يبدو أنّ البنتاغون يخطط للحرب ضد إيران، والقطعات العسكرية والأساطيل المجندة لتنفيذ هذه الخطة اتخذت مواقعها وهي جاهزة للقيام بمهماتها المحددة. ولا شك أنّ العنصر الأكثر دفعا، باتجاه تحرك عسكري أمريكي، هو الحملة الإعلامية والسياسية المكثفة التي تقودها جهات إسرائيلية وأخرى مؤيدة لها، تعتبر أنّ الخطر الإيراني يهدد إسرائيل أولا، بالنيابة عن الولايات المتحدة الأمريكية. والرأي هنا هو أنه إذا كانت الحاجة الأمريكية إلى اعتراض البرنامج النووي الإيراني حاجة وقائية، فإنها إسرائيليا حاجة استباقية. وقد تمكّن هذا الرأي بالفعل من حشد ما يقارب الإجماع السياسي الأمريكي.

وربما يرفع من درجة التوتر هذه الأيام أنّ حجم المعارضة الدولية لاحتمالات ضرب إيران أقل كثيرا مما كان عليه الحال عشية غزو العراق‏،‏ وأنّ هناك توافقا من القوى الدولية الكبرى برز في قرار مجلس الأمن الأخير 1747.‏

وكانت صحيفة " صنداي تايمز " البريطانية قد نشرت تقريرا في بداية يناير/كانون الثاني الماضي ذكرت فيه أنّ سلاح الجو الإسرائيلي يقوم بتدريبات على المسافات البعيدة، وأنّ إسرائيل، لو قامت بضرب إيران، فإنها ستستعمل قنابل نووية تكتيكية لاختراق الدفاعات في عمق الأرض الإيرانية. وأوضحت الصحيفة أنّ الخطة الإسرائيلية تقضي باستخدام صواريخ تقليدية موجهة بالليزر لفتح أنفاق، قبل استخدام هذه القنابل التي تتمتع بقوة تعادل واحدا على 15 من قوة القنبلة الأمريكية التي ألقيت على هيروشيما.

ومن جهة أخرى، فقد ناقش المنتدى السنوي للتعاون الاستراتيجي الأمريكي - الإسرائيلي، الذي عقد مؤخرا في تل أبيب، التهديد الذي تشكله إيران وبرنامجها على المنطقة من خلال النظرة الإسرائيلية - الأمريكية إليه. ومع أنّ معظم هذه المناقشات يتسم بالسرية، فإنّ رئيس معهد الأبحاث في الصناعة العسكرية الإسرائيلية أريه فريدور، نشر في صحيفة " يديعوت أحرونوت " أنه على إسرائيل أن تتصرف، إزاء الخطر الإيراني، في خمسة محاور أساسية هي: أولا، تشجيع الاستمرار في الجهود السياسية. وثانيا، المبادرة إلى تخطيط وتنفيذ عمليات ضد المنشآت النووية الإيرانية، والشخصيات الإيرانية الفاعلة في مجال الأبحاث العلمية وتنفيذ المشاريع النووية. وثالثا، توجيه ضربة نووية قاصمة لإيران تجعلها تتراجع عن الاستمرار في تطوير السلاح النووي، أو تأخير تنفيذه. ورابعا، تطوير وسائل دفاعية تحمي إسرائيل من خطر هجوم إيراني نووي، مثل تطوير صواريخ مضادة للصواريخ تكون قادرة على تفجير الصواريخ الإيرانية قبل وصولها إلى أهدافها في إسرائيل. وخامسا، تحصين داخلي في إسرائيل بواسطة إقامة شبكة أمان داخلية، والإكثار من البناء تحت الأرض وإقامة الملاجئ والاحتياط الغذائي. وفي معلومات ناقشها منتدى التعاون الاستراتيجي الأمريكي - الإسرائيلي فإنّ الطرفين يضعان اللمسات النهائية لخطة ضرب مواقع محددة في إيران، وأنّ المستوى العسكري الإسرائيلي ينتظر تعليمات المستوى السياسي وتحديد ساعة الصفر، التي تدل المؤشرات إلى أنها آخذة في الاقتراب.  

