|
حورات |
|
|
|
|
|
عبدالله تركماني |
العلمانية المؤمنة في تركيا (*) |
|
|
2007-05-03 |
خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية |
|
وفي الواقع، منذ عهد السلطان سليمان القانوني في القرن السادس عشر شكلت السلطنة العثمانية " مؤسسة دينية " تحت رعايتها، وفرض هذا النمط السلطاني للدولة التمييز بين السلطة الزمنية، ومهمات السلطة الدينية الموكلة لـ " العلماء " ثم لدار الإفتاء، وغدت السلطة الزمنية ذات السيادة والشوكة متحكمة بالسلطة الدينية. وبدءاً من القرن التاسع عشر، ومع الاحتكاك المباشر بالتفوق الأوروبي، والتعرف على مؤسساته الديموقراطية، تبلورت رؤية إصلاحية خارج " المؤسسة الدينية السلطانية " حاولت توطين المفاهيم الغربية عن الديموقراطية وحقوق الإنسان، واسترجاع مفاهيم المرحلة الأولى للإسلام، مؤكدة مع محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وغيرهما: إنّ السلطة السياسية في الإسلام سلطة مدنية، وإنّ الإسلام لا يعرف سلطة ثيوقراطية. ولعله من المفيد عند التعاطي مع إشكالية العلمانية والدين أن نتفحص، ولو قليلا، كيف تعاطت الخبرة الغربية معها، وإلى أي السبل قد اهتدت. حيث كان الفكر الغربي من المهارة بحيث أدرك أهمية الدين في حياة الشعوب، ذلك أنه لم يقوَ أي نظام سياسي، مهما كانت درجة انفتاحه، على إخراج الدين من الحياة العامة للأفراد والمجتمعات، وما حدث هو ضرورة النظر إلى الدين بوصفه " أداة " تستهدف مصلحة البشر، وليس وسيلة لخنقهم بطقوس قد تفضي في النهاية إلى عكس ما أُريد لها. هذه الرؤى كانت حاضرة في إدراك قادة حزب " العدالة والتنمية " التركي، إذ تعلموا دروسها، واستوعبوا شروط النجاح والاستمرار في الساحة السياسية، فحرصوا على أن يقدموا صيغة تصالحية بين الإسلام والعلمانية، نجحت في استقطاب قطاع غير قليل من النخبة، وقطاع كبير من الجماهير، التي أعطتهم أصواتها وثقتها في الانتخابات البرلمانية والبلدية. وحين اعتبروا أنفسهم حزبا محافظا وديمقراطيا، كان ذلك يعني مباشرة التزامهم باحترام القيم الأساسية في المجتمع التركي وفي مقدمتها الدين والعلمانية، وحين فعلوا ذلك فإنهم استعادوا الركن المغيب في الهوية السياسية التركية، وهو الإسلام الذي ذوبته العلمانية الكمالية في مشروعها المهيمن. وفي حدود السقف المتاح، فإنّ استدعاءهم للإسلام تم في الإطار الاجتماعي وليس السياسي، وبذلك فإنهم قدموا المشروع الإصلاحي على الإيديولوجي، وهو ما يفسر تقليلهم من شأن معركة الحجاب التي افتعلها العلمانيون الغلاة، وانشغالهم عنها بمواجهة الأزمة الاقتصادية وتعزيز الحريات والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. لقد نجح حزب " العدالة والتنمية " في التوفيق بين مبادئ الدولة التركية العلمانية التي أسسها كمال أتاتورك على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين برامجه وأهدافه التي لا تدير ظهرها لتاريخ هذه الإمبراطورية ولا لثقافتها الإسلامية. إنه حزب لا يدعو لدستور إسلامي يعتمد الشريعة ولا يسعى لتطبيق الحدود الإسلامية، يطرح ديمقراطية علمانية لا تعادي الدين بل تستلهم قيمه الخيّرة، كبديل لديمقراطية علمانية أتاتوركية تقصي الإسلام وتضيّق عليه، أي تعديل التطرف العلماني دون الانزلاق للتطرف الأصولي، والعمل لمصالحة بين الدين والعلمانية. إننا بصدد تجربة متميزة في المجتمع التركي، تقدم إسلاما آخر غير إسلام الجمود والانغلاق. إنه إسلام متعايش مع العصر، منفتح على العالم، معترف بالحداثة، حريص على الهوية الإسلامية بلا تعصب وبلا إكراه وفرض، وبلا اغتيال للعقل، وبلا تكفير للمجتمع وللعالم. وهكذا، فإنّ العلاقة بين الدين والدولة تكمن في إحلال التناغم والانسجام بين الوسائل، التي تستخدمها الدولة المدنية لتأمين إدارة وضبط النشاطات المشتركة في المجتمع، والغائيات الخيّرة التي ينطوي عليها الدين. إن الدولة لا يمكنها أن تكون دينية، بل مدنية، تنتقي وسائلها وفق مقاييس المردودية والفاعلية في التعاطي مع مواردها الاقتصادية والبشرية، وتحتكم، في الوقت ذاته، إلى القيم والغائيات التي يؤمن بها المجتمع. وليس المهم أن ننادي بالعلمانية أو أن نحاربها، لكنّ المهم هو إيجاد الطريقة المثلى التي تحترم تاريخنا العربي - الإسلامي وتراثه، ولا تتعارض في آن واحد مع ما تعارفت عليه المجتمعات الإنسانية من مبادئ وقيم تعزز سلامة الإنسان وتحترم كرامته وتحقق المساواة بين أفراده، بغض النظر عن أية اعتبارات موجودة، وتحقق له شروط حياة لائقة وكريمة وتحميه من كل استغلال وظلم وطغيان.
تونس في 25/4/2007 الدكتور عبدالله تركماني كاتب وباحث سوري مقيم في تونس (*) – نُشرت في صحيفة " المستقبل " اللبنانية – 30/4/2007.
|
||
|
|
|
حورات |