عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة

إدريس لكريني

بيان حول سرقة علمية: جامعيون يمتهنون القرصنة

 

 

2007-04-24

خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية

وأنا أتصفح العدد 349 بتاريخ شباط 2007، من المجلة الداخلية لحزب البعث العربي الاشتراكي "المناضل" السورية؛ فوجئت بوجود دراسة معنونة ب: رؤية حول الإرهاب الداخلي والإرهاب الدولي لصاحبها "د.محمد الجبر" الأستاذ بجامعة دمشق بسوريا.

وهي دراسة لم يخجل فيها صاحبها من ممارسة أقصى مظاهر القرصنة والسرقة العلميين، حيث قام بنقلها كاملة وبمراجعها المعتمدة بشكل حرفي مهين من إحدى دراساتي المعنونة ب: "الديموقراطية الأمريكية لمكافحة الإرهاب" المنشورة بمجلة شؤون عربية التي تصدرها الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بمصر في عددها 125 ربيع 2006. الصفحة 166 وما بعدها ؛ وذلك دون الإشارة إلى هذا المصدر. ويمكنكم المقارنة بين الدراستين المرفقتين للوقوف على حقيقة هذا السلوك الحقير.

يمكن الاطلاع على الدراسة المنقولة في الموقع :

http://www.baath-party.org/monadel/no-349/almonadil349_5.htm

وطبعا سأظل محتفظا بحقي في متابعة هذا "الدكتور" قضائيا وإعلاميا وفي أوساط المثقفين والجامعيين السوريين والعرب.

وللإشارة فقد بعثت برسالة في هذا الموضوع إلى الجامعة السورية وأخرى لإدارة مجلة المناضل التي نشرت الدراسة المنقولة وأخرى لإدارة تحرير مجلة شؤون عربية التي نشرت الدراسة الأصلية وتملكها.

حتى تنكشف حقيقة ما اقترفه من جرم في حق البحث العلمي، ويصبح مثالا لرواد القرصنة؛ وبخاصة وأن هذه الممارسة الشنيعة تتناقض مع أبسط المهام التي تفرضها الرسالة النبيلة للأستاذ والباحث، فهذا الأخير مطالب بمنح طلبته مثالا وقدوة فيما يتعلق بشروط البحث العلمي والأمانة العلمية.

وفي الحقيقة فقد صدمت بوجود عناصر من هذا النوع في أوساط الجامعة السورية والمعروفة بجديتها ومصداقيتها عربيا، وزاد من صدمتي أيضا عندما نشرت له الدراسة المسروقة مجلة محترمة يصدرها حزب عربي عريق، والتي كان من المفروض أن تتريث قبل الإقدام على نشر السرقات.

والحقيقة أن مواجهة هذه الأشكال والسلوكات اللامسؤولة التي تسيء للباحثين وللفكر عموما، هي مسؤولية يتحملها الجميع وتتطلب التشهير الإعلامي المكثف عبر جميع السبل لفضح أولئك المندسين في حقل نبيل.

وللإشارة فقد سبق للباحث إدريس لكريني أن تعرض لسرقة علمية أخرى قام بها المدعو د. محمد طيمن الجامعة اللبنانية؛ عندما قام بنقل فقرات كاملة من دراسة الباحث: مكافحة الإرهاب الدولي بين تحديات المخاطر الجماعية وواقع المقاربات الانفرادية، المنشورة في مجلة المستقبل العربي، عدد بتاريخ281 بتاريخ 7/2002 في مقالته المنقولة: غياب التعريب مدخل إلى التحريف والتي نشرتها مجلة الوفاق العربي، لندن في عددها 67 لشهر يناير 2005

http://drisslagrini.maktoobblog.com/

 

الدراسة الأصلية للباحث التي تعرضت للقرصنة:

نشرت بمجلة شؤون عربية، الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، عدد 125- ربيع 2006

"الديموقراطية" الأمريكية لمكافحة "الإرهاب"

د. إدريس لكريني

أستاذ باحث, كلية الحقوق مراكش, المغرب

تزايدت حدة العمليات "الإرهابية" في السنوات الأخيرة على امتداد أرجاء مختلفة من العالم, وطالت حتى الدول التي كانت تعتبر نفسها محصنة ضد هذه الظاهرة, ولقد تباينت خطورة وتداعيات هذه العمليات من منطقة إلى أخرى.

وإذا كانت معظم الدول قد أجمعت على خطورة هذه الآفة, وأكدت على ضرورة مجابهتها, فإنها اختلفت في مقاربتها, مما جعل هذه العمليات تتزايد بشكل مطرد.

ومباشرة بعد وقوع أحداث 11 شتنبر داخل العمق الأمريكي, وما تلاها من تزايد الاهتمام الدولي بهذا الموضوع, اختزلت الولايات المتحدة الأمريكية الأسباب التي أدت إلى ذلك في سبب محوري, لخصته في غياب هامش الديموقراطية وحقوق الإنسان في الدول التي ينتمي إليها الضالعون المفترضون في هذه العمليات, ولذلك فقد تقدمت بالعديد من المبادرات والمشاريع باتجاه إدخال إصلاحات على النسق السياسي والاقتصادي والاجتماعي للعديد من الدول التي اعتبرتها شمولية, وبالخصوص في منطقة الشرق الأوسط ومجمل الدول العربية والإسلامية.

فصناع القرار السياسي في الولايات المتحدة, اقتنعوا بأن مشاعر الغضب والإحباط والتطرف, إنما تتغذى من انتشار الفقر وتدني مستوى التعليم وسوء إدارة الدولة, وأن وضع حد للتطرف و"الإرهاب" والأصولية الإسلامية, إنما يتطلب إصلاح أنظمة الحكم في البلدان العربية ونشر الديموقراطية وتحقيق إصلاحات اقتصادية وفتح الأسواق وجذب الاستثمارات وتغيير مناهج التعليم والثقافة, أي تحسين مستوى المعيشة والتعليم والديموقراطية(1).

 وقد لاقت هذه المشاريع التي روجت لها الولايات المتحدة دوليا مجموعة من الردود, تراوحت بين الاستحسان من جهة, والرفض والاستبعاد من جهة ثانية.

ولم تكتف هذه الدولة بالترويج سلميا لهذه الإصلاحات, بل استعملت في سبيل ذلك وسائل إكراهية تنوعت بين الضغوطات السياسية والاقتصادية المختلفة والعمل العسكري المباشر.

في حين نجد هناك إهمالا وقصورا كبيرين وواضحين من قبل هذه الدولة إزاء تعزيز الديموقراطية على مستوى المؤسسات الدولية, بل إن أزمة هذه المؤسسات على اختلافها, وبخاصة على مستوى الأمم المتحدة يعود بالأساس إلى ممارساتها المنحرفة واستغلالها وتجاوزها للمشروعية الدولية, بالشكل الذي يكرس ديكتاتورية هذه المؤسسات أحيانا و عدم جدواها أحيانا أخرى.

 

أولا: "الإرهاب" الداخلي و"الإرهاب" الدولي

 

رغم الإقرار الدولي بمخاطر "الإرهاب", إلا أن تحديد مفهوم دقيق له, اعتراه العديد من الصعوبات والعقبات, وذلك بفعل تباين الرؤى والخلفيات السياسية من هذه الظاهرة, بين مؤكد على اختصار "الإرهاب" في كل أشكال العنف, وبين من يميز بين العنف المشروع والعنف المحرم, وبين من يركز على "إرهاب" الأفراد, وبين من يميزه عن "إرهاب" الدولة.. الأمر الذي  أفضى في نهاية المطاف إلى قصور وعدم فعالية مواجهة هذه الظاهرة, وجعل من استمرارها وتزايد خطورتها أمرا حتميا.

إن أسباب "الإرهاب" الداخلي الذي يقع في حدود الدولة الواحدة, تبدو واضحة في بعض جوانبها, بحيث تعود في غالبيتها إلى الانفراد بالسلطة ووجود قوى معارضة خارج السيطرة أو وجود حركات انفصالية, وغياب أو ضعف قنوات مؤسساتية لتصريف المطالب, وكذا تدني الأحوال الاقتصادية والاجتماعية وضعف التنشئة الاجتماعية والسياسية وغياب أو ضعف القنوات المعنية بهذا الأمر, وبخاصة وأن القائمين بمثل هذه الأعمال يضحون بذواتهم من أجل تحقيق مطالبهم التي يقتنعون بها إلى حد الإيمان, ويعتبرون أنفسهم "نماذج مثالية" في التضحية والإخلاص والشجاعة..

كما أن "الإرهاب" يمكن أن يضرب أي بلد إذا تضافر له وتفاعل في واقعه ونفوس أبنائه العاملان المدمران التاليان(2):

-       هيمنة أجنبية تعصف بمصالح الأمة وكرامتها لأمد طويل ومن دون رادع.

-       أوضاع داخلية متجمدة وعاجزة عن مواجهة العدوان ينخرها الاستبداد والفساد, ظلت بلا تغيير أو تطوير لزمن طويل كذلك.

