دأبت السياسة السورية على التأكيد ـ في السنوات الأخيرة ـ في كل مناسبة عن رغبتها باستئناف مفاوضات السلام مع إسرائيل بدون شروط مسبقة، بعد أن كانت تطلب في مطلع عهد الرئيس بشار الأسد أن تستأنف المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها عام (2000) بين الحكومة السورية وحكومة إيهود باراك.

    حيث كاد الوفدان المتفاوضان أن يصلا إلى اتفاق في ذلك الوقت برعاية الرئيس بيل كلينتون وكانت فحوى الاتفاق انسحاب إسرائيل الكامل إلى خطوط وقف إطلاق النار في 4 يونيو 1967، وتحديد المناطق المنزوعة السلاح بين البلدين والمناطق التي تتواجد فيها القطاعات العسكرية بأسلحة خفيفة، فضلاً عن الاتفاق على توزيع المياه وتبادل التمثيل الدبلوماسي والعلاقات السياحية وزيارة رعايا كل من البلدين إلى البلد الآخر وغير ذلك.

وكاد يتم الإعلان عن موعد توقيع الاتفاق لولا تراجع إيهود باراك عن موافقته لأسباب إسرائيلية داخلية ومطالبته من جديد بأراضٍ لم تكن داخل خط إطلاق النار قبيل عدوان يونيو وخوفه من أن ينفض المجتمع الإسرائيلي عنه على أبواب الانتخابات، لأنه كان يدرك أن هذا المجتمع لم ينضج للسلام بعد.

على أية حال انهارت المفاوضات وبقي السوريون يطالبون باستئنافها من النقطة التي توقفت عندها، ثم تخلوا عن هذا الشرط وطالبوا باستئناف المفاوضات بدون شروط. والحق أن السوريين يضيفون لإعلانهم عادة أنهم حقاً يريدونها بدون شروط ولكن حسب مقررات الأمم المتحدة ومؤتمر مدريد للسلام (أي الأرض مقابل السلام) وهذا الشرط رغم عموميته يخفي في الواقع أكداساً من القرارات والمبادرات والشروط ومجريات المفاوضات السابقة.

    وتدرك إسرائيل جيداً معنى شعار (الأرض مقابل السلام) الذي لا تستطيع رفضه، سواء لأنه شعار مؤتمر مدريد أم لأنه شعار صائب ومحق ومعتدل وحل وسط وتسوية معقولة، ولذلك تبحث الحكومة الإسرائيلية عن حجج من هنا وهناك تبرر رفضها استئناف المحادثات مع سوريا وتؤكد سوريا بدورها رغبتها بالسلام.

    ولأن السياسة السورية تعرف استحالة قبول إسرائيل استئناف المفاوضات في ظل مقولة (الأرض مقابل السلام) ولأنها تؤمن بأن المجتمع الإسرائيلي لم ينضج للسلام بعد، وأن الحكومة الإسرائيلية بعد شارون هي في غاية الضعف وفاقدة الشعبية، فإنها تؤكد في كل مناسبة على هذا الشعار مما ينفي عنها صفة التطرف أو الرفض ويظهرها ذات سياسة معتدلة تسعى للسلام.

إن الأمر في الواقع هو أكثر تعقيداً بالنسبة للحكومة الإسرائيلية، فالمجتمع الإسرائيلي ازداد تطرفاً وخشية من السلام، ومن أسباب ذلك عدم وجود رجال دولة أقوياء يثق بقراراتهم، فرئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت لا يحظى إلا بثقة نسبة متدنية من الإسرائيليين، والحال العربي الممزق والضعيف لا يشجع الإسرائيليين على قبول مقترحات السلام.

    كما أن دواخل الأحزاب الإسرائيلية المتحالفة في الحكومة مليئة بالتناقضات، ولا يملك حزب المعارضة الرئيس (أي الليكود) تصوراً للسلام سوى طرح الشعارات المتطرفة، ولا تريد إدارة الرئيس بوش وهي الحليف الأساسي والداعم الأول لإسرائيل سلاماً سورياً إسرائيلياً إلا من خلال إعادة تشكيل المنطقة، ولهذا كله ترفض الحكومة الإسرائيلية استئناف مفاوضات السلام مع سوريا لأن ذلك هروب للأمام هو في الواقع أسهل القرارات، لأنه يرجئ كل شيء ويتركه للزمن لعل الشروط تتغير وتساعد على الوصول لتسوية.

