|
حورات |
|
|
|
|
|
د. عماد فوزي شُعيبي |
كيف تعمل السياسة السورية: السوريون يطوون الصفحة |
|
|
2007-05-07 |
خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية |
|
لم يكن لأحد أن يتصور أن سورية التي سجلت لنفسها عبر نحو ثلاثة عقود خروجاً من الصراع عليها إلى صراع على الشرق الأوسط هي الطرف الأساس فيه، سوف تشهد ذلك التحول الذي كاد أن يعيدها إلى المربع الأول ؛ الذي كانت فيه تلك الدولة ريشة تتجاذبها الأهواء، وأن السوريين الذين نسوا القاعدة الإستراتيجية القديمة التي كانت تقول: من يسيطر على سورية يعين إحداثيات السيطرة على الشرق الأوسط"، سوف يستعيدون ذلك في قلق عارم مع هبوب الرياح القادمة من الشرق المنهار تحت وطأة احتلال بغداد. كان على السوريين الذين تعرضوا لأعنف قصف ارتجاجي إعلامي وديبلوماسي دولي وإقليمي أن يعينوا إستراتيجية دفاعهم ومن ثم هجومهم المضاد كي يستعيدوا مكانتهم الإقليمية، التي كان واضحاً أنه بدونها لن تكون سورية إلا ممرا عابرا وسماداً لاستراتيجيات الآخرين. حدد السوريون قواعد لعبتهم على النحو التالي: · من الضروري الانحناء أمام العاصفة (لحظة سقوط بغداد) ولكن من غير المجدي تقبل الانحناء بصورة دائمة ،وذلك انطلاقاً من أن على الطرف الذي تحتويه أن يعرف أنك تحتويه ولا يتوهم أنه يملي وأن عليك أن تستجيب إلى مالا نهاية وبالتالي عدم اعتماد مبدأ تقديم التنازلات لأن التنازلات ستجر سلسلة لا تتوقف من التنازلات، وأن المسألة يمكن تلخيصها بأن صدَّ المطالب أفضل من تقديم ولو الحد الأدنى من التنازلات التي لن تنتهي. · تكريس مبدأ "قضم الوقت وربح الزمن" وهو مبدأ رسمه السوريون على أساس أن تداعي ميزان القوى لا يسمح بالتسارع الزمني، وأنه بناء على ذلك لا يستوجب اختلال ميزان القوى القيام بمبادرات دراماتيكية على اعتبار أن ذلك يقتضي تأمين مسارها لإيصالها إلى نتائجها النهائية، وهو أمر لا يمكن القيام به إلا بتوافر ميزان القوى المناسب، الأمر الذي يعني اصطياد أخطاء الآخرين في مبادراتهم وتقويض نتائج إنجازاتها الدراماتيكية عبر الاستفادة من تلك الأخطاء لتدمير المنجز في مبادراتهم بكليته. صحيح أن هذه اللعبة تبدو بالنسبة لأصحاب مبدأ استغلال الوقت ومحاولة مقاربة ذلك بكيفية عمل السياسات الأخرى لدول عديدة، إلا أن هذا لا يفيد في أي جدل يمكن للسياسة السورية أن تجريه مع أصحاب تلك الرؤية، على اعتبار أنها تسجل بأنها لم تختر أبداً الاعتبارات التي تحول دون استخدام ذلك المبدأ وعلى رأسها اختلال ميزان القوى و منعها من الصرف العسكري اللازم على مدى أكثر من ربع قرن (سواء بالتسلح المتقدم أو حتى بامتلاك هامش لعبة العمل العسكري المباشر تحريكاً لأوضاع سياسية) فضلا عن منعها من التقدم الاقتصادي المناسب، إضافة إلى زجها دائما في صراعات أساسية وثانوية تريد العودة بها من الصراع على الشرق الأوسط حيث هي طرف فيه إلى الصراع على سورية الذي ودعته. · اعتماد مبدأ "الاشتباك الدائم في قضايا المنطقة" : يعرف السوريون أن موقع بلادهم على عقدة وصل بين آسيا وأوروبا وأفريقيا ، يجعل من بلادهم مساحة جيو- ستراتيجية في غاية الحرج. فإذا كان عليهم إلا يصبحوا ممراً عابراً للآخرين وسياساتهم فإن عليهم أن يشتبكوا!. والاشتباك لا يعني الصدام أو الحرب، لكنه يعني عدم ترك القضايا التي تفرضها على سورية الاعتبارات