 ومن جانب آخر, يرى بعض الباحثين أن الفئات المنخرطة في أعمال العنف في السعودية(مثلا) هي في أكثرها عناصر شابة لا تتجاوز أعمارها الخامسة والعشرين.. ذلك أنها نتاج للمدارس أو الجامعات السعودية أو المعاهد التعليمية والمرتبطة أساسا بسياسات التعليم الحكومية(3).

أما "الإرهاب" الدولي الذي يتجاوز في تداعياته وأطرافه حدود الدولة الواحدة, أضحى يثير العديد من الإشكالات في جانبه المرتبط بالأسباب والنتائج والتداعيات.

لقد تزايدت مخاطر "الإرهاب" الدولي في الآونة الأخيرة بشكل كبير, فالقائمون بهذه الأعمال, والذين يقتنعون بأهدافهم والقضايا التي يدافعون عنها ويضعون أرواحهم فداء لها, لا يبالون بحجم الخسائر في الأرواح والممتلكات.. جراء عملياتهم.

 فبعدما كانت معظم هذه العمليات تستهدف في الغالب تفجير بعض المباني والمؤسسات الحكومية وتقتصر على اختطاف الطائرات وخطف الرهائن, بالشكل الذي يجعل نتائجها محدودة الخطورة في الغالب, تطورت وسائلها وأضحى القائمون بها يبدعون سبلا جديدة ويستثمرون الإمكانيات التي تتيحها التكنولوجيا الحديثة من شبكات الطريق العلوي للمعلومات – "الإنترنت" -(4) في الاتصال وتدمير البرامج والمواقع الإلكترونية الحيوية, وصولا إلى توظيف الطائرات المدنية في تدمير مباني ومواقع حساسة, وكذا أجهزة التحكم عن بعد وتقنيات التزوير, ناهيك عن الأسلحة ذات التقنيات العالية.. مما جعلها تخلف خسائر جسيمة, أصبحت تعادل بل وتتجاوز أحيانا نتائج الحروب النظامية المباشرة.

 وقد أثبتت أحداث 11 شتنبر بما لا مجال للشك فيه أن القائمين بمثل هذه الأعمال مستعدون لابتكار أنجع الوسائل والسبل وأغربها, بما فيها التضحية بالذوات, من أجل إلحاق الأذى بالخصوم والفئات المستهدفة في سبيل تحقيق مطالبهم. فمن التهديد باستخدام أسلحة الدمار الشامل والغازات السامة والرسائل المجرثمة(5) إلى استغلال آخر التطورات التكنولوجية في الاتصال..

لقد تميزت العمليات "الإرهابية" في السنوات الأخيرة بمجموعة من الخصائص، حددها البعض في خمسة(6): فهناك ارتفاع نسبة هذه الهجمات التي تستهدف منشآت ومصالح تابعة للولايات المتحدة الأمريكية أو مواطنيها, بحيث تشير بعض الإحصائيات إلى أن مجموع الهجمات على أهداف تابعة للولايات المتحدة, ازداد من 20 بالمائة تقريبا بين العامين 1993- 1995 إلى نحو 50 بالمائة في عام 2000, وارتفاع عدد ضحايا هذه العمليات, وتزايد عدد الجماعات "الإرهابية" التي تعمل عبر العالم كجزء من الشبكات الدولية, ثم تزايد الخوف من استعمال هذه الجماعات لأسلحة كيميائية أو بيولوجية وحتى نووية, وتزايد مخاوف الولايات المتحدة الأمريكية بصفة خاصة من دور بعض الدول التي تدعم "الإرهاب" وترعاه.. والتي ربما تزود الضالعين فيه بأسلحة الدمار الشامل المحظورة.

ولعل هذا ما كان وراء تنامي الوعي الدولي في العقود الأخيرة بأهمية مكافحة هذه الظاهرة, من خلال القيام بإجراءات جماعية مشتركة في إطار من التنسيق والتعاون, غير أن مجمل هذه الجهود سواء في صورها القانونية والاتفاقية والجماعية والميدانية الانفرادية, اتخذت الطابع العلاجي, وانصبت على ما بعد الحادث "الإرهابي", وحتى تلك الجهود الضئيلة المرتبطة بالمعالجة الوقائية غالبا ما قاربت الظاهرة أمنيا(7).

 

ثانيا: "الإرهاب" ومعضلة الديموقراطية في الأقطار العربية

 

يتم ربط الديموقراطية في الغالب بتداول السلطة بشكل مشروع وسلمي, واحترام حقوق الإنسان ونهج الديموقراطية مع القدرة على تدبير الاختلاف..

وباعتماد هذا التعريف ومقاربة الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الأقطار العربية, يتبين منذ الوهلة الأولى أن هذه الدول تعيش أزمة ديموقراطية حقيقية, لا تخلو من تداعيات داخلية وأخرى خارجية.

فبعد سقوط الاتحاد السوفييتي وما تلاه من نهاية للحرب الباردة, هبت رياح التغيير الديموقراطي لتعصف بمختلف الأنظمة التي كانت تسبح في فلك موسكو بدول أوربا الشرقية, قبل أن تنتقل إلى مختلف أقطار العالم بإفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.

وقد كانت الأقطار العربية من ضمن الدول التي دخلت معترك هذه التغيرات بنسب متفاوتة, خصوصا وقد أصبحت قضية الديموقراطية وحقوق الإنسان قضية عالمية, ولم يعد بإمكان الأنظمة المستبدة تجاهل الضغوطات الدولية القائمة في هذا الشأن, وهو الأمر الذي جعل منها رادعا وحائلا, أسهم بشكل ملحوظ في الحد من تمادي هذه الأنظمة في قهر شعوبها وصد كل أبواب المشاركة أمامها لتدبير مختلف شؤونها.

وهكذا بادرت معظم الأنظمة العربية إلى نهج إصلاحات سياسية باتجاه الديموقراطية وتعزيز وضعية حقوق الإنسان العربي. فاستمرار الأنظمة العربية على السير بنفس المسار القمعي كان سيشكل انتحارا جماعيا.. الذي يعني قتل الأفراد وقتل السلطة نفسها في آن واحد(8). وهكذا أعادت دولة الكويت الحياة إلى المؤسسات التشريعية بعد تجميدها لفترة طويلة, وقامت السعودية بتكوين مجلس استشاري, وشهدت الجزائر نوعا من التعددية الحزبية, فيما وصلت المعارضة إلى الحكم في المغرب وتم تعديل الدستور..

غير أن مجمل هذه التغيرات بدت بطيئة وغير شاملة, ولا تعكس في العمق تطلعات الشعوب, بقدر ما ظهرت وكأنها تستهدف تحسين صور وسمعة هذه الدول في الخارج, الأمر الذي ولد مجموعة من الإكراهات الاجتماعية والاقتصادية.. التي لا تخلو في عمقها من تداعيات دولية من قبيل تزايد الهجرة وانتشار التطرف..

وكما سبق الذكر, فبعد أحداث 11 شتنبر التي لحقت العمق الأمريكي, حملت الولايات المتحدة المسؤولية الرئيسية في ذلك إلى غياب الديموقراطية في الدول التي ينتمي إليها الضالعون المفترضون في العمليات, وهي في مجملها دول عربية.

واعتبرت أن تشجيع الممارسة الديموقراطية في المجتمعات المغلقة في الشرق الأوسط يمكنه أن يوفر منظومة من القيم والأفكار التي تشكل خيارا فعالا لاستبدال النمط المتطرف الذي يتمظهر اليوم بمظاهر إرهابية موجهة أساسا ضد مصالح الولايات المتحدة(9). 

لقد اعتبر أحد الباحثين أن ما يفعله القمع الشديد هو إضعاف أو تدمير العناصر المعتدلة في المجتمع, التي يمكنها تحقيق المصالحة, وفي الوقت نفسه تقوية مواقع الباحثين عن النصر الكامل للتطرف.. ومع تفشي الاستياء من الأنظمة السياسية وعدم توافر الفرص السياسية والاقتصادية والبحث عن قضية ينشغل بها الشباب وعن مشجب لتعليق لومهم, وبوجود إعلام سليط معاد لأمريكا, تعتبر منطقة الشرق الأوسط خاصة مرتعا لتفشي الأفكار الإرهابية (10).

ولابد من الإشارة هنا أيضا إلى هيكل قوة القهر في مجمل الأقطار العربية التي تتمثل في النمو السرطاني لأجهزة الحماية (الأمن) الجيش والشرطة والتي تحولت وظيفتها إلى حماية من هم في سدة الحكم, أدى إلى "ترويع المجتمع".., ويستفحل الأمر عندما يستقر في ذهن المجتمع أن "العنف" هو سيد الموقف وهو السبيل الوحيد لأي نشاط سياسي بين السلطة والمعارضة, يسارية كانت أو إسلامية(11), بالشكل الذي يجعل استمرار معظم هذه الأنظمة على الخوف بدل المشروعية.

