واقع
الحال العربي الآن بعد قمّة الرياض هو
أشبه باللوحة الشهيرة: "موناليزا" أو
"الجيوكاندا" التي رسمها الفنان
الإيطالي دافنشي، حيث الابتسامة
الجميلة في جانب من الوجه وملامح
الحزن في الجانب الآخر.
فقمّة الرياض كانت حتماً مهمّة في توقيتها ومكانها وحضورها وقراراتها، لكن العبرة ستكون فيما ستتركه هذه القمّة من تأثيرات وتغيّرات على الحاضر العربي وعلى مستقبل الأزمات المشتعلة في المنطقة.
القمّة العربية وعدت ب"الابتسامة الجميلة"، لكن "ملامح الحزن" هي الطاغية الآن على صورة الواقع العربي ككل، ولا يقلّل أيٌّ من الأمرين من أهمّية اعتبار الأمر الآخر.
***
القمّة العربية أكّدت بأشكال وكلمات مختلفة على أهمّية "الهويّة العربية"، وهذه مسألة إيجابية في مرحلةٍ سادتها مؤخّراً دعوات محلية وخارجية للتخلّي عن "الهويّة العربية" لصالح هويات طائفية ومذهبية ضيّقة أو لصالح مشاريع "شرق أوسطية". فقوى الاحتلال القديمة والحديثة في المنطقة لها مصلحة كبيرة في المقولتين "الطائفية" و"الشرق أوسطية"، وهي تعمل على إسقاط "الهويّة العربية" التي تفرض التضامن بين العرب، وطنياً وقومياً، في مواجهة أي احتلال، وضدّ أي تفكيك لوحدة الدول أو الأمّة.
القمّة العربية جمعت تحت سقفها وفي بيانها الختامي من هم في التصنيف الأميركي والإسرائيلي "قوى معتدلة" و"قوى متطرّفة"، وبالتالي فإنّ التئام شمل القمّة أولاً، ثمّ التوافق على مقرّراتها، كان إسقاطاً لتسميات ولمراهنات أميركية وإسرائيلية على صراعات عربية/عربية، وعربية/إيرانية.
ومن المهمّ الإشارة هنا إلى أنّ إسرائيل تلعب دوراً كبيراً في حال حدوث الصراعات الطائفية والمذهبية، وفي حال تبنّي "الشرق أوسطية"، وفي السعي الأميركي الأخير لإقامة "محور الاعتدال" ضدّ "محور التطرّف" حيث تكون إسرائيل جزءاً من المحور الأول، وتكون إيران والأطراف العربية المتحالفة معها هي الهدف في المحور الآخر.
كذلك يمكن اعتبار أنّ اتفاق مكّة الفلسطيني، الذي سبق قمّة الرياض وساهم في إنجاح عقد القمّة، كان مؤشّراً عملياً على معاني ونتائج القمّة العربية. فالمراهنة الأميركية/الإسرائيلية المشتركة كانت على صراع بين جناحي السلطة الفلسطينية (تماماً كمحوري "الاعتدال" و"التطرّف" على المستوى الإقليمي) وعلى عزلة عربية ودولية لطرف مقابل شراكة أميركية وإسرائيلية مع الطرف الأخر.
فالقمّة العربية نجحت عملياً قبل انعقادها من خلال التوافق الذي حدث على اتفاق مكّة الفلسطيني وبمعانٍ سياسية هامّة على المستويين العربي والإقليمي.
قمّة الرياض كان محور أعمالها تجديد الحديث عن "المبادرة العربية" التي أقرّتها قمّة بيروت عام 2002. وهذا الأمر كان مدعاة للنقد والسخرية في بعض التعليقات العربية، لكن ما غفلت عنه هذه التعليقات هو أهمّية إحياء موضوع المبادرة (الصراع العربي/الإسرائيلي) في وقتٍ سعت فيه إدارة بوش إلى جعل موضوع الصراع في المنطقة بين عرب وفرس، وبين معتدلين ومتطرّفين.
أيضاً، فإنّ التركيز على "المبادرة العربية" الآن يعني توظيفاً لظروف أميركية وأوروبية تتكاثر فيها الدعوات لمؤتمرات دولية خاصّة بالشرق الأوسط وبالملف الفلسطيني وبمصير الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية.
إذن، إحياء "المبادرة العربية" وتفعيلها (تحويلها من اسمٍ إلى فعل) فيه مصلحة عربية مشتركة، وإعادة لتوجيه الأنظار العربية والدولية إلى أولويات الصراع مع إسرائيل، وإلى أولوية القضية الفلسطينية، وإلى ضرورة أولوية مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وتبعاته في فلسطين وسوريا ولبنان والمنطقة عموماً.