الاستراتيجية تحت أي اعتبار. فعندما تكون طرفاً في أزمة فإن ذلك يتيح لك أن تديرها من ناحية وأن تصبح طرفاً في أي تقاسم وظيفي في الساحة الإقليمية مع القوى الدولية، أقله لجهة عدم استباحتك واعتبارك سماداً لسياسات الآخرين. إذ تدرك السياسة السورية أن موقع البلد وجواره يفرضان عليه الاشتباك ، لكن الصدام يدفع نحو التدمير أحياناً ولهذا كان الاشتباك أهون الشرين، مُزاوجةً بتخفيض درجة الصدام إلى الاشتباك بالقضايا ذلك مع النمو البطيء الذي لا يصل بسرعة لكنه يصل بأقل الأضرار في ظل ظروف الصراع المفروضة خارج حدود اختيارات أحد، من الآخذ بعين الاعتبار أن الخروج من الاشتباك لن يتيح إمكانية التقدم السريع لأن المنطقة ستكون عندئذ محكومة بأمرين : الأول ممانعة الآخرين لذلك وبالتالي امتناعه والثاني · الإصرار على "مبدأ السيادة" وما يرافقه من اعتبارات يرفض فيها السوريون بإلحاح كل ما يجعلهم يدورون في فلك الآخرين، فتحالفاتهم لا تصل إلى حد الارتهان، فيها سمة عليا من الحفاظ على مشاطرة الإرادات والمصالح، والأهم أن لديهم ضرباً من (عُصاب) القبول بسياسات الدول العظمى. يسيرون على حد الشفرة يوازنون مصالحهم بميزان القوى وفي اللحظة المناسبة لا يردون على كل ما يأتيهم من مطالب أو مقترحات إذا كانت لا تتناسب مع مبدأ السيادة، الذي يراعي أبسط التفاصيل بدءا من وزن الرئاسة الذي لا يعتبر فيه الرئيس أن بلاده (وبالتالي مقامه) يقل عن أي دولة في البرتوكولات وشرعة الأمم المتحدة حتى وإن كانت دولة عظمى،فالدولة هي الدولة، ودون المبالغة في الفعل ودون تهويشات إعلامية، مرورا بتقاليد العمل (الثقيل) في الخارجية الذي يتكلم قليلا (حتى لا يلتزم بأكثر من المتاح ،وكي يبقي لنفسه مساحة من "المسكوت عنه" وهو الأهم لضمان هامش الحركة). · لا استعراض في السياسة ولا تهديد ولا وعيد لكن العمل المضاد يشتغل على آليات بعيدة من الإعلام والتصريحات والانكشافات.إذ تعمل السياسة السورية على أساس أن لديها الكثير مما يمنحها معاملات القوة دون الحاجة إلى التصريح عن ذلك لأن الفعل في العمل السياسي ليس للإعلام إذ أن السياسات لا تمارس فعلها إلا في الأروقة السياسية والديبلوماسية ، وبالتالي فالإعلام هو أداة لهذا وليس العكس، إذ أن الصمت في السياسة يمنح اللاعب السياسي فرصة إخفاء أوراقه وعدم الالتزام بما لم يصرح به وتخفيض درجة (الخفة السياسية) وصولا إلى إقرار متعارف عليه برصانتها وإمكانية التعامل معها دائما بعقلانية سياسية. · ومع تعرض هذه السياسة غير المفهومة من العامة بوضوح-وهذا طبيعي- لنقد ولهجوم إعلامي من خصومها وأعدائها، فإنها استمرت بأداء دورها دون ارتجاج معتمدة على أن "العبرة في النتائج" وأن السياسات مهما كانت معبأة إيديولوجياً تجاه منطقة ما (كما هو حال المحافظين الجدد) فإنها ستكون محكومة بـ "قواعد اللعبة"التي تفرضها المصالح الاستراتيجية المتداخلة وحقيقة أن كل إيديولوجيا سياسية، مهما بلغت قوتها العسكرية، لابد أن تخضع في المآل الأخير لاعتبارات العقلانية السياسية. على أساس ما سبق تستطيع السياسة السورية أن تقول إنها قد بدأت بطي صفحة المخاطر التي تعرضت لها منذ سقوط بغداد ، وبات واضحاً أنها قد أصبحت طرفاً أساسياً في إدارة الأزمة وأن الحوار معها قد بات جزءاً من السياق. * رئيس مركز المعطيات والدراسات الاستراتيجية
|
||
|
|
|
حورات |