كما أن الأنظمة السياسية والاجتماعية في الواقع العربي تأخذ المظهر الحداثي مع أنها تنطوي على كل ما يتناقض مع حرية المواطن، وفي هذا الإطار تستمر المنظومة السلطوية موزعة بين النظم الحاكمة والاستخدام المشوه للدين بالإضافة إلى الدرع الإعلامي(12).

ولذلك فقد مارست الولايات المتحدة ضغوطات وإغراءات مختلفة في مواجهة العديد الأنظمة العربية, في سياق حملتها المرتبطة بمكافحة "الإرهاب", تارة عبر تجريم حركات المقاومة في كل من فلسطين ولبنان, وتارة بانتقاد المناهج التعليمية والتربوية التي تفرخ "الإرهاب" من خلال تكريسها لثقافة الجهاد, وتارة أخرى عبر طرح مشاريع إصلاحية باتجاه نهج إصلاحات ديموقراطية وتقديم الوعود بمنح مساعدات اقتصادية ومالية سخية.

في ظل هذه المعطيات أضحت السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تنبني على ثلاثة أسس(13):

"الأول: تقويض أو احتواء الدور السياسي للحركات الإسلامية وتحييد فعلها الأيديولوجي من خلال العمل على إشاعة مناخات إقليمية جديدة أكثر مسايرة لاتجاهات النظام العالمي..

الثاني: هو العمل التدريجي نحو ملأ فراغات السلطة وإعادة تعريف العلاقة بين الأيديولوجيا والمصلحة لصالح الأخيرة..

ثالثا: جعل منطقة الشرق الأوسط بتكوينها الاجتماعي ودورها الجيوسياسي محطة لمزيد من الاختراق الذي تقوم به المنظومة الرأسمالية.."

وإذا كان البعض لم يخف ترحيبه بهذه الإصلاحات في مواجهة أنظمة فاسدة أوصدت كل أبواب الحوار مع الفاعلين السياسيين, وتمكنت من إضعاف هيئات المجتمع السياسي والمدني في الداخل, فإن هناك من اعتبر بأن ما تفضله الولايات المتحدة وتراه مناسبا لدول المنطقة, يتعارض مع ما تتطلع إليه شعوب المنطقة الراغبة في التحديث والتطوير. فالتغيير الذي ترغب الولايات المتحدة في إحداثه – بحسب هذا الرأي الأخير- هو ذلك التغيير "الذي يركز على دفن المفاهيم التربوية والدينية والثقافية التي تزخر بها تجاربنا الفكرية - خاصة الإسلامية - باعتبارها منبت العنف والإرهاب وفق الرؤية الأمريكية, والاستعاضة عنها بالتوجه نحو حزمة جديدة من المفاهيم والمبادئ التي تبدو ظاهريا مجدية ونافعة, ولكنها تنطوي في الواقع على مخاطر كبيرة قد تودي بالحرث والنسل معا"(14).

ويضيف نفس الباحث بأنه على رغم الضعف الذي يعتري الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج, والناجم – أساسا- على البعد عن الثوابت والأسس الفكرية, يصبح من قبيل الانهزامية الانسياق وراء موجة التغيير الأمريكي, باعتبارها أهون من الوضع الحالي, وأنها طوق النجاة الوحيد لما نحن فيه من العبث والترهل, لأنها قد ترتد علينا بما لا تحمد عقباه(15).

إن الأوضاع الاجتماعية المتدهورة المرتبطة بالبطالة والفقر تظل مسؤولة في جزء كبير منها عن تفشي تزايد اعتناق الأفكار المتطرفة, غير أن غياب الديموقراطية داخل بعض الدول لا يعني بالضرورة انتشار "الإرهاب", حيث نجد دولا ديكتاتورية على امتداد أنحاء العالم لم تعرف انتشارا لهذه الظاهرة. بل إن حركات أكثر تطرفا و"إرهابا" نشأت داخل مجموعة من الدول الغربية الرائدة في ممارساتها الديموقراطية كفرنسا وإسبانيا وبريطانيا..

 

ثالثا: ديموقراطية على الطريقة الأمريكية

 

لقد طالبت الولايات المتحدة بضرورة إحداث إصلاحات داخل الأنظمة العربية باتجاه مزيد  الديموقراطية, في سبيل الحد من انتشار التطرف و"الإرهاب", وطرحت مجموعة من المشاريع في هذا الشأن, رغم علمها المسبق بالعداء الذي تكنه الشعوب العربية لسياساتها الظالمة(16).

غير أن الإصلاح الذي تنشده الولايات المتحدة لا يأخذ في جانب مهم منه الحاجيات الحقيقة للشعوب المعنية وخصوصياتها, فهو إصلاح وإن كان يشكل بمثابة إقرار بأزمة الديموقراطية في الوطن العربي, يستهدف بالدرجة الأولى مكافحة "الإرهاب" واستئصال "التطرف", إصلاح يركز على تعديل و"تحديث" المناهج التعليمية الدينية دون غيرها من المناهج التربوية والتعليمية العربية الأخرى التي أثبتت إفلاسها.

إن الولايات المتحدة التي تعلم علم اليقين بأن فتح أوراش حقيقية للإصلاحات الديموقراطية داخل هذه الدول, لن يفرز إلا القضاء على الأنظمة التي طالما سايرتها في مجمل مشاريعها وسياساتها ضدا على إرادة شعوبها, وبالتالي وصول فئات جديدة للحكم لن يكون وفاؤها لأمريكا مضمونا. ولذلك فيمكن أن تكون هذه الديموقراطية المزعومة وتحت ذريعة منع "الإسلاميين المتطرفين" من الوصول إلى الحكم وسيلة لإطالة عمر الأنظمة السابقة من خلال حثها على اتباع بعض "الرتوشات" المحدودة الأثر على الأوضاع الداخلية المزرية. 

إن الإصلاح الديموقراطي الحقيقي في الوطن العربي, لا ينبغي أن يرتبط بمشاريع إصلاحية أمريكية, بقدر ما يجب أن يرتكز على الإنصات إلى نبض الشارع العربي وتحسين الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بهذه البلدان, بعيدا عن كل إملاءات خارجية لا تحقق إلا مصالح مروجيها.

ومع ذلك, فإن أهم ما حملته هذه المشاريع الأمريكية هو أنها فتحت ملف التغيير في العالم العربي, وكشفت للعالم أزمة الديموقراطية التي تغرق فيها مختلف الأقطار العربية, ووضعت مجمل الأنظمة العربية في حرج دولي وداخلي كبير, ولذلك ينبغي استثمارها – المشاريع- بشكل محسوب وذكي للضغط على الأنظمة العربية التي تطوق أبواب التغيير الداخلي بسياج من حديد, من خلال حثها على فتح المجال أمام مختلف الفاعلين داخليا, لبلورة تصورات ومشاريع إصلاحية ديموقراطية حقيقية, قبل أن تفرض عليها هذه "الإصلاحات" بشكل ما من الخارج.

والجدير بالذكر أن الولايات المتحدة التي طالما تذرعت وتشدقت بالدفاع عن الديموقراطية وحقوق الإنسان, هي نفسها التي ساعدت عدة أنظمة في قمع شعوبها تحقيقا لمصالحها, وساعدت على إسقاط العديد من الأنظمة المنتخبة ديموقراطيا, بل أكثر من ذلك ومباشرة بعد أحداث 11 شتنبر قامت بخرق هذه الحقوق داخل ترابها وبأبشع الصور, وكشفت حجم الهوة الفاصلة بين الخطابات والشعارات التي ترفعها "رائدة وحامية الديموقراطية في العالم" -الولايات المتحدة -, بصدد الحرص على نشر الديموقراطية وحقوق الإنسان بمختلف أرجاء العالم, - سواء عبر السبل الترغيبية من خلال تقديم المساعدات وتثمين سياسة الدول في هذا الصدد بواسطة تقارير دورية وسنوية تصدرها بهذا الخصوص, أو عبر طرق زجرية تتأرجح بين تشويه صورة الدول عبر تقارير, أو فرض عقوبات اقتصادية, وسياسية بل وعسكرية أحيانا- وبين ممارساتها الميدانية.

لقد تبين أن خطاب "الإصلاح الديموقراطي" الذي رفعته الولايات المتحدة كشعار في العديد من المناسبات, يحمل بين طياته العديد من الخلفيات السياسية, فهذه الدولة التي تذرعت بتحرير العراقيين من "غطرسة" نظام البعث, هي نفسها التي أغرقت العراق في جحيم من الفوضى والاضطراب, وتعمل على زرع الفتنة الطائفية والعرقية والدينية في أوساط العراقيين, وهي التي ارتكبت وترتكب أقسى الجرائم في حق العراقيين على امتداد أكثر من عقد ونصف من الزمن, بدءا بحرب الخليج الثانية ومرورا بفرض حصار جائر على الشعب العراقي وما تخلله من عمليات عسكرية ظالمة ثم وصولا إلى احتلال هذا البلد وممارسة المذابح في حق سكانه..

