثم في مدينة اللاذقية، حيث كنت أسكن حي السجن، المعروف بميول مسيحييه اليسارية والشيوعية. وانتسبت إلى الحزب الشيوعي السوري في أول أيار عام 1955، لكن تركته بعد ستة أعوام احتجاجاً على موقف الحزب من الوحدة عام 1958، وبتأثير أستاذي ومعلمي الياس مرقص، الذي كان أكبر ناصري عرفه الوطن العربي، وأقنعني أن الثورة القومية هي طريق التقدم العربي والاشتراكية، وأن من يناصبونها العداء ليسوا تقدميين أو ثوريين. البعض يرى أن ميشيل كيلو كان معارضاً على الطريقة اليسارية التقليدية، وسجن على الطريقة ذاتها. إلى أي مدى تجد هذا الوصف صحيحاً؟ ـ ليس هذا الوصف صحيحاً، لأنني فرقت في فترة مبكرة جدا بين الاشتراكية والقومية، بين الفكرة الرائدة وحاملها القومي: الأمة العربية. وغادرت مواقف التأييد الأعمى للسوفيات، وانتقدت الستالينية وحاربتها منذ أوائل الستينيات، واعتبرت مفاهيمها أعجز من أن تستطيع تفسير وتغيير واقعنا، وأسهمت في تقويضها وبناء بديل لها بدءا بعام 1970، هو الحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي، الذي لم أكن قط عضواً فيه، وكنت عل الدوام أكثر من ذلك، ولعبت دوراً ما في مصالحته مع المجتمع والأمة وتبنيه الديموقراطية كمفهوم تحليلي يرى انطلاقاً منه وبمعونته الواقع والسياسة. صار لك قرابة الأربعين عاما في المعارضة السورية، ماهي أهم المحطات التي تراها في المعارضة خلال مسيرتها؟ ـ مرت المعارضة بمحطات ثلاث: مرحلة الانفكاك عن الأحزاب التي كانت جزءاً منها، وقد بدأت في نهاية الستينات بخروج قطاعات واسعة من الأحزاب السورية القائمة جميعها، وانتهت في السبعينيات إلى مرحلة جديدة عبرت عن نفسها من خلال تأسيس التجمع الوطني الديموقراطي وبرنامجه الديموقراطي، وأدت إلى قطيعته مع نظم الاستبداد وتوجهه النهائي نحو أولويات جديدة تتصل كلها بالعلاقة مع المجتمع، وآلت في مطالع الألفين إلى مرحلة ثالثة عبرت عن نفسها من خلال تأسيس حركة المجتمع المدني وما رافقها من تطوير في البرامج وآليات العمل والنظر، بلغ ذروته في إعلان دمشق، الذي يمثل منعطفا نوعياً محتملاً في العمل السياسي السوري، يتجاوز النظام والعلاقة معه إلى المستقبل المأمول. هناك من يرى أنه لا وجود لمعارضة في سوريا وإنما معارضون. ما ردّك على هذه الرؤية؟ ماهي الثغرات التي تراها في جسد المعارضة/ المعارضين في سوريا؟ ـ ثمة معارضة في سوريا. وثمة ما تفتخر به، فهي أول معارضة عربية رفعت مطلب التغيير الديموقراطي (1974)، وهي أول معارضة كونت تجمعاً وطنياً ديموقراطياً، وأول معارضة ربطت السياسي بالثقافي، وأول معارضة رفضت مغادرة بلادها إلى المهاجر، وأول معارضة خاضت معركة حقيقية ضد نظام كانت تعلم أنه أقوى منها بكثير. أما ثغرات المعارضة السياسية والحزبية فهي ليست قليلة أو هينة بدورها، تتلخص في بطء وتيرة عملها، وجمودها، وترددها، وتبعثر قدراتها، وعجزها عن جمع القوى المتناثرة الكثيرة في المجتمع، التي يمكن أن تعمل معها، وعن استقطاب القوى والأجيال الجديدة. بينما المعارضة المدنية، التي تأخذ شكل حراك ثقافي، فهي كثيرة المبادرات وفاعلة وجريئة، لكنها لم تحسم أمورها في مسائل عملية كثيرة. تعتبر أحد أبرز المؤسسين للجان إحياء المجتمع المدني في سوريا، ماهي المعوقات والصعوبات التي واجهت وتواجه عمل اللجان؟ واجهت اللجان مشكلات عديدة منها: ـ نقص خبرة أعضائها بالعمل المجتمعي والمدني، ونقص خبرة الطبقة الوسطى والمجتمع في هذا النوع من العمل، واضطرارها إلى استخدام السياسة رافعة لعملها المدني، الأمر الذي أثار مخاوف أحزاب المعارضة، وجعلها ترى فيها منافساً لها وخطراً عليها، مع أن اللجان تعهدت منذ بدأت العمل أن لا تتحول إلى حزب سياسي، وتفاهمت مع بعض الأحزاب على جعل عائد عملها التنظيمي يذهب إليها. ـ افتقار اللجان إلى حامل مجتمعي، واضطرارها إلى صنع هذا الحامل، الذي كان عليها أن تقوم باكتشافه والعمل على بلورته، قبل أن يتحول إلى أرضية لها. ـ الهوة بين العمل الفكري والنظري النشط والمتقدم والممارسة المرتبطة بالأحزاب القائمة،البطيئة الحركة والقليلة النشاط. لقد طرحت هذه المشكلة على اللجان سؤالا يتعلق بالهوة بين فكرها وعائده التنظيمي، ما زال مطروحاً إلى اليوم، ومن الضروري أن تجد رداً عليه في المستقبل، بعد الثقة التي صارت اللجان تحظى بها في المجتمع، وهي واسعة وكبيرة. ـ غموض الحدود بين الثقافي/ المدني والسياسي/ الحزبي، وتداخل هذين المجالين في اللجان، ولدى القائمين على النشاط فيها، حيث الثقافي/ المدني وحده لا يشكل حراك مجتمع مدني، والسياسي/ الحزبي لا يسمح باستقلالية الثقافي والمدني. يُتهم المثقف السوري بتضخم الأنا وحب الذات، وقد لاحظ البعض هذا أثناء انغماس المثقف بالشأن العام السوري. ما سبب تضخم تلك "الأنا"؟ وهل حقل المثقف هو المجال السياسي أم الثقافي؟ ـ حقل المثقف هو الثقافة، التي من حقولها السياسة مفهومة كشأن عام وليس كلعبة حزبوية أو سياسوية. أما تضخم الأنا، فهو ليس أهم ظاهرة تميز اليوم المثقف الديموقراطي السوري، الذي يتصدر في حالات كثيرة العمل العام، ويعمل كثير من ممثليه فيه بمعايير أخلاقية وغيرية. أخيراً: من المعروف انك أتممت دراستك في الخارج، على حساب الدولة والنظام الذي تنتقده وتعارضه، وهنا ترى بعض السلطة ومثقفيها انك مثقف ناكر للجميل. ميشيل كيلو، ما ردك على هؤلاء؟ ـ لست ناكراً للجميل، فالسلطة لم تعلمني من مالها الخاص، بل من مال المجتمع، الذي لا أبالغ إذا قلت أنني أضع حياتي كلها تحت تصرفه، وأدافع عنه منذ أربعين عاما ونيف دون كلل أو ملل، وأعتقد أنه مرجعيتي الوحيدة. صحيفة المستقبل اللبنانية
|
||
|
|
|
حورات |