كذاك كان مهمّاً رفض القمّة العربية التجاوب مع الدعوات الأميركية والإسرائيلية لتعديل "المبادرة"، حيث حاولت هذه الدعوات إحداث شرخٍ جديد في العلاقات العربية وتفريغ قمّة الرياض من أي نتائج عملية إيجابية بالنسبة للعرب.
وقد حصل التوافق أيضاً في قمّة الرياض على كيفية رؤية الحلول المنشودة للأوضاع الدامية في العراق واعتبار أنّ ما حدث فيه كان احتلالاً وليس "تحريراً" حسب المفهوم الأميركي.
طبعاً كان بوسع قمّة الرياض أن تكون أكثر تألّقاً ونجاحاً لو أنّها شهدت حلاً للأزمة السياسية في لبنان، لكن يبدو أنّ "الثقل" الدولي داخل الأزمة اللبنانية كان أكبر من حجم الأوزان العربية المستخدمة، ولذلك تتأخّر حلول القضايا اللبنانية بانتظار نتائج المفاوضات الأميركية مع سوريا وإيران.
***
معايير نجاح القمّة العربية في الرياض هي إذن معايير نسبية تتوقّف خلاصاتها على الفرق ما بين اعتماد الآمال والتمنّيات كمرجع أو اعتماد التوقّعات المبنية على واقع الحال.
حتى الآن، هناك تقدّم مهم يحدث في وقف الانحدار العربي والصراعات على المستويين الرسمي والشعبي.
فاتفاق مكّة الفلسطيني كان علامة بارزة في ذلك، ثمّ جاءت قمّة الرياض لتدعم ما سبقها ولترسي أسس ما سيلحقها من تحرّك يستهدف توظيف الانفتاح الأميركي/الأوروبي على التفاوض مع سوريا وإيران.
لكن رغم الأبعاد الدولية والإقليمية في الأزمات والصراعات العربية القائمة، فإنّ المسؤولية هي على الحكومات العربية أولاً وعلى أصحاب القرار فيها. وقد كانت كلمة العاهل السعودي في افتتاح القمّة بالغة التعبير عن هذا الأمر وعن هذه المسؤولية.
قمّة الرياض أدخلت "ابتسامة" على الوجه الحزين لهذه الأمّة المثقلة الآن بالأزمات والصراعات وتدخّل القوى الأجنبية، لكن التساؤل هو حول المرحلة القادمة ومستقبل الأمراض المزمنة في الجسم العربي من رأسه حتى أخمص قدميه.
طبعاً، من الخطأ محاسبة القمّة ونتائجها الآن بمعايير ما تتمنّاه وتأمله الشعوب من حكامها. فهذا استحقاق قادم في المستقبل بعد دفع الخطر عن كيانات الأوطان العربية المهدّدة جميعها بكلِّ ما فيها من أراضٍ وحكوماتٍ وشعوب. وستكون أولى امتحانات القمّة ونتائجها هي الصيغة التي سيتمّ اعتمادها من أجل "تفعيل" المبادرة العربية. فالتحرّك العربي المشترك سيكون فاعلاً ومثمراً إذا قام على تنسيق وتفاهم بين السعودية ومصر وسوريا تجاه كل القضايا والأزمات المفتوحة الآن. ففي هذا التنسيق العربي الثلاثي إمكانات كبيرة لمعالجة الأزمات، ولبناء تضامن عربي فعّال، ولتحقيق قوة ضاغطة على عناصر التدخّل الأجنبي والإقليمي في المنطقة.
***
هي الآن سنة حاسمة لمستقبل كل ما تشهده المنطقة من أزمات وصراعات. وهناك متغيّرات تتراكم في القرار السياسي الأميركي قد تدفع مع الشريك الأوروبي إلى الدعوة لمؤتمر دولي جديد بشأن الصراع العربي/الإسرائيلي يتزامن مع المؤتمر الدولي/الإقليمي بشأن العراق، بحيث تعزّز الصيغتان عناصر تسوية تشمل كلّ الأطراف الأساسية، محلياً وإقليمياً ودولياً، وفي مهلة زمنية أقصاها شهر أكتوبر القادم.
فالأشهر الستة القادمة هي الإطار الزمني للتحرّك الفعال بشأن العراق ولبنان وفلسطين، وهي أيضاً الفترة التي تسمح بالتحضير والدعوة لمؤتمر جديد على غرار مؤتمر مدريد عام 1991، كما أنّها سنة استحقاقات دستورية في أكثر من مكان معنيٍّ بالأزمات.
لكن ستبقى التطورات مرهونة بمقدار استقلالية القرار العربي، وبمدى الجدّية في تنفيذ القرارات، وبكيفيّة رؤية لوحة الصراعات في المنطقة.
* مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن
alhewar@alhewar.com