لقد تبين منذ أحداث الحادي عشر من شهر شتنبر 2001, أن الولايات المتحدة نهجت مسلكا جديدا في التعامل مع ملفات حقوق الإنسان, فمن رفع الشعارات التي كانت تصور هذا البلد "كوصي" على حقوق الإنسان في العالم, انتقلت بشكل لافت إلى خرق هذه الحقوق والإجهاز على الحريات, سواء داخل ترابها أو في الخارج, باسم "محاربة الإرهاب", بحيث لم تتردد في التضييق على حرية تحرك وسفر العديد من الأمريكيين, وتوقيف المشتبه فيهم لمدة طويلة بدون توجيه أي تهم إليهم ولا إجراء أية محاكمة لهم, مع منعهم من اللقاء بمحاميهم, وخرق سرية المكالمات الهاتفية والمراسلات البريدية والاتصالات عبر "الإنترنت", واقتحام البيوت من أجل القيام بعمليات تفتيشية تعسفية دون إذن قضائي, وذلك تحت شعار:"حريات أقل من أجل وضع أمني أفضل". ناهيك عن الضغوط المفروضة على وسائل الإعلام الأمريكية للحيلولة دون تسليط الضوء على العديد من القضايا والحقائق المهمة وتقديمها للشعب الأمريكي بأمانة(17).

ففي سابقة خطيرة اتخذ الرئيس الأمريكي جورج "بوش الابن" إجراء صارما يتم بموجبه حجب المعلومات العسكرية عن أعضاء الكونغرس الأمريكي (السلطة التشريعية).

ومن جهة أخرى تم تجميد العديد من الأموال المتواجدة بأمريكا لمختلف الأشخاص والجمعيات الخيرية لمجرد الاشتباه في علاقتهم/ها بـ"الإرهاب"، كما حملت السياسة الأمريكية الجديدة مظاهر خطيرة أخرى أساءت لحقوق الإنسان والشعوب, بعد أن نهجت سياسة تجريم العمل النضالي المشروع ضد المحتل, وألحت على عدم التمييز بين المكافح لنيل الحرية والانعتاق من جهة و"الإرهابي" المجرم من جهة ثانية, متذرعة في ذلك بكون "الإرهاب" كمظهر من مظاهر العنف لا يحمل قضية سامية, وليس له وجه إيجابي (مشروع) وآخر سلبي (محظور).

كما أظهر الشكل المهين الذي تعاملت به الولايات المتحدة مع معتقلي "غوانتانامو", مدى التنكر واللامبالاة الذين تقابل بهما مختلف الاتفاقيات الدولية, المرتبطة بالقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان.

وأكثر من ذلك, فإن هذه السلوكات شجعت العديد من الأنظمة في مختلف أرجاء العالم على السير في نهج الولايات المتحدة الأمريكية بالإجهاز على حقوق المواطنين, وتجريم المقاومة ووصمها بـ"الإرهاب".

ففي السادس عشر من شهر يناير 2002 حذرت منظمة مراقبة حقوق الإنسان "هيومان رايتس ووتش" في تقريرها السنوي, من أن الحملة الأمريكية على "الإرهاب" أوحت إلى الكثير من حلفائها بالتراجع عن الحريات المدنية الأساسية لتحقيق أغراض سياسية, وأفاد نفس التقرير أن العديد من الحكومات أصبحت تعتبر صراعاتها الداخلية على أنها حربا على "الإرهاب"، كما أن العديد من الأنظمة الغربية اتخذت عدة إجراءات استثنائية تندرج ضمن هذا الإطار عقب هذه الأحداث.

ومما لا شك فيه أن المسؤولين في الإدارة الأمريكية, شكلوا نموذجا رديئا للقوات العسكرية الأمريكية من خلال اتخاذهم لقرارات لا تأخذ في الحسبان إلا المصالح الأمريكية الضيقة, ولو كان ذلك على حساب مصالح وحقوق وحريات الشعوب الأخرى. فماذا ننتظر من جندي أمريكي أمام التصريحات المستفزة لبوش إزاء القضية الفلسطينية وعدم تجريم السلوكيات الإرهابية الإسرائيلية المستمرة إزاء الفلسطينيين وقادتهم؟ وماذا ننتظر منه أيضا أمام تصريح رئيسه بأن "شارون" هو رجل سلام؟ بل ماذا ننتظر منه أمام نظام اعتدى على بلد – العراق- وعلى شعب, في تنكر صارخ لكل القيم الإنسانية والشرائع السماوية والاتفاقيات والقوانين الدولية, وقطع للطريق على كل جهود الأمم لمتحدة وأطراف المجتمع الدولي نحو تسوية عادلة للمشكل؟

إن هذه الممارسات التي لا يشكك أحد في انتمائها لجرائم حرب وضد الإنسانية, تشكل خرقا سافرا لمبادئ القانون الدولي الإنساني وبخاصة لاتفاقيات جنيف, ولا تتطلب فقط عزل المسؤولين المباشرين عنها وإبداء الاعتذار والأسف والإدانة بشأنها, بقدر ما تلزم تعريضهم لمحاكمات صارمة رفقة المسؤولين الأمريكيين السياسيين منهم والعسكريين الذين دفعوا بهم للتواجد في بلد ضدا على كل القوانين والاتفاقيات الدولية(18).

ولعل هذا الأمر هو الذي دفع بالولايات المتحدة إلى إبداء معارضتها الشديدة على إنشاء المحكمة الجنائية الدولية الدائمة, ورفض ولايتها على جنودها.

إن تورط الجيش الأمريكي في اقتراف هذه السلوكات المذلة التي لا تعد استثناء ضمن ممارساته بكل تأكيد, هو أمر يحيل على الفزع والهلع, وذلك بالنظر إلى التدخلات العسكرية الأمريكية العديدة على امتداد مناطق مختلفة من العالم تحت ذرائع شتى, من بينها فرض "إصلاحات ديموقراطية" والحث على احترام "حقوق الإنسان".., ونعتقد أن جهل أو تجاهل أكبر وأقوى جيش في العالم - قادر على خوض وحسم حربين كبيرتين في منطقتين مختلفتين من العالم في نفس الوقت - للاتفاقيات الدولية المرتبطة بالقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان, هو أمر خطير ومخجل ومقرف إلى أبعد الحدود(19).

إن رفض المشاريع الديموقراطية الأمريكية(20), لا ينبغي أن يكون مطية لرفض أي إصلاح ديموقراطي تقوده مختلف الفعاليات الداخلية وذريعة للتواري خلف مخاطر التدخلات الأجنبية المغرضة, لصد كل أبواب الإصلاح الذي أصبح يفرض نفسه بقوة في ظل التحديات الداخلية والخارجية, بقدر ما ينبغي أن يحفز على اتخاذ بدائل أكثر ملاءمة وفعالية, وذلك بالإنصات إلى الهموم والتطلعات الحقيقية للشعوب, وبالتالي قطع الطريق على كل المبادرات التي تستهدف تحقيق مصالح طارحيها بالدرجة الأولى.

 

رابعا: "الإرهاب" الدولي وأزمة المؤسسات الدولية

 

من المعروف – نظريا - أن المؤسسات الدولية بمختلف تخصصاتها وانشغالاتها أحدثت بالأساس من أجل المساهمة في حفظ السلم والأمن الدوليين بشكل وقائي أو علاجي, وإرساء الاستقرار داخل المجتمع الدولي الذي مر بالعديد من الحروب العنيفة والمدمرة.

فعقب الحرب العالمية الثانية وما خلفته من دمار لحق البيئة والمعمار والإنسان والعتاد, تنبه المجتمع الدولي آنذاك إلى أهمية هذه المؤسسات كآليات للتنسيق بين الدول في مختلف المجالات باتجاه تعزيز التعاون, وخلق فضاء دولي قوامه السلم والأمن, وفي هذا الصدد تأسست عصبة الأمم التي شكل اندلاع الحرب العالمية الثانية بمثابة تأبين لها, قبل أن تحاول الأمم المتحدة الاستفادة من بعض أخطائها.

ومنذ ذلك الحين وظاهرة التنظيم الدولي تتطور بشكل كبير وتتكاثر على امتداد أنحاء مختلفة من العالم بأشكالها الحكومية وغير الحكومية, العامة والمتخصصة, الدولية والإقليمية, حيث أضحت طرفا مهما وفاعلا في العلاقات الدولية إلى جانب الدول..

 وعلى الرغم من مجهوداتها ودورها في تعزيز الروابط بين الدول وتكريسها للعالمية من خلال تنوع أعضائها, فإنها لم تكرس هذه العالمية من حيث الاستفادة العادلة من خدماتها.