إنّ التصعيد الإيراني الجديد والعنيف ضد المجتمع الدولي، وقول الرئيس أحمدي نجاد: إنّ قرارات مجلس الأمن حبر على ورق، وإنّ إيران ستنتصر، يدل على مشكلة حقيقية في طهران ! وهي مزيج من قصور الوعي بأوضاع المجتمع الدولي، والجهل بالوضع الداخلي الإيراني، والاعتقاد الخاطئ بقوة وهمية لإيران، وقراءة إيديولوجية - دينية بحتة لا علاقة لها بتحولات العلاقات الدولية ولا بموازين القوى.

والمخيف أنّ النظام الإيراني لا يدرك أنه يتعاطى مع إدارة أمريكية لا تتوانى عن الذهاب بعيدا في قراراتها، وأنّ المأزق الأمريكي في العراق لا يعني أنها ستنسحب منه وتتركه للفوضى... أو لإيران. باختصار شديد، لا يمكن للقوة العظمى الوحيدة في العالم الانسحاب من العراق، أقله في المدى المنظور، لأنّ ذلك سيعني انتصارا باهرا لإيران يسمح لها بالتحكم باحتياطيات النفط والغاز في العالم. عندئذ لن يأتي الرئيس الأمريكي إلى طهران لطلب رضا " المرشد " فحسب، بل سيضطر كل زعماء العالم الصناعي إلى اعتبار العاصمة الإيرانية قُبلتهم.

ومع صعود إيران إلى مستوى دولة إقليمية كبرى، مؤثرة في الجغرافيا السياسية لمنطقة الشرق الأوسط، تبدو السياسة الإيرانية أمام مجموعة من التحديات الدولية والإقليمية والداخلية، ومع هذه التحديات، التي يبدو أنها مرشحة في المرحلة المقبلة إلى المزيد من التعقيد والتصعيد، تظهر إيران وكأنها أمام خيارين: أولهما، السير حتى النهاية على نهج الرئيس أحمدي نجاد، بما يعني الصدام مع الإدارة الأمريكية التي تتبع هي الأخرى نهجا تصعيديا متدرجا، حيث الإصرار الأمريكي على حرمان طهران من الاستمرار في تخصيب اليورانيوم مقابل تمسك الأخيرة به واعتباره حقا مطلقا لها غير قابل للتفاوض. وثانيهما، أن تنجح القيادة الإيرانية في تحقيق ما يشبه التسوية أو التفاهم مع الإدارة الأمريكية على مجمل القضايا الخلافية المتفجرة في منطقة الشرق الأوسط، وهنا يبدو الملف العراقي هو أكثر الملفات قابلية للدخول في دائرة الحوار والتجاذب والتفاوض بين الجانبين، نظرا لما وصلت إليه السياسة الأمريكية في العراق من مأزق يصعب الخروج منه من دون حل سياسي بمساهمة دول الجوار العراقي.

ومن المؤكد أنه ما كان على إيران أن توصل الأمور إلى ما وصلت إليه، فقد تعاملت مع هذه القضية الحساسة بطريقة التحدي، ليس بالنسبة للأمريكيين والأوروبيين ودول الجوار فقط، وإنما أيضا بالنسبة للمجتمع الدولي كله، وهذا كله أدى إلى تقليص هوامش الخيارات، وقدم خيار العمل العسكري على الخيارات الأخرى.

ومن المؤكد أنّ‏ هذه الحرب التي بدأ عدها العكسي ليست حرب العرب، ولا علاقة لها لا من قريب ولا بعيد بالشكوى العربية من السياسة الإيرانية في العراق. هذه حرب توازنات القوى في المنطقة بين إسرائيل وخصومها لا حرب الاستجابة للهموم العربية الثقيلة في العراق وفلسطين. ولا يجب أن يكون هناك شك في أنّ حربا أخرى في المنطقة، حربا أمريكية - إسرائيلية علي إيران، مهما كانت الصيغة التي ستأخذها، ستكون كارثة على العالم العربي ودوله وشعوبه.

ويبقى الأمل أن تتغلب لغة العقل والحكمة، فالمنطقة لا تتحمل حربا جديدة يصعب التكهن بما ستسفر عنه من نتائج، وتكفي مصيبة غزو العراق وتداعياتها، التي أيقظت كل أنواع الغرائز ذات الطابع المذهبي في كل أنحاء المنطقة.

 

تونس في 22/4/2007                   الدكتور عبدالله تركماني

                                    كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

(*) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 26/4/2007.