"فرانسيس فوكو ياما أنموذجا"

رئيس مركز المعطيات والدراسات الاستراتيجية

"للنصر ألف أب أما الهزيمة فيتيمة".

بعد صمت طيلة فترة الحرب ، في الغارديان الفرنسية كتب فرانسيس فوكوياما ما يشبه المراجعة أو الاعتذارية لا فرق وتحت عنوان" التاريخ عند نهاية التاريخ"، يتنصل فيه من أي تأويل للربط بين ربط أطروحته عن نهاية التاريخ بالسياسة الخارجية للرئيس جورج بوش والهيمنة الاستراتيجية الأميركية،على اعتبار أن  أفكاره لم تشكل الأساس الفكري لسياسات إدارة بوش مستدلا على ذلك بما كان يقوله منذ عام 1992 عن الديمقراطية والتنمية، كدليل على أنه لم يكن وراء الدفع باتجاه غزو بغداد.

من الممكن  أننا بالغنا في اعتبار فوكوياما مسؤولا عما يحدث في العراق فهو  لم يكن أكثر من منظّر على هامش فلاسفة المحافظين الجدد،بخلاف مايكل ليدي وريتشارد بيرل وفايث وبولوتون ... وهو أقرب إلى وزن برنارد لويس وفؤاد عجمي مع الاختلاف النوعي عن الاثنين الأخيرين، لكن صمته إلى ما بعد وضوح الاتجاه إلى هزيمة في العراق يعكس ضربا من الخبث لدى (الخلاسي الأصفر) الذي انتظر أن ينسب النصر إليه.

والشرح الذي يقيمه فوكوياما للتنصل من وزر الحر أنه وقبل خمسة عشر عاماً وفي كتابه "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، كان قد قال إن المجتمع إذا ما أراد أن يصبح حديثاً، فإنه لا بديل عن اقتصاد السوق ونظام سياسي ديمقراطي. ولكن، ليس الجميع أرادوا أن يدخلوا في الحداثة بطبيعة الحال، ولم يستطع الجميع أن يبنوا المؤسسات والسياسات الضرورية لجعل الديمقراطية والرأسمالية تعملان، وما من نظام بديل كان ليفضي إلى نتائج أفضل.

 

إلى ذلك، فإن الرغبة بالعيش في ديمقراطية ليبرالية حديثة لا يترجم بالضرورة لدى فوكوياما إلى قدرة على القيام بذلك فعلياً. وتبدو إدارة بوش عنده قد افترضت في مقاربتها عراق ما بعد صدام أن الديمقراطية واقتصاد السوق كليهما كانا شرطين حتميين تتحول إليهما المجتمعات بمجرد أن يزول عنها القمع والاستبداد، بدلا من كونهما مؤسسات معقدة معتمدة على بعضها البعض، والتي يجب بناؤها، وليس بلا ألم، مع الوقت.

 

والترسيمة واضحة هنا عنده :"قبل أن تكون لديك ديمقراطية ليبرالية بوقت طويل، ينبغي أن تكون لديك دولة فعالة (وهو شيء لم يختف أبداً في ألمانيا أو اليابان بعد تعرضهما للهزيمة في الحرب العالمية الثانية). وهذا شيء لا يمكن اعتباره أمراً مفروغاً منه في دول مثل العراق".

هذا الاستدراك المتأخر والذي طالما كتبنا عنه عما يتجاوزه، وربطنا الديموقراطية بالسيرورة التي تؤدي إليها والتي معيارها الدولة، واعتبره البعض تأليهاً منا للدولة، وأضفنا عليها ميراث التسامح والعلمانية والثورة القومية (الدولة –الأمة) والحروب العالمية بميراث العقلانية المترتب عليها في السياسة باسم الواقعية المبنية على الوظيفية و الأداتية و الميكيافيلية و البراغماتية، بدلا من اختصار الجرعة بالدولة والحداثة، هذا الاستدراك لا يعفي من مسؤولية الاختزالية التي بنيت عليها نظرية نهاية التاريخ المنبعثة من هيغيلية متأخرة.

ومع أن فوكوياما يعتبرأن نظرية "نهاية التاريخ" لم تكن مرتبطة أبداً بنموذج أميركي بعينه للمنظومات الاجتماعية والسياسية. وعلى خطى الفيلسوف الروسي-الفرنسي ألكسندر كوجيف الذي ألهمه أطروحته الأساسية، فإنه بات يعتقد بأن الاتحاد الأوروبي يعكس على نحو أكثر دقة ما سيبدو عليه العالم عند نهاية التاريخ  أكثر مما تعكسه الولايات المتحدة راهنا. على اعتبار أن محاولة الاتحاد الأوروبي للتسامي فوق السيادة وسياسات السلطة التقليدية عن طريق إنشاء حكم قانون عابر للحدود القومية تظل أكثر انسجاماً مع عالم "ما بعد تاريخي" من إيمان الأميركيين المستمر بالله، والسيادة الوطنية، وبجيشهم، مع كل هذا فإن هذا التحليل لا يعفي الهيغلي الخلاسي من مسؤولياته إزاء فكرة نهاية التاريخ عند النموذج الرأسمالي الأمريكي إلى أن انهار المشروع في العراق، وعلى اعتبار أن نهاية التاريخ بحد ذاتها فكرة تريد إيقاف الحياة عند حد وتنهي معاملات الحرة وإنتاج الجدّة لدى البشر سواء على مستوى التاريخ الآني أو التاريخ العام أي روح التاريخ نفسه.