ولعل الممارسات الدولية تظهر بصفة لا لبس فيها أن هذه المؤسسات الدولية على اختلاف تخصصاتها وأهدافها والتي وجدت بقصد التعاون الدولي وتحقيق الأمن والسلم والرخاء الدولي, أضحت في واقع الأمر مجرد أدوات تخدم مصالح الأقوياء وعلى رأسها الولايات المتحدة بفعل تغييب البعد الديموقراطي داخلها.

 إن المؤسسات الاقتصادية التي تأسست باسم التنسيق الاقتصادي بين الدول ومساعدتها على تجاوز مشاكلها وأزماتها الاقتصادية والمالية العادية والطارئة, أصبحت وسيلة للاستغلال الفاحش وتعميق الجروح الاقتصادية للدول الفقيرة, عبر إثقالها بالديون والشروط السياسية المجحفة. فالبنك الدولي يقدم قروضا للدول في مقابل فرض سياسات اقتصادية تعسفية تهدف إلى جعل اقتصادها الوطني مهيئا لاختراق الرساميل الأجنبية, الأمر نتج عنه تباين صارخ بين شمال غني وجنوب فقير. كما أن غالبية المؤسسات الدولية الحكومية وغير الحكومية المرتبطة بحماية حقوق الإنسان, أضحت آليات لتصفية الحسابات مع الدول, من خلال التركيز على الخروقات التي تعرفها هذه الحقوق في دول, وغض النظر عن مثيلاتها وربما التي تتجاوزها خطورة في مناطق أخرى. فقد كشفت تدخلاتها وممارساتها أنها قادرة على انتقاد الضعفاء - فقط - في العديد من الحالات. فالخروقات التي ارتكبتها الولايات المتحدة في ضربها للمدنيين أثناء تدخلها العسكري في أفغانستان سنة 2001 والممارسات اللاإنسانية التي طالت المعتقلين في معتقلات "غوانتانامو" وغيرها من المعتقلات الأمريكية, أو عند احتلال العراق وما واكب ذلك من تشريد وقتل للأطفال والنساء والشيوخ وقصف للمناطق والمنشآت المدنية وما تلاه من ممارسات مشينة في حق السجناء العراقيين في سجن "أبي غريب" أو غيره, وكذا الممارسات الإجرامية اليومية التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي في حق الشعب الفلسطيني.. لا تقابل بنفس الصرامة والحزم والتشهير الذي يقابل به مثلا اعتقال دولة عربية لمعارض أو استهداف منشأة أو مجموعة "إسرئيلية" داخل الأراضي المحتلة من قبل منتفضين فلسطينيين أو اختطاف رهائن من قبل "المقاومة" العراقية أو تطور يلحق بقضية "دارفور"(21)..

أما المؤسسات السياسية الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة التي أنشئت أساسا لحفظ السلم والأمن الدوليين ولتلافي الحروب التي جرت على الإنسانية دمارا وخرابا كبيرين, وبفعل الضغوط التي غالبا ما تمارس عليها من قبل الولايات المتحدة, أضحت مؤسسات شكلية تفتقد لكل استقلالية, بل إن قراراتها تأتي في كثير من الأحوال امتدادا للسياسة الخارجية لهذه الدولة وفي مواجهة الدول الضعيفة فقط, وأكثر من ذلك فإنها ظلت مشلولة أمام العديد من القضايا والأزمات الدولية التي كانت تتطلب تدخلات عاجلة, وذلك بفعل استعمال "الفيتو" الأمريكي أو التهديد باستخدامه, كما هو الشأن بالنسبة للقضية الفلسطينية والأزمة "الشيشانية" ومجمل النزاعات في إفريقيا.. وحتى تلك القرارات التي تمكنت هذه المنظمة من استصدارها بعد جهد جهيد, تظل في الكثير من الأحوال حبيسة الرفوف ولا تتاح لها إمكانية التنفيذ بفعل غياب الإمكانيات المادية لذلك من جهة, وغياب الإرادة السياسية لمعظم القوى الدولية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى.

وفي هذا الصدد أضحى مجلس الأمن الذي يشكل الجهاز التنفيذي لقرارات الأمم المتحدة والمسؤول الرئيس عن حفظ السلم والأمن الدوليين, مجرد آلية لتهديد الدول والاعتداء على شعوبها, من خلال فرض العقوبات المختلفة و منح الضوء الأخضر للتدخلات العسكرية باسم المشروعية الدولية, وأكثر من ذلك, فهذا الجهاز أصبح بفعل الضغوط الأمريكية واستثمار هذه الدولة لإمكانياتها العسكرية والسياسية والاقتصادية والديبلوماسية(22) الهائلة داخله, يتجاوز اختصاصاته السياسية المنصوص عليها في الميثاق الأممي إلى اختصاصات بعض أجهزة الأمم المتحدة الأخرى, مثلما هو الشأن بالنسبة للجمعية العامة ومحكمة العدل الدولية (23) ثم التدخل أيضا في مجالات تعد من صميم الاختصاص الداخلي للدول, مثلما هو الشأن بالنسبة لقضية "لوكربي" التي طالب فيها ليبيا بتسليم مواطنيها لدولة أخرى..

وعلى سبيل المثال, فمباشرة بعد وقوع أحداث 11 شتنبر, تبنى مجلس الأمن قراره رقم 1368 بالإجماع وبعده مرور أقل من شهر جاء القرار 1373 الذي يلزم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وعددهم 191 عضوا, بسن قوانين واتخاذ إجراءات عملية لمنع أية أنشطة "إرهابية" مستقبلا وذلك دون التمييز بين العنف المشروع ونظيره المحرم(24).

فيما بلغ عجز الجمعية العامة التي يفترض أن تكون القلب النابض للأمم المتحدة ذروته في السنوات الأخيرة, بفعل التهميش الذي طالها, بعدما أضحت هذه الأخيرة شبه عاجزة عن التحرك الدولي لمواجهة الأزمات والقضايا الدولية المطروحة, وتتبرأ من قراراتها الشرعية السابقة، ففي سنة 1991 تمكنت الولايات المتحدة من قيادة حملة ناجحة لإلغاء قرار هذه الجمعية و القاضي باعتبار الصهيونية شكلا من أشكال التمييز العنصري، بل إن العديد من الدول العربية صوتت لصالح هذا الإلغاء.

أما حركة عدم الانحياز التي نشأت في ظل الحرب الباردة كرد فعل على تداعياتها السلبية على شعوب العالم, والتي سبق وأن احتضنت العديد من القضايا الدولية العادلة وساندتها في العديد من قراراتها ولقاءاتها, أصيبت بدورها بما يشبه الاضطراب والحيرة والبحث عن مبرر للبقاء, بعد زوال أهم مرتكز لنشأتها وهو ظروف الحرب الباردة التي زالت بزوال الاتحاد السوفيتي.

ويمكن اعتبار عدم فعالية هذه المؤسسات في انتزاع حقوق الضعفاء في مواجهة الأقوياء, هو بمثابة إغلاق لباب تصريف المشاكل والمطالب وحل المنازعات بشكل ودي وقانوني وعادل, الأمر الذي يسهم إلى حد بعيد في اتباع سبل وبدائل أخرى قد تكون لا مشروعة وأكثر عنفا ودموية لتحقيق المطالب.

والحقيقة أنه إذا كانت مواجهة العنف السياسي الداخلي تتطلب من جهة اتباع إصلاحات اقتصادية واجتماعية وسياسية, فإن مكافحة "الإرهاب" الدولي تتطلب تنسيقا تعاونيا ووديا, تشارك فيه جميع الدول, مع إعادة الاعتبار للمؤسسات الدولية, من خلال تفعيلها والحد من التأثير في مصداقيتها, هذا بالإضافة إلى احترام القانون الدولي من كل أطراف المجتمع الدولي واتباع حل ودي عادل لكل القضايا والأزمات الدولية بكل أشكالها, سواء ارتبطت بمصالح الأقوياء أو الضعفاء.

ولعل من شأن ذلك أن يفوت الفرص على كل من يتاجر بالقضايا الدولية, وبالتالي سيوفر سبلا عادلة ومقبولة لحل الخلافات والأزمات, ويقطع الطرق على استقطاب الشباب لارتكاب العنف باسم الدفاع عن القضايا العادلة.

 

خامسا: "الإرهاب" الدولي والسياسة الأمريكية الخارجية

 

إن السلوكات الاستفزازية التي تنهجها الولايات المتحدة عبر سياساتها الجائرة في العديد من المناسبات الدولية, والتي تصل أحيانا إلى حد تعطيل عمل المؤسسات الدولية وقطع الطريق أمام تدخلاتها المشروعة, يعد في حد ذاته عملا عنيفا ويحرض على انتشار ظاهرة "الإرهاب" في مواجهتها.

ففي سنة 1985 كانت الولايات المتحدة وحدها هدفا ل 40 بالمائة من جميع عمليات العنف السياسي التي وقعت في العالم. وبدلا من أن تبادر هذه الدولة إلى إعادة النظر في حساباتها السياسية لمعالجة أسباب هذا العنف, فإنها حاولت التصدي للظاهرة الإرهابية دون ملامسة الجوهر الذي يمليها ويفرضها فرضا (25).

