يبدو النظام الإقليمي العربي في حالة ضعف واضحة، إذ يجد نفسه عاجزا عن التعاطي المجدي مع التحديات الكبرى التي تواجه الأمة العربية. وجوهر هذه المعضلة أننا نجمع بين مركزية موقعنا وهشاشة قدراتنا، مما يجعل منطقتنا عرضة للتأثيرات الخارجية المستمرة.

إنّ النظم الإقليمية الجديدة، في عالم اليوم، تختلف عن إقليمية الستينيات في أنها ليست امتدادا أو تعبيرا عن مصالح إقليمية فحسب، بل هي استجابة للتطورات العالمية. فإذا كان المضمون السياسي والعسكري والاستراتيجي قد حكم علاقات وتفاعلات النظم الإقليمية التقليدية، فإنّ المحتوى الاقتصادي – الاجتماعي - الثقافي، على الخصوص، يحكم علاقات وتفاعلات التكتلات الإقليمية الجديدة. وأيا كان نوع الاختيار ودرجة تكيّف الدول والنظم الإقليمية مع التكتلات والشراكات الإقليمية والعالمية الجديدة، فإنها مطالبة بإجراء مراجعات دقيقة لأهدافها وهيكليتها وطبيعة علاقاتها مع بيئة عالمية جديدة.

وإزاء ذلك تبدو الحاجة ماسة لإعادة صياغة النظام الإقليمي العربي بما يتوافق مع الأوضاع الجديدة التي فرضتها المعادلات الجيو - استراتيجية في المنطقة والعالم، ويستند إلى دول عربية عصرية تقوم على أسس الحق والقانون والديمقراطية وحقوق الإنسان، ويدرك عناصر القوة الكامنة لدى الدول العربية ويفعّلها لما يخدم الأهداف المشتركة.

والسؤال هو: كيف نعيد بناء النظام الإقليمي العربي من حيث هو نموذج للحكم والإدارة والإنتاج داخل كل قطر عربي، ومن حيث هو منظومة تعاون وتكتل وتضامن بين الحكومات والمجتمعات العربية جميعها ؟

 يبدو أنّ الدور الأساسي للنخب الفكرية والسياسية العربية هو المساهمة الجدية في صياغة هذه الرؤية الجديدة وفي العمل على نشرها وتطبيقها في الواقع، وهذا يتطلب حسا نقديا عميقا وجرأة على التخلص من النماذج القديمة التي عفا عنها الزمن، وقدرة على التواصل مع قطاعات الرأي العام المختلفة، وارتفاعا على المصالح الآنية.

 وتتمثل الإشكالية الرئيسية التي تواجه العالم العربي اليوم بـ: إيجاد صيغة لنوع من السيادة القومية الجماعية في بعض المجالات من دون التفريط بجوهر السيادة الوطنية لكل دولة عربية. إذ يبدو أنّ الأمر يتعلق بضرورة إعطاء الجامعة سلطة " ما فوق وطنية " مقابل تنازل الدول الأعضاء عن جزء من سيادتها، كما أنّ تحولا سلوكيا في اتجاه التوافق بين الدول الأعضاء على الحلول الوسط يبدو ضروريا أيضا. وعليه فإنّ تجديد وإحياء دور النظام الإقليمي العربي يتطلب تعامله بنجاح مع عدة تحديات:

(1)- المصالحة الفكرية بين الوطني والقومي، أو بين منطق الدولة ومنطق الأمة، إذ المطلوب تطبيع مفهوم الدولة الوطنية في الفكر القومي، فالدولة الوطنية تبقى المدماك لتحويل الأمة من انتماء وجداني إلى واقع حي وفعّال خاصة من خلال التطور المؤسسي الشامل الذي يحقق المشاركة الفاعلة للقوى الاجتماعية والسياسية داخل كل قطر عربي، والنجاح في إنجاز تنمية اقتصادية – اجتماعية - ثقافية مجدية. كما أنه من المطلوب أيضا تطبيع مفهوم الانتماء إلى الأمة العربية في الفكر الوطني.

(2)- المصالحة السياسية، من خلال إطلاق حوار سياسي عربي ممأسس ومبرمج يضم فعاليات حكومية وغير حكومية، بغية إعادة صياغة العلاقات العربية - العربية على قواعد ثابتة وواضحة ومستقرة، تسمح بإعادة تشكيل السياج الشعبي الواقي للنظام العربي، وتساهم في إيقاف الانهيار والتفكك الحاصلين.

(3)- تجديد البناء المؤسسي وتكييفه مع التحديات السياسية والوظيفية الجديدة ليستطيع التعامل معها بفعالية.

ولا شك أنّ النظام الإقليمي العربي، الذي تعرض إلى تهديد خطير من قبل النظام الإقليمي الشرق أوسطي منذ انطلاق التسوية العربية - الإسرائيلية في مدريد سنة 1991، ووصولا إلى المشروع الأمريكي حول " الشرق الأوسط الكبير و/أو الجديد "، ويواجه اليوم تحديات جسيمة تستوجب إدراكها والعمل الجدي للتقليل من آثارها السلبية، وكذلك الاستفادة مما يمكن أن تنطوي عليه من فرص لتوليد استجابة عربية إيجابية تجاه التطور الحاصل في النظم الإقليمية وفي النظام الدولي.

وعليه، يصعب إطلاق ديناميكية مضادة مؤثرة إن لم تكن ديناميكية ناضجة، تتعاطى مع التحديات بعقلانية في سياق التحرر الديموقراطي وإعادة بناء الدول والمجتمعات العربية على قواعد احترام الكرامة الإنسانية وسيادة القانون وحماية الضعفاء وحرية الرأي.

وهكذا، يتضح أنّ النظام الإقليمي العربي الجديد لابد أن يستند إلى أنظمة سياسية عربية تنهي الاستبداد، وتجعل من  الشعب وحده مصدرا  للشرعية عبر انتخابات حرة ونزيهة ودورية، وتفرض التداول السلمي  على السلطة، وتضمن الحريات الفردية والجماعية، وتحرّم التعذيب، وتحرّر سجناء الرأي والضمير، وترسي استقلالية القضاء، وتقبل بالتعددية الفكرية والسياسية، وتطلق حرية الخلق والإبداع، وتبني أسس النظام الإقليمي العربي الجديد، وكلها الشروط الدنيا لعودة الكرامة للإنسان العربي والفعالية للمجتمع  والاستقلال للأمة.

وإذا ما تم كل ذلك، داخل كل قطر عربي، يمكن أن تكون الجامعة العربية منظمة إقليمية لها أهدافها ورؤيتها، وتمتلك آليات تنفيذ قراراتها، وتتمكن من إيجاد توازن من نوع جديد بين العالم العربي وإسرائيل قد يمكّن من فرض تسوية عادلة للصراع العربي - الإسرائيلي ونقل الصراع إلى مواجهة حضارية تتماشى مع قواعد النظام الدولي الجديد.  

                  الدكتور عبدالله تركماني

                                     كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

(*) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 5/4/2007.