يتمصّل فوكوياما من نهاية التاريخ عند النموذج ألأمريكي على اعتبار أن الرئيس بوش كان قد برر غزوه للعراق بشكل أساسي على أرضية برامج صدام لتطوير أسلحة للدمار الشامل، وعلى صلات النظام المزعومة بالقاعدة، كما وعلى انتهاكات العراق لحقوق الإنسان وافتقاره إلى الديمقراطية. وبما أن التبريرين الأولين تهاويا في أعقاب الغزو عام 2003، ذهبت الإدارة على نحو مطرد إلى التركيز على أهمية الديمقراطية، سواء في العراق أو في الشرق الأوسط بشكل عام، كتبرير لما كانت تقوم به ، حيث قال بوش إن الرغبة في الحرية والديمقراطية هما أمران كونيان وليسا مرتبطين بثقافة بعينها، وإن أميركا ستكرس نفسها لدعم الحركات الديمقراطية "بهدف إنهاء الاستبداد من العالم في نهاية المطاف". وقد رأى مؤيدو الحرب آراءهم تتأكد من خلال أصابع الناخبين العراقيين الملطخة بالحبر، والذين اصطفوا للتصويت في الانتخابات المختلفة التي أجريت فيما بين شهري كانون الثاني وكانون الأول من عام 2005، وفي ثورة الأرز في لبنان، وفي الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في أفغانستان حسب تعبيره.ولكن الفيلسوف الذي تراجع عن أوهام نظريته سرعان ما يستدرك أنه وبقدر ما كانت تلك الأحداث ملهمة وباعثة على الأمل، فإن من المرجح أن الطريق إلى الديمقراطية الليبرالية في الشرق الأوسط ستكون مخيبة إلى حد مفرط مع اقتراب نصف المدة، بينما تبدو جهود إدارة بوش لبناء سياسة إقليمية حولها  تتجه إلى الفشل الذريع.

والفكرة تتلخص لديه في انه لعل من المؤكد أن الرغبة بالعيش في مجتمع متحضر وأن يعيش المرء بحرية هي أمور كونية، أو هي قريبة من أن تكون كذلك. وهذا يتجسد في جهود ملايين الناس كل سنة لمحاولة الانتقال من العالم النامي إلى العالم المتقدم، حيث يأملون بأن يجدوا الاستقرار السياسي وفرص العمل والعناية الصحية والتعليم وكل الأمور التي يفتقرون إليها في وطنهم. لكن هذا يختلف تماماً عن القول بأن هناك رغبة كونية بالعيش في مجتمع ليبرالي – أي في نظام سياسي يتسم بدورانه في فلك حقوق الفرد وحكم القانون. بل إن الرغبة بالعيش في ديمقراطية ليبرالية هي في الحقيقة شيء يكتسب مع الوقت، والذي غالباً ما يأتي كنتاج مصاحب للتحديث الناجح.

وأخيراً،تنتهي الاعتذارية عند فوكوياما بالقول إنه لم يقم أبداً بربط انتشار الديمقراطية الكونية بوكالة أميركية، ولا بممارسة القوة العسكرية الأميركية على وجه الخصوص. إذ يحتاج التحول الديمقراطي إلى أن تقوده المجتمعات التي تريد الديمقراطية، وبما أن الأخيرة تحتاج إلى مؤسسات، فإن التحول عادة ما يكون عملية طويلة جداً وشاقة.

لكن هذه الترسيمة شبه الواقعية عند فو كوياما لا تجعله يتراجع عن الدور الأمريكي في الديموقراطية العابرة للقارات إذ يعتبر أنه يمكن للقوى الخارجية مثل الولايات المتحدة أن تساعد مثل هذه العملية غالباً بأن تكون المثال والقدوة التي تمثلها باعتبارها مجتمعات ناجحة اقتصادياً وسياسياً. كما أن بإمكانها أيضاً أن تقدم التمويل والنصيحة والمساعدة التقنية، ويكشف عن مآل اعتذاريته بعدم الكف عن استخدام القوة العسكرية،إذ ينتهي للقول إن بعض القوة العسكرية أحياناً لمساعدة العملية على التقدم. لكن تغيير النظام القهري لم يكن أبداً هو المفتاح لتحقيق التحول الديمقراطي... من يحل هذا اللغز القهري.