 عندما أقدمت الولايات المتحدة على التدخل في نيكاراغوا خلال سنوات الثمانينيات من القرن المنصرم، لم يكن بإمكان هذه الدولة الضعيفة أن تدخل في مواجهة عسكرية مباشرة معها أو المغامرة بترتيب تفجيرات في العمق الأمريكي, ولذلك نهجت سبلا قانونية لانتزاع حقوقها, وهكذا رفعت قضيتها إلى محكمة العدل الدولية بلاهاي التي أنصفتها وأمرت الولايات المتحدة أن توقف عدوانها وتدفع تعويضات هامة, غير أن أمريكا ردت على الحكم باستخفاف كبير وصعدت على الفور من هجومها.

ثم التجأت نيكاراغوا بعد ذلك إلى مجلس الأمن, الذي قرر دعوة الدول إلى المحافظة على القانون الدولي, غير أن أمريكا وحدها استعملت حق الاعتراض, ثم التجأت إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ونجحت في استصدار قرار مماثل عارضته الولايات المتحدة وإسرائيل لسنتين متتاليتين.

 وفي هذا الصدد يقول تشومسكي: هذه هي الطريقة التي يتوجب على الدول أن تتبعها, لو كانت نيكاراغوا دولة قوية لأقامت محكمة جنائية أخرى(26). 

ويضيف بأن الولايات المتحدة هي البلد الوحيد الذي أدانته محكمة العدل الدولية بسبب إرهاب الدولة, وهي الوحيدة التي رفضت قرار مجلس الأمن الذي يناشد الدول للتمسك بالقانون الدولي(27).

وخلال حرب الخليج الأولى عملت هذه الدولة - من خلال حشدها لقوات هائلة في المنطقة وتصعيد الأمور - على سد كل السبل أمام تسوية ديبلوماسية وسلمية للأزمة, بالشكل الذي جعل الأمم المتحدة مجرد متابع للتطورات قبل أن تزكيها في آخر المطاف.

وإذا كانت هذه الدولة قد اختارت موقف المهادنة والمرونة في مواجهة الطرف الكوري الشمالي الذي تتهمه بحيازة وتطوير أسلحة محظورة.. أو اتباع مسلك استثمار إمكانياتها داخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن على الخصوص في استصدار العديد من القرارات مصحوبة بعقوبات انفرادية ودعاية إعلامية وتحريض دوليين, والتي توخت الضغط من خلالها على بعض الدول الأخرى, كما هو الشأن بالنسبة لسوريا التي طالبتها عبر قرار من مجلس الأمن المجلس (1559) بالانسحاب من لبنان, أو السودان الذي اتهمته بالتمادي في ارتكاب مجازر ضد سكان دارفور, أو تحريض المجتمع الدولي دولا ومؤسسات على إيران بذريعة تطويرها لبرامج أسلحة الدمار الشامل.. فإنها فضلت من جهة أخرى نهج منطق التدخل العسكري المباشر في كل من أفغانستان والعراق, في سياق تنفيذ استراتيجيتها الجديدة المرتبطة بالضربات الوقائية, كآلية جديدة للتخلص من كل الأصوات الرافضة لسياساتها.

ويهدف هذا الأسلوب الجديد الذي تعتبره الولايات المتحدة شكلا من أشكال الدفاع الشرعي الفردي والجماعي عن النفس المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، إلى توجيه ضربات عسكرية مسبقة إلى كل هدف يعتقد أنه يشكل خطرا آنيا أو مستقبليا على مصالحها، سواء كان دولة أو شخصا أو منظمة أو منشأة أو آلية.

ومعلوم أن هذه الاستراتيجية تؤسس لمرحلة دولية جديدة سمتها الفوضى التي هي في صالح تكريس الهيمنة الأمريكية دوليا. بحيث أن بإمكان هذه الاستراتيجية أن تشجع بعض الدول على الاعتداء على دول أخرى تحت ذرائع مختلفة, وبالتالي تكريس اللجوء إلى القوة العسكرية كسبيل لتسوية الخلافات(28)..

لقد اعتبرت الولايات المتحدة في البداية أن نهج سياسة العقوبات وممارسة مختلف الضغوطات, بإمكانه أن يؤدي إلى الحد من دعم بعض الدول للحركات "الإرهابية", وبخاصة بعد نجاح التجربة مع النظام الليبي الذي تجاوز في إرضائه لأمريكا الإقرار بالمسؤولية في حادث "لوكربي" والتخلي عن دعم بعض الحركات الفلسطينية المناهضة لاتفاقيات السلام ومنظمة الجيش الأيرلندي, إلى الاعتراف بامتلاك أسلحة دمار شامل والقبول بتدميرها على الفور. ولعل هذا ما شجع هذه الدولة على إعادة نفس السيناريو مع العديد من الدول التي تعتبرها آخر قلاع لرفض هيمنتها وسياساتها, مثلما هو الشأن بالنسبة لأفغانستان والسودان وإيران والعراق وسوريا, طبعا مع اختلاف كبير ومتباين في طريقة مقاربة كل ملف على حدة.

إن الضربات الوقائية التي ابتدعتها الولايات المتحدة في إطار حملتها على "الإرهاب" تجد جذورها في الممارسات الأمريكية والإسرائيلية منذ عدة سنوات خلت. فخلال سنوات الثمانينيات من القرن المنصرم, ذكر الوزير الأمريكي "شولز" أنه ينبغي على الولايات المتحدة ليس فقط أن ترد على العنف الإرهابي, بل أنه ينبغي أن لا تمتنع عن توجيه ضربات وقائية لإحباط الهجمات الإرهابية مسبقا, رغم أن مثل هذه الهجمات يمكن أن تتسبب في وقوع إصابات مدنية بريئة(29).

كما يعتبر العدوان الذي شنته الطائرات الإسرائيلية على مقر القيادة الفلسطينية في بيروت وفي تونس وقصف المفاعل النووي العراق في بداية الثمانينيات من القرن المنصرم شكلا من أشكال هذه الضربات.

ومن جهة أخرى, يمكن اعتبار الدعاية التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة العديد من الدول بمثابة عمل إرهابي, بل يعتبرها الباحث Giorgi Arbatov أعمالا تجسد واحدة من أكثر الوسائل عدوانية في السياسة الخارجية التي تنهجها بعض الدول, وهذه الأعمال, بموجب هذه الصفة, ليست سلاحا للإقناع بقدر ما هي سلاح للتأثير والضغط السياسي والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى(30).

إن "الإرهاب" الذي لحق بالولايات المتحدة في عقر دارها وأصاب مصالحها الحيوية, هو نتيجة حتمية وموضوعية أيضا للسياسة الأمريكية ذاتها المتبعة تجاه مختلف القضايا والأزمات الدولية, فقد كان من المنطقي وأمام إقدام هذه الدولة على التدخل بشكل زجري في مختلف بقاع العالم, تحت ذرائع مختلفة سواء في أفغانستان واحتلالها للعراق وممارسة أقسى مظاهر خرق حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني بمختلف أنحاء العالم(31), والامتناع عن توقيع عدة اتفاقيات دولية حيوية كبروتوكول "كيوتو" الخاص بالحد من انبعاث الغازات الحابسة للحرارة, وكذا الانسحاب من اتفاقيات أخرى, مثلما هو الشأن بالنسبة لاتفاقية الصواريخ البالستية ABM ومن مؤتمر "دوربن" حول التمييز العنصري ومعارضة إقامة المحكمة الجنائية الدولية الدائمة, والتواطؤ المستمر مع إسرائيل في جرائمها اليومية في الأراضي الفلسطينية المحتلة, وتصنيف الدول بشكل تعسفي إلى محور للخير وآخر للشر, أن يتزايد الشعور بالكراهية لسياسة هذه الدولة ويتناسل بذلك "الإرهاب" كوسيلة للتعبير عن رفض هذه السياسات, أمام الصمت والمجاملة التي تفرضه هذه الدولة على مختلف الأنظمة التي ينتمي إليها الضالعون في هذه العمليات(32).

 

سادسا: القضية الفلسطينية و"قدر" الاعتراض الأمريكي

 

تعد القضية الفلسطينية نموذجا حيا ضمن القضايا الدولية العادلة التي تأثرت سلبا بالسياسة الخارجية الأمريكية على امتداد عدة عقود من الزمن.