    في هذا المناخ المملوء بالعثرات وبالريبة المتبادلة وبالشروط غير الكافية لاستئناف المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية جاءت المبادرة العربية لتزيد الأمور تعقيداً بالنسبة لهذه المفاوضات، ذلك لأنها قدمت اقتراحاً يتضمن حلاً شاملاً للصراع العربي الإسرائيلي وبضمنه الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي والسوري ـ الإسرائيلي.

    وبالتالي صار يبدو من غير الضروري إجراء مفاوضات ثنائية مع سوريا أو حتى مع الفلسطينيين مادام الجميع يسير باتجاه الوصول إلى حل شامل يشارك فيه الجميع، خاصة وأن المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية، حتى لو وصلت إلى اتفاق فليس من الممكن توقيعه قبل حل القضية الفلسطينية وحل مشكلة الأراضي اللبنانية المحتلة لأن السياسة السورية لا تريد حلاً منفرداً وهو ما دأبت تدينه منذ اتفاقيات كامب ديفيد ومازالت متدنية حتى الآن.

    يمكن للحكومة الإسرائيلية أن تتذرع الآن بإعطاء الأولوية للمفاوضات في ضوء المبادرة العربية، وبالتالي تنحية المبادرات السورية أو الفلسطينية جانباً، وإرجاء الحلول الثنائية ليتم التوصل إليها في إطار حل شامل، وسواء كانت الحكومة الإسرائيلية صادقة أم كاذبة فمن الصعب على أحد داخلي أو خارجي إحراجها بضرورة إجراء محادثات ثنائية، وإدانتها إن امتنعت.

    وهي في الغالب الأعم سوف تكتفي بإجراءات استعراضية (كالزعم بوجود مفاوضات سرية، أو القبول بمفاوضات حول قضايا إجرائية مع الفلسطينيين أو غير ذلك)، وما الهدف الحقيقي من هذا كله سوى المماطلة بانتظار أن توجد ظروف جديدة، إما بنجاح الأميركان بتطبيق مشاريعهم الشرق أوسطية أو بإفراغ المبادرة العربية من محتواها أم بتحقيق مزيد من التمزق العربي والتدهور العربي أم غير ذلك من المخارج.

    لعل هذه الافتراضات ـ إن صحت ـ تلقي ضوءاً على تصريحات أعضاء الحكومة الإسرائيلية والسياسيين الإسرائيليين الذين لا يؤيدون مفاوضات مع سوريا، وعلى زعم إسرائيل بوجود مفاوضات سرية مع سوريا ورفضها في الوقت نفسه المفاوضات العلنية، وستبقى تخفي نواياها الحقيقية باعتبار أن الظروف المحيطة لا تلزمها بالكشف عن هذه النوايا.

    لقد قدمت سياسة الانتظار فوائد كبيرة للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وساعدتها على تحقيق مزيد من المكاسب، لا من خلال تنامي قدراتها العسكرية والسياسية فحسب، بل أيضاً من خلال تنامي الضعف العربي مع الزمن، وملاءمة الظروف الدولية للمواقف الإسرائيلية، ويبدو أن الحكومة الإسرائيلية لا تنوي ولا ترغب تغيير هذه السياسة الرابحة.

    في الخلاصة يبدو أن انتظار قبول إسرائيل بإجراء مفاوضات مع سوريا للوصول إلى تسوية، وأخرى مع الفلسطينيين للوصول إلى الحل النهائي هو أمر بعيد المنال ولا جدوى منه، وقد تغيرت الرهانات الآن وصارت تتمحور حول المبادرة العربية، التي لا يعرف أحد آلياتها ولا نتائجها، والتي قد تنتظر بدورها طويلاً حتى تتلاشى. ولعل الكل يلعب في الوقت الضائع أو يضيع الوقت بانتظار مستجدات أخرى.