كانت هذه القضية من ضمن أولى القضايا الدولية الساخنة التي طرحت داخل أروقة منظمة الأمم المتحدة منذ تأسيسها سنة 1945, وشكلت تحديا واختبارا كبيرين لمصداقية هذه الهيئة ومبادئها وأهدافها، حيث أصدرت هذه الأخيرة في حقها العديد من القرارات والتوصيات, سواء من قبل مجلس الأمن أو الجمعية العامة والتي يضيق المجال هنا لاستحضارها وذكرها (قرارات مجلس الأمن 242 و338.. وقرارات الجمعية العامة 3089 و3236 و2646 و2672..), وكلها تشكل سندا ومرتكزا لتأكيد الحقوق الفلسطينية المشروعة.             غير أن هذه القرارات وغيرها أضحت بلا فعالية, لكونها لم تكن في أغلب الأحوال مصاحبة بإجراءات ميدانية لتنفيذها, هذا زيادة على تداعيات استعمال حق الاعتراض (الفيتو) الأمريكي (بسوء نية) داخل مجلس الأمن على مجمل القضايا العربية وعلى رأسها قضية فلسطين, جراء اشتداد الحرب الباردة التي انتقلت مظاهرها إلى داخل هذا الجهاز المسؤول عن حفظ السلم والأمن الدوليين, بالشكل الذي شل حركته زهاء نصف قرن من الزمن.

 فما بين سنة 1948 وسنة 1989 أصدرت الجمعية العامة ومجلس الأمن 300 قرار إدانة لإسرائيل, إلا أن هذه الأخيرة لم تبال بذلك, نظرا للحماية التي كان يوفرها لها حق النقض الأمريكي داخل المجلس، وفي المدة نفسها أدانها هذا الأخير 46 مرة كان بالإمكان أن ترتفع إلى 68 إدانة لو لم تستعمل الولايات المتحدة حقها في الاعتراض لمصلحتها.

وقد ظلت الولايات المتحدة وفية لإسرائيل داخل مجلس الأمن حتى بعد انتهاء الحرب الباردة وما تمخض عنه من بروز توافق بين أعضاء المجلس, حيث استعملت حق الاعتراض في مناسبات عدة, لمنع إصدار قرارات تدين الممارسات الإسرائيلية الخطيرة المستمرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة, أو القاضية بإرسال بعثات أممية لتقصي الحقائق في مجازر عديدة ارتكبتها سلطات الاحتلال في حق الفلسطينيين.  

وفي هذا الصدد يتساءل نعوم تشومسكي: لماذا كل هذه المساعدات لإسرائيل, طالما أن قانون المساعدات الخارجية منذ سنة 1977 يحرم تقديمها لأية دولة تطور سلاحها النووي(33)؟.

وبعد أحداث 11 شتنبر تزايدت التحديات والمخاطر التي أضحت تلاحق القضية الفلسطينية بسبب هذه السياسات الأمريكية الجائرة, بعدما اعتبرت الولايات المتحدة الحركات الفلسطينية المقاومة مجرد حركات "إرهابية" وطالبت بحلها. وبفعل الضغوط التي صارت تمارسها هذه الدولة على مختلف المنظمات الدولية والإقليمية والدول, أصبح مصطلح المقاومة الذي شرعته القوانين الدولية وقرارات المنظمات الدولية شبه مغيب واختلط مع "الإرهاب". وأكثر من ذلك فالرئيس الأمريكي "بوش الابن" تبنى موقف "شارون" القاضي بالإطاحة بالرئيس الراحل ياسر عرفات من السلطة بعد اعتباره شريكا غير مناسب لعقد السلام, في حين وصف "شارون" بأنه "رجل سلام", وعمد أيضا إلى قلب المعادلة الحقيقية بالقول إن "الإرهاب" هو الذي يجبر إسرائيل على الإبقاء على الاحتلال وليس الاحتلال هو الذي يولد المقاومة و"الإرهاب". ومن جانب آخر وقع أيضا على قرار الكونغرس القاضي باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل ليصبح قانونا ساري المفعول, وذلك في انحراف صارخ بدور الولايات المتحدة كراعية للسلام في المنطقة من جهة, وخرق لمبادئ القانون الدولي وقرارات المشروعية الدولية ذات الصلة من جهة أخرى.

كما أن الولايات المتحدة الأمريكية مارست ضغوطات كبيرة للحيلولة دون استصدار رأي استشاري حول الآثار القانونية التي يمكن أن تترتب عن قيام إسرائيل بإنشاء جدار عازل داخل الأراضي المحتلة.

ونتساءل في هذا الصدد: ألا تعتبر هذه السلوكات الأمريكية بمثابة تحريض وتشجيع على اللجوء إلى العنف غير الرسمي بما فيه "الإرهاب", وبخاصة وأنها- أمريكا- تمتلك القوة العسكرية اللازمة لحسم أية مواجهة عسكرية نظامية؟

إن هذا التحليل لا يصب في الإقرار بمشروعية العمليات "الإرهابية" تحت أي سبب أو ذريعة, بقدر ما يكشف عن مكامن الخلل والانحراف في السياسة الأمريكية وأزمة المؤسسات الدولية والتأكيد على ضرورة إصلاحهما ودمقرطتهما, درءا لمثل هذه المخاطر, وبخاصة وأن القضاء على ظاهرة "الإرهاب" الدولي تتطلب الوقوف بشكل صريح وشجاع على كل الأسباب الحقيقية التي تقف خلفها..

ستظل جل المحاولات التي تمت حتى الآن في سبيل مكافحة "الإرهاب", قاصرة عن تحقيق الأهداف المنشودة, رغم اللقاءات والمؤتمرات الدولية الكبرى التي عقدت وتعقد في هذا الشأن, طالما ظلت تركز بالأساس على المقاربات الأمنية(34) ودون الوقوف على الأسباب الحقيقية والموضوعية التي تغذي هذه الظاهرة.

 ذلك أنه مهما تطورت وتكاثفت الجهود الأمنية للدول, والتي تتوخى من خلالها القضاء على هذه الظاهرة, ستصطدم حتما بالابتكارات والاجتهادات الموازية التي يبتدعها القائمون بهذه الأعمال.

فإذا كانت مواجهة العنف السياسي الداخلي تتطلب من جهة اتباع إصلاحات اقتصادية واجتماعية, باتجاه تحسين أحوال المواطنين في هذا المجال للحد من استغلال هذه الإكراهات  لجر الشباب العاطل والمتذمر لارتكاب أعمال عنيفة, واتباع إصلاحات سياسية باتجاه توسيع هامش الحريات, والمشاركة في تدبير الشؤون العامة, وجعل القانون فوق الجميع حكاما ومحكومين, وفتح المجال أمام مختلف القنوات من إعلام وجامعات وأحزاب ونقابات ومنظمات المجتمع المدني لاستيعاب مطالب المواطنين, والمساهمة الفعالة في تنشئة سياسية واجتماعية صالحة تتركز حول المواطنة, وصد كل القوى المتطرفة ذات الأفكار الهدامة- لأن نهج الديموقراطية ليس أمرا حاسما في الحد من هذه الآفة من المجتمع ما لم ترتبط بتنمية اقتصادية واجتماعية-, فإن مكافحة "الإرهاب" الدولي تتطلب تنسيقا تعاونيا ووديا تشارك فيه كل الدول, مع إعادة الاعتبار للمؤسسات الدولية من خلال تفعيلها والحد من التأثير في مصداقيتها, هذا بالإضافة إلى احترام القانون الدولي واتباع حل ودي وعادل لكل القضايا والأزمات الدولية, سواء ارتبطت بمصالح الأقوياء أو الضعفاء.

إن من شأن هذه الإجراءات أن تضع حدا صارما لنهج سبل العنف و"الإرهاب" كوسيلة لتحقيق المطالب, كما من شأنه أن يفوت الفرص على من يتاجر بالقضايا الدولية, وبالتالي سيوفر سبلا عادلة ومقبولة لحل الخلافات والأزمات ويقطع الطرق على استقطاب الشباب لارتكاب العنف باسم الدفاع عن القضايا العادلة.

 

الهوامش:

1-  ماجد كيالي: التحول في الاستراتيجية السياسية الأمريكية, من احتلال العراق إلى دعوات التغيير في المنطقة, شؤون عربية, الأمانة العامة لجامعة الدول العربية, عدد 114 صيف 2003, ص 37

2- محمد جابر الأنصاري: الإرهاب خارج نطاق المواجهة بين الإسلام والغرب, مجلة حوار العرب, مؤسسة الفكر العربي, السنة الأولى, العدد الثاني, يناير 2005, ص 96

3-  ثناء فؤاد عبد الله: آليات الاستبداد وإعادة إنتاجه في الواقع العربي, المستقبل العربي, مركز دراسات الوحدة العربية, لبنان, عدد 313 بتاريخ مارس 2005, ص ص 118 و 119

4- ففي فبراير من عام 2000 سببت هجمات رفض الخدمة على مواقع مشهورة مثل ياهو Yahoo وسي إن إن CNN و إف بي آيFBI  أضرارا قدرت بما يزيد عن مائة مليون دولار. أنظر: روبرت دي, أوستن وكريستوفر إي آر داربي: أسطورة الحوسبة الآمنة, ترجمة محمد مجد الدين باكير, الثقافة العالمية, السنة الثالثة والعشرون يوليو – أغسطس  2004 العدد 125, المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, الكويت, ص45

5- خصوصا وأن الطبيعة المزدوجة لاستخدام الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والإشعاعية والنووية تمهد الطريق لاحتمال الخلط بين السلوك الطبيعي البريء والأعمال الخبيثة الهادفة إلى تطوير الأسلحة. أنظر في هذا الخصوص, جون باراتشيني: هل يستخدم الإرهابيون أسلحة دمار شامل, ترجمة شاهر عبيد, مراجعة منصور بوخمسين الثقافة العالمية, السنة الثالثة والعشرون يوليو, أغسطس, 2004 العدد 125, المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, الكويت ص  114, ويضيف نفس الباحث بأن منظمة القاعدة وجماعة آوم شنريكيو وحدهما القادرتان على القيام بإجراءات نوعية مهمة من أجل السيطرة على برامج التسلح الفعال بأسلحة غير تقليدية. نفس المرجع السابق, ص 122

 6- شانتال دوجونغ أودرات: محاربة الإرهاب, ترجمة شاهر عبيد, مراجعة منصور بوخمسين ,الثقافة العالمية, السنة الثالثة والعشرون يوليو, أغسطس 2004, العدد 125, المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, الكويت, ص ص 64 و 65

7- إدريس لكريني: مكافحة "الإرهاب الدولي" بين تحديات المخاطر الجماعية وواقع المقاربات الانفرادية, المستقبل العربي, مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت, بتاريخ 7/2002 عدد 281, ص 50

8- سويم العزي: السلوك السياسي في المجتمع العربي, دار الألفة, مطبعة النجاح الجديدة, الطبعة الأولى 1992, ص 132

9- جينفيرل.ويسندسور: تشجيع الديموقراطية ومكافحة الإرهاب. ترجمة: شاهر عبيد, مراجعة منصور بوخمسين الثقافة العالمية, السنة الثالثة والعشرون يوليو – أغسطس, 2004 العدد 125, المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, الكويت ص 77

10- جينفيرل.ويسندسور: تشجيع الديموقراطية ومكافحة الإرهاب, مرجع سابق ص 79

11- متروك الفالح: العنف والإصلاح الدستوري في السعودية, مجلة المستقبل العربي, مركز دراسات الوحدة العربية, لبنان, عدد 308 أكتوبر 2004 ص 9

12- ثناء فؤاد عبد الله: آليات الاستبداد وإعادة إنتاجه في الواقع العربي, مرجع مذكور سابقا, ص 99

13- حارث محمد حسن, النظام العالمي والحركات الإسلامية: آليات الهيمنة والتهميش. شؤون عربية, الأمانة العامة لجامعة الدول العربية, عدد 112 شتاء 2002, ص ص 207 و 208

14- خليل العناني: إشكالية التغيير في الوطن العربي, المستقبل العربي, مركز دراسات الوحدة العربية, لبنان, عدد 296 بتاريخ  أكتوبر 2003, ص 170

15- خليل العناني: إشكالية التغيير في الوطن العربي, مرجع سابق, ص 172

16- فمباشرة بعد وقوع أحداث 11 شتنبر, أعلنت وكيلة الشؤون الدولية, بولا دوبرينسكي: "أن حقوق الإنسان والديموقراطية ستكون.. أساسا لحربنا على الإرهاب" جينفيرل.ويسندسور: تشجيع الديموقراطية ومكافحة الإرهاب, مرجع سابق, ص 85

17- إدريس لكريني: النموذج الأمريكي للديموقراطية وحقوق الإنسان في العراق, القدس العربي, لندن, عدد 4658 بتاريخ 15- 16 ماي 2004

18- إدريس لكريني: النموذج الأمريكي للديموقراطية وحقوق الإنسان في العراق, مرجع سابق.

19- يعتقد تشومسكي أن من وجهة النظر القانونية, هناك ما يكفي من الأدلة لاتهام كافة الرؤساء الأمريكيين بأنهم مجرمو حرب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أو على الأقل متورطون بدرجة خطيرة في جرائم حرب. أنظر, نعوم تشومسكي: ما الذي يريده العم سام, ترجمة ونشر الملتقى, المغرب, الطبعة الأولى 2003, ص 35

20- هناك من يعتقد أن الديموقراطية الأمريكية ذاتها لا يمكن أن تشكل نموذجا يقتدى به, وفي هذا الصدد يقول تشومسكي: "على أمريكا أن تغير النظام الديموقراطي الشكلي إلى نظام ديموقراطي حقيقي جديد يتجاوز مظهر دورية الانتخابات التي تأتي بمن يخدم مصالح أصحاب المال والأعمال".. ويضيف أن: "الانتخابات ليست هي أن تذهب قلة من المواطنين كل عدة سنوات للضغط على بعض الأزرار, ولكنها – لكي تكون ذات قيمة – تعني أن يكون للمواطنين آراء, وبالتالي مواقف إزاء الأحداث بالإضافة إلى البرامج الرئيسية التي يتعين على الحكومة تطبيقها, ويضغطون على نوابهم لكي يحققوا لهم ذلك". نعوم تشومسكي: ما الذي يريده العم سام, مرجع سابق, ص 74 و ص 83  على التوالي.

21- إدريس لكريني: الإصلاحات المغيبة ضمن المشاريع الأمريكية لمكافحة "الإرهاب", القدس العربي, عدد 4844 بتاريخ 20 دجنبر 2004

22- نشير هنا إلى أن العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة من أجل الضغط على دول وأنظمة معينة, لم تكن ذات فعالية كبيرة, كما أن 33 بالمائة منها لم تحقق إلا جزءا ضئيلا فقط من الغرض المحدد لها. أنظر في هذا الخصوص, بروس فولكونر وآخرون, ترجمة: شاهر عبيد, مراجعة منصور بوخمسين, مجلة الثقافة العالمية, السنة الثالثة والعشرون يوليو – أغسطس 2004, العدد 125, المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, الكويت, ص 111

23- وهي الجهاز الأممي الوحيد الذي لم تستطع الولايات المتحدة اختراقه بعد أو التأثير في مصداقيته, على الرغم من سعيها الحثيث نحو ذلك. ونذكر هنا بالرأي الاستشاري الشجاع الذي اتخذته المحكمة بصدد الجدار العازل الذي أقامته قوات الاحتلال داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة, والذي اعتبرته المحكمة غير شرعي لانتهاكه القانون الدولي وطالبت بوقف بنائه فورا, على الرغم من الضغوط المضنية التي مارستها الولايات المتحدة وإسرائيل للتأثير في قرارها..

24- لمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع, يراجع: إدريس لكريني, التداعيات الدولية الكبرى لأحداث 11 شتنبر, من غزو أفغانستان إلى احتلال العراق, المطبعة الوطنية, مراكش, المغرب, الطبعة الأولى 2005, موجود على الموقع الإلكتروني:(www.arabicebook.com).

25- محمد السماك: الإرهاب والعنف السياسي, الشركة العالمية للكتاب, بيروت, ص 96

26- نعوم تشومسكي وآخرون: الإرهاب, حالة 11 سبتمبر, ترجمة الملتقى, الطبعة الأولى 2003, مطبعة النجاح الجديدة, المغرب, ص 18

27- نعوم تشومسكي وآخرون: الإرهاب, حالة 11 سبتمبر, مرجع سابق, ص 36

28- إدريس لكريني, التدخل في الممارسات الدولية: بين الحظر القانوني والواقع الدولي المتغير, ضمن: سمير أمين وآخرون، العولمة والنظام الدولي الجديد, سلسلة كتب المستقبل العربي(38), الطبعة الأولى, ديسمبر 2004,  ص 73

29- محمد السماك: الإرهاب والعنف السياسي, مرجع سابق, ص 89

30- محمد السماك: الإرهاب والعنف السياسي, مرجع سابق, ص 61

31- يشير تشومسكي إلى الدعم الكبير الذي قدمته الولايات المتحدة لتركيا من أجل سحق السكان الأكراد, حيث منحتها إدارة كلينتون ما يعادل 80 بالمائة من الأسلحة التي نمت الفظائع وصعدتها. نعوم تشومسكي وآخرون: الإرهاب, حالة 11 سبتمبر, مرجع سابق, ص ص 36 و 37

32- إدريس لكريني: الإصلاحات المغيبة ضمن المشاريع الأمريكية لمكافحة "الإرهاب", مرجع سابق.

33- نعوم تشومسكي: ما الذي يريده العم سام؟ مرجع سابق, ص69

34- لقد كان لاحتلال العراق والتدخل العسكري في أفغانستان – الذي تم باسم مكافحة "الإرهاب"- الأثر الكبير في تزايد أعمال العنف في العراق وأفغانستان، وبروز حركات جديدة مناوئة لأمريكا, وحدوث عمليات داخل أوربا في كل من إسبانيا وبريطانيا اللتان أيدتا سياسة أمريكا في العراق..

 

 

عودة إلى الصفحة الرئيسة

 

عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة