تشهد
بدايات الألفية الثالثة اتجاها
متزايدا نحو الديمقراطية على
المستوى العالمي،
وبداية
نقول: إنّ الديمقراطية المعاصرة
اليوم أكثر تواضعا مما يعتقده
البعض حولها أو ينسبه إليها أو
يطالبها به. إنها منهج لاتخاذ
القرارات العامة من قبل الملزمين
بها، وهي منهج ضرورة يقتضيه
التعايش السلمي بين أفراد المجتمع
وجماعاته، منهج يقوم على مبادئ
ومؤسسات تمكّن الجماعة السياسية
من إدارة أوجه الاختلاف في الآراء
وتباين المصالح بشكل سلمي. وتمكّن
الدولة، بالتالي، من السيطرة على
مصادر العنف ومواجهة أسباب الفتن
والحروب الأهلية. وتصل
الديمقراطية المعاصرة إلى ذلك من
خلال تقييد الممارسة الديمقراطية
بدستور يراعي الشروط التي تتراضى
عليها القوى الفاعلة في المجتمع،
وتؤسس عليها الجماعة السياسية
أكثرية كافية. وقد تمكنت
الديمقراطية المعاصرة من ذلك
عندما حررت منهجها في الحكم من
الجمود، فتأصلت في مجتمعات
مختلفة، من حيث الدين والتاريخ
والثقافة.
وفي الخطاب العربي المعاصر تشغل الديمقراطية حيّزا مهما، حيث تختلف وجهات النظر، وتتعارض المفاهيم والمصطلحات، وتتنوع المقدمات والنتائج. وإزاء ذلك يبدو أنه من الضروري أن يعمل المرء على إعادة صياغة وترتيب أفكاره حول المسألة الديمقراطية، بما يمكّنه من فهم وتشخيص حاجات الواقع العربي ومتطلبات تقدمه، ومن ثم الانخراط بتغييره في اتجاه التكيّف الإيجابي مع معطيات وتحولات العالم المعاصر، وبما ينسجم مع المصالح العليا للأمة العربية.
وكي نفهم ما يجري حاليا حولنا ينبغي أن نعود إلى الوراء مائتي سنة لكي نتموضع في النقطة التي كان يتموضع فيها فلاسفة التنوير الأوروبي، فهم أيضا كانوا يفكرون بأحلام مشابهة لأحلامنا اليوم، هم أيضا كانت بلادهم تعمها الفوضى، والحروب الأهلية، والعصبيات الدينية أو المذهبية، وكان الفقر المدقع نصيب الأغلبية الكبرى من السكان، وكان الاستبداد السياسي مسلطا على رقابهم، وكذلك ملاحقة المفكرين العقلانيين والنقديين.
الأسس النظرية للحداثة ومكوّناتها
يشير مصطلح الحداثة إلى مرحلة تاريخية طويلة نسبيا، بدأت في أوروبا الغربية منذ أواخر القرن السادس عشر وتميزت في القرن السابع عشر بسلسلة من التغيّرات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وشملت بشكل متداخل ومتفاعل عمليا مجالات البحث والمعرفة العلميين والتطبيق التكنولوجي وأشكال ومؤسسات الحكم السياسية والمدنية والتشريعية والقانون والمعاملات التجارية، وذلك في إطار عمليات بناء الدول القومية وتزايد سلطاتها مع تزايد مساحات الحرية والمسؤولية الفردية أيضا.
وفي هذا السياق تكفي الإشارة إلى المحطات الفلسفية الأساسية في الفكر الغربي الحديث، التي هي فكر ديكارت الذي دشن نظريا عصر الحداثة، وفكر كانط الذي بلور نقديا ديناميكية الأنوار، وفكر هيغل الذي صاغ مفهوميا لحظة اكتمال الحداثة في نموذج الدولة القومية الحديثة.
إنّ الحداثة ليست ترفا فكريا، بل هي تطبيق منهجية عامة للتحليل وطريقة في التفكير، وهي لا تحضر وتغيب بحسب أنواع الأحداث أو علاقاتنا العاطفية بها. وعصر التنوير يحيل إلى هذه الظاهرة الفكرية، الواسعة الانتشار، التي عرفتها أوروبا في القرن الثامن عشر، حين تم التأكيد على أولوية الإنسان ودعم استقلاله وإرادته، ورفعه إلى مستوى يكون فيه مرجع سلوكه، والقاعدة المعيارية لممارسته الاجتماعية.
كما أنها أكثر من أن تكون نتاجا لمرحلة تاريخية منقضية، وإنما هي أقرب لأن تكون برنامجا لم يكتمل بعد ولا يزال قادرا على أن يلعب دورا إيجابيا في المجتمعات المعاصرة. فالحداثة تتضمن انفتاحا على مستقبل غير مغلق وبلا نهاية، يتميز بإمكانية تحقيق التقدم المادي والاستقرار الاجتماعي والتحقق الذاتي. على أنّ الحداثة كل لا يقبل القسمة، أو التجزئة، فلا يمكن أن نُقبل على الحداثة في المجال الاقتصادي والتقني ونهمل الحداثة في الفكر والسياسة. وقد يتخذ إنجاز المشروع الحداثي أساليب متنوعة في عالم الممارسة، ولكنّ الأهداف والأسس النظرية لم تتغير.
لقد ساهمت أفكار الموسوعيين/الانسكلوبيديين، في العلوم والمعارف والحركة السياسية، في بلورة الفكر الاجتماعي والفلسفي والتعبير عن موقف فكري واضح يؤكد على أنّ منبع الأفكار هو الواقع الاجتماعي بذاته وتأسيس دولة تنزل السلطة، بما فيها سلطة الأفكار، إلى المجال الشعبي.
وإلى جانب ذلك تفجرت الثورة الفلسفية على يد كانط، التي كانت تدشينا لفكر نقدي جديد كونت قطيعة معرفية مع ما سبقها من فلسفات. فلقد سعى كانط إلى تهيئة الأذهان لتغيير الأنظمة السياسية والثقافية والاجتماعية التي باتت لا تتلاءم مع روح العصر، وجعل من فكرة النقد والتقدم الإنساني وقدرة العقل البشري المحاور الرئيسة لتأسيس فلسفة تنويرية كانت الهدف الرئيسي الذي سعى عصر التنوير إلى تحقيقها.
عصر التنوير ومحدداته
كان فلاسفة التنوير يريدون إصلاح كل شيء: من السياسة، إلى الدين، إلى الأخلاق الاجتماعية، إلى الاقتصاد عن طريق تطوير العلم والتكنولوجيا. وكان القرن الثامن عشر هو أول عصر في التاريخ يبلور لنفسه برنامج عمل واضح المعالم من خلال كتابات الفلاسفة ومعاركهم الفكرية. ويبدو أن ديكارت (1596 - 1650) كان أول من استخدم مصطلح التنوير بالمعنى الحديث، فهو يتحدث مثلا عن النور الطبيعي، الذي يقصد به مجمل الحقائق التي يتوصل إليها الإنسان عن طريق استخدام العقل فقط.
ومهما يكن من أمر، فإنّ مصطلح التنوير راح يتخلص - تدريجيا - من الهالة الدينية المسيحية لكي يدل على عصر بأسره: عصر التحرر العقلي والفكري في القرن الثامن عشر، وعندئذ راح يتخذ شكل المشروع الفكري والنضالي الذي يريد تخليص البشرية من ظلمات العصور الوسطى وهيمنة رجال الكنيسة.
فما هو التنوير الذي أحدث انقلابا جذريا ومهما في الفكر الفلسفي والاجتماعي والسياسي في أوروبا بداية ؟
كتب كانط عام 1784 مقالا في مجلة " برلين الشهرية " تحت عنوان: ما هو التنوير؟
ومما قاله فيه: " التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه، وهذا القصور هو بسبب عجزه عن استخدام عقله إلا بتوجيه من إنسان آخر... ويقع الذنب في هذا القصور على الإنسان نفسه عندما لا يكون السبب فيه هو الافتقار إلى العقل، وإنما إلى العزم والشجاعة اللذين يحفزانه على استخدام عقله بغير توجيه من إنسان آخر...".
ومما لا شك فيه أنّ هذا المعنى يعيد الاعتبار للإنسان بعد أن تم استلابه لقرون طويلة، إنه يعيد له قيمته ويحقق له إنسانيته، إنه شعار الحرية، في مستواها الأساسي، حرية الفكر، حرية العقل. إذ لا يمكن الحديث عن أي مستوى من الحرية دون تحقق هذا المستوى.
إنّ مفهوم القرن المستنير أو عصر الأنوار كان موجودا في النصف الأول من القرن الثامن عشر، ولكنه لم يتحول إلى قاعدة للتفكير إلا بعد نصفه الثاني، ويبدو أنّ سبب ذلك يعود إلى حدث فكري أساسي هو: صدور الأنسيكلوبيديا الشهيرة، أي الموسوعة التي أشرف عليها ديدرو (1713 ـ 1784). فهذا المشروع الفكري الكبير هو الذي جمع التنويريين حوله من شتى المشارب والاختصاصات، فالموسوعة ليست إلا تجميعا لمنجزات التنوير التي كانت قد حصلت طيلة نصف القرن الماضي.
وفي تلك الفترة، راح فولتير يبلور الفلسفة الجديدة للتاريخ، وهي فلسفة تقول بأنّ الجنس البشري سائر نحو التقدم والتحسن لا محالة، وأسس بذلك الفلسفة المتفائلة للتاريخ، الفلسفة التي تعطي ثقتها للطبيعة البشرية وتؤمن بطاقات الإنسان وقدرته على تحقيق المعجزات. فالحياة السياسية، ينبغي أن تصبح مستنيرة، أي تمشي على ضوء العقل، وكذلك الأمر في ما يخص الحياة المدنية في المجتمع، والنظام التعليمي، والتربوي، وحتى الزراعة، والصناعة، والدين، والأخلاق ..
إن ما يميز العصر الحديث، في حقل الأفكار السياسية، هو ظهور الفلسفة السياسية والنظريات الدستورية، التي أسست لوجود الدولة الديمقراطية. إذ أنّ المفكرين في هذا العصر أسسوا أنموذجا جديدا للنظام الاجتماعي، نستطيع أن نصنفه على أنه أنموذج التنظيم من خلال التعددية. لقد علّموا أنّ الحرية الفردية والتعددية، وهما متلازمان ونتاجات طبيعية، لن تكونا سببا للتفجر الاجتماعي والفوضى، بل شكلا راقيا لتنظيم العلاقات بين البشر. هذه الأسس الفكرية للنظام الاجتماعي هي التي سمحت بإنتاج وتشييد مؤسسات الدولة " دولة الحق والقانون " والنظام التعددي.
لقد شكل عصر التنوير قاعدة التفكير للحداثة كلها، إذ أنه الفضاء الذي يقوم على أربعة محددات:
1 - العقلانية، باعتبارها البحث المستمر في المعايير التي تقاس بها صحة الاستراتيجيات التي تصوغها الجماعات أو تسعى إلى صياغتها من أجل إحراز التقدم ومسايرة التاريخ، وتحسين مردودية الجهد الإنساني ورفع فعاليته.
2 - التاريخانية، أي أنّ الحداثة قامت على معقولية التحوّل، وأفضت إلى تصور حركي للمجتمع، يحدد مراحلا لنموه وتطوره، وهو نمو يخضع لمعيار التقدم.
3 - الحرية، كأرضية تعيّن شرعية السلطة، وتؤكد حق الإنسان في تقرير شؤونه المدنية، دون إكراه أو قيد.
4 - العلمانية، أي فصل السلطة السياسية عن المؤسسة الدينية، وفي مقابل ذلك الانطلاق من الإنسان كمفهوم مرجعي للممارسة النظرية والسلوك الأخلاقي والسياسي. وهي تجد مرتعها الخصب في إطار من الديمقراطية، التي تمارس عقلانيا وتنويريا، وذلك على نحو تغدو فيه الديمقراطية والعقلانية والتنوير أحد أوجه العلمانية وصيغة من صيغ التحفيز عليها. وعندما تطرح العلمانية، بمعنى عدم تدخل الدولة في الشؤون الدينية لمواطنيها وبحيث تكون المواطنة هي أساس العلاقة بين الدولة والمواطن، فإنها أقرب لأن تكون مفهوما سياسيا، يشكل ضمانة أكيدة للمساواة ولتلاحم المجتمع، حيث تكون العلاقة بالوطن والدولة علاقة سياسية وليست علاقة دينية قد تحد من المساواة السياسية بين أصحاب الديانات والمذاهب المختلفة.
وفي الحقيقة أنتج عصر التنوير تيارات فكرية ومذاهب سياسية ونظريات فلسفية واجتماعية مختلفة، كان في مقدمتها فلسفة التاريخ وفلسفة القانون ونظريات العقد الاجتماعي وغيرها التي طبعت تاريخ الفكر الحديث.
ديناميكية مفهوم الديمقراطية
بغض النظر عن المعاني والتعريفات المتعددة لمفهوم الديمقراطية، فإنّ المفهوم يدور بصفة أساسية حول ثلاثة أبعاد رئيسية: توفير ضمانات احترام حقوق الإنسان، واحترام مبدأ تداول السلطة طبقا للإرادة الشعبية، والقبول بالتعدد السياسي والفكري. وفي ضوء هذه المبادئ فإنّ هناك العديد من الآليات والضوابط الإجرائية والتنظيمية لتطبيق الديمقراطية منها: القبول بالتعدد التنظيمي والمؤسسي في شكل أحزاب ونقابات وجمعيات..الخ، وتأكيد الفصل بين السلطات، وضمان استقلال القضاء، ومشاركة المواطنين في صنع القرار، والانتخابات النزيهة، وتوفير ضمانات الرقابة السياسية وحرية الصحافة، والفصل بين جهاز الدولة والحزب الحاكم.
لقد تطورت النظرية الديمقراطية علي يد الفيلسوف الإنكليزي جون لوك في القرن السابع عشر، ومتغيّرات ثورة كرمويل في إنكلترا، ثم على يد فولتير ومونتسكيو وجان جاك روسو في القرن الثامن عشر والتي توجتها الثورة الفرنسية في العام 1789، ثم على يد ديالكتيك هيغل في القرن التاسع عشر ومتغيّرات ألمانيا، ثم على يد ريمون آرون وسواه في القرن العشرين، متوجة تجاربها في مجتمعات غربية وشرقية مختلفة.
وإذا كانت الحداثة قد أنتجت، في مسارها العريض، حكم الديموقراطيّة السياسية بديلا عن حكم الاستبداد، فهذا التعميم لا يغني عن بعض التخصيص الضروري في هذا المجال. ذاك أنّ مبدأ فصل السلطات ربما كان أهم ما في الديموقراطية، بصفتها طريقة في التدبير السياسي والحاكمية. لا بل أنّ مونتسكيو رأى أنّ العلامة الفارقة للمستبد هي، بالضبط، أنه يدمج السلطات جميعا ويتولاها بنفسه.
إنّ فصل السلطات، في شكله الحديث، هو ما عُرف أساسا عبر كتابات مونتسكيو، خصوصا " روح القوانين "، ومؤدّى نظرية الفصل تلك أن ثمة ثلاث سلطات ينبغي ألا تتداخل في ما بينها لدى ممارستها الحكم، هي التشريعية والتنفيذية والقضائية: الأولى، تصوغ السياسة وتنفذها بوصفها قانونا. والثانية، تتولى تطبيقها وتنفيذها في الحيّز العملي. والثالثة، تفضُّ النزاعات طبقا للقانون وتبعا لمعايير العدالة.
وعليه، ليست الديمقراطية هدفا بحد ذاته، وإنما هي وسيلة يتمكن من خلالها الشعب من اتخاذ مواقفه البناءة، بما يجعله أكثر قدرة على الإبداع والإنتاج والتشارك، عوض أن يكون أداة للمباركة والتصفيق والتصديق على قرارات الحكام الفرديين. وليست الديمقراطية أيضا مفهوما غربيا ضيقا ومن شأن تبنيها الوقوع في التبعية للغرب والخضوع لوصاياه، إنها أكثر تواضعا مما يعتقده البعض حولها أو ينسبه إليها أويطالبها به، فهي أبعد من أن تكون عقيدة شاملة، وهي أقل من أن تكون نظاما اقتصاديا - اجتماعيا له مضمون عقائدي ثابت.
إنّ الديمقراطية المعاصرة، كما ذكرنا سابقا، منهج لاتخاذ القرارات العامة من قبل الملزمين بها، وهي منهج ضرورة يقتضيه التعايش السلمي بين أفراد المجتمع وجماعاته، منهج يقوم على مبادئ ومؤسسات تمكّن الجماعة السياسية من إدارة أوجه الاختلاف في الآراء وتباين المصالح بشكل سلمي، وتمكّن الدولة، بالتالي، من السيطرة على مصادر العنف ومواجهة أسباب الفتن والحروب الأهلية. وتصل الديمقراطية المعاصرة إلى ذلك من خلال تقييد الممارسة الديمقراطية بدستور يراعي الشروط التي تتراضى عليها القوى الفاعلة في المجتمع، وتؤسس عليها الجماعة السياسية أكثرية كافية. وقد تمكنت الديمقراطية المعاصرة من ذلك عندما حررت منهجها في الحكم من الجمود، فتأصلت في مجتمعات مختلفة، من حيث الدين والتاريخ والثقافة. كما تمكنت من ذلك عندما نفت عن نفسها شبهة العقيدة التي ينسبها البعض إليها من خلال ملاحظة المضمون العقائدي للممارسة الديمقراطية في مجتمعات تسود فيها أصلا تلك العقائد. وتمكنت الديمقراطية المعاصرة، من خلال تحرير نفسها من صفة الجمود، ونفي شبهة العقيدة، أن تصبح منهاجا عمليا وواقعيا يأخذ عقائد وقيم المجتمعات المختلفة في الاعتبار، ويراعي مرحلة الممارسة الديمقراطية، والنتائج المطلوب تحقيقها من نظام الحكم الديمقراطي. إنّ الديمقراطية المعاصرة منهج يبدع الحلول ويكيّف المؤسسات دون إخلال بالمبادئ الديمقراطية أو تعطيل المؤسسات الدستورية التي لا تقوم للممارسة الديمقراطية قائمة دون مراعاتها والعمل بها.
ومن أجل الفهم المسؤول لمعاني الديمقراطية والإدراك الواعي لمتطلباتها ونقاط القوة والضعف فيها نستدرك فنقول إنّ خطرين يحدقان بها: أولهما، إعطاؤها تعريفا جامعا مانعا، يؤدي إلى اعتقالها، ويمنع تطورها ونموها ومن ثم إلى قتلها، كما حصل مع قيم إنسانية أخرى. وثانيهما، عدم الاتفاق على معايير أساسية لتحديد ماهيتها ومتطلبات تحقيقها لذلك، نقول: إنّ الديمقراطية هي شكل ممارسة الحرية في المجتمع والدولة، انطلاقا من أنّ الإنسان/الشعب هو محور العالم ومقياس القيم، باعتباره صانع تاريخه وسيد مصيره. فالشعب هو مصدر السلطة ومالكها، يمارسها من خلال هيئاته النيابية. والدستور هو عقد اجتماعي يمثل أساس الشرعية ويتطلب حمايته من أية انتهاكات تهدد الصفة المدنية الديمقراطية للدولة.
وفي هذا السياق، فإننا نميّز بين ثلاثة مستويات للديمقراطية: أولها، ينحصر في مجرد إقامة المؤسسات الديمقراطية، المتمثلة في المجالس النيابية والأحزاب وغير ذلك من هياكل المجتمع المدني والاكتفاء بإقامة ذلك " الديكور " الديمقراطي، الذي يوفر الشكل دون المضمون. وثانيها، يتمثل في أداء الوظيفة الديمقراطية عبر المشاركة والمساءلة الحقيقيتين، لأننا تعلمنا من تجارب عدة، خصوصا في عالمنا العربي، أنه من الممكن أن تقوم المؤسسات الديمقراطية، فتنشأ أحزاب وتُشَكَّلُ مجالس نيابية ويُفسح المجال لهامش من التعبير من خلال صحف المعارضة، ومع ذلك كله لا يتحقق الأداء الديمقراطي. إنه من الممكن أن تقام جميع الهياكل المطلوبة بينما تعطّل الوظيفة تماما، فلا تتوافر المشاركة في القرار السياسي، ولا يتاح لممثلي الأمة حق مساءلة السلطة التنفيذية.
وثالثها، ينصبُّ على شيوع القيم الديمقراطية، وأهمها قيمة التسامح السياسي وتداول السلطة واحترام حقوق الإنسان، لأنه من الممكن أن تقوم الهياكل وتؤدى الوظيفة، بينما يفتقد المجتمع تلك القيم التي لا تستقر إلا بمضي الوقت واستمرار الممارسة وتوافر الأنموذج الذي يرسخ القيم الديمقراطية والسلوك الحضاري بين أبناء المجتمع.
لقد أضحت الديمقراطية مطلبا إنسانيا - رغم مصدرها الغربي - ونزعة تحررية من شأنها، إذا توافرت شروطها الذاتية والموضوعية، أن تمكّن الشعوب من تحقيق استقلالها التاريخي، والتعبير عن قدراتها الحية.
إنّ إعادة بناء مفهوم الدولة داخل الفكر السياسي المعاصر، منظورا إليها من زاوية كونها حقلا يعكس تناقضات البنية الاجتماعية وتوازنات القوى فيها، سمحت بإعادة تمثّل مسألة الديمقراطية والنضال الديمقراطي، كما أخرجت الحركات التقدمية من عزلتها لاضطرارية أو الاختيارية عن الساحة الجماهيرية، ودفعتها إلى الخروج بالعمل السياسي من دائرته السرية المطلقة إلى الدائرة الجماهيرية الأوسع، وأنقذت التفكير السياسي من مصطلحات القاموس العسكري، كما قلصّت من مظاهر ممارسة السياسة بمنطق الحرب.
تونس في 25/2/2007 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
الديمقراطية في سياق أفكار عصر التنوير (2)
الدكتور عبدالله تركماني
نحو نسق عربي ديمقراطي
تتميز الثقافة السياسية العربية، لدى أغلب الفاعلين السياسيين، بأنها تحتقر التنوير والفكر الحر، وتبرر الاعتقال والنفي والتشريد والقتل، وتعمل على إشاعة روح الخوف والترهيب لإضعاف دور المثقفين " ضمير الأمة "، فيتحول بعض منهم إلى مسوخ تضرب على كل دف، وتنفخ في كل مزمار. ومن أجل تجديد الثقافة السياسية العربية يمكن الإشارة إلى أهم القواعد والمبادئ:
(1) - اعتبار ساحة الفعل السياسي مفتوحة دوما على قوى ومجموعات ذات تصورات فكرية ومشارب سياسية متباينة، الأمر الذي يفرض على الممارس السياسي اعتماد قدر كبير من المرونة في التعامل مع الشأن السياسي تمكّنه من القدرة على التكيّف مع معطيات الواقع المتحول.
(2) - ضرورة التزام الخطاب العقلاني والواقعي في العمل السياسي، لما يتيحه ذلك من إمكانية الإحاطة بالواقع الشامل والتعرف على العوامل المؤثرة في سيرورة تطوره. إذ أنّ الواقعية والعقلانية تقتضيان تقديرا دقيقا للإمكانيات الفعلية للذات التي تتوخى الفعل والتغيير في وضع سياسي ما، ذلك أنّ تضخيم تلك الإمكانيات يترتب عليه رسم خطط وبرامج للممارسة مكلفة إنسانيا وفاشلة عمليا، وفي ذلك هدر للطاقات في معارك مجانية أو غير متكافئة قد تنتهي إلى كارثة محققة.
(3) - اعتماد ثقافة الحوار، انتصارا لفكرة أو دفاعا عن موقف وحماية لمصلحة خاصة أو عامة. وفي سياق ذلك ينبغي الحرص على عدم اعتماد الأساليب المتطرفة في التعاطي مع قضايا الخلاف، فقد تسيء الحدة المفرطة في الجدل السياسي بين المواقف المتعارضة إلى القضية موضوع الحوار، إذا لم تعرف الأطراف المتحاورة كيف ومتى تترك للمارسة هامشا يسمح باختبار مختلف الآراء والأطروحات وتمييز الصائب منها عن الخاطئ.
(4) - الاستعداد الواضح لتمكين الأجيال الشابة من تحمل مسؤولية قيادة العمل السياسي، باعتبار ذلك شرطا أساسيا من شروط تجديد شباب الأمة.
وتكتسب الدعوة إلى التعددية وحق الاختلاف أهميتها مما تشهده بعض أقطارنا العربية من انقسامات عمودية تهدد وحدتها وتسهّل لأعداء الأمة تمرير مخططاتهم التقسيمية على أسس ما قبل وطنية. وعليه، فليس من قبيل الترف الفكري الدعوة إلى ضرورة تطوير نسق عربي ديمقراطي مؤسس على مشروعية التعددية وحق الاختلاف، مما يتطلب:
(1) - وفاقا بين السلطات القائمة في أقطارنا العربية وبنى المجتمع المدني لصياغة حل انتقالي تدريجي نحو الديمقراطية، بحيث تتم دمقرطة هياكل السلطة وبنى المجتمع المدني في آن واحد، ضمن إطار توافق على مضمونه ومراحله مجموع القوى والتيارات السياسية والفكرية الأساسية. ويبدو واضحا أنّ نجاح هذا المسار مرهون بمدى استعداد السلطات العربية لترشيد بنائها على أسس عقلانية وديمقراطية.
(2) - استحضار الخريطة الاجتماعية العربية للتعرف على مدى قدرة المجتمعات العربية على استيعاب القيم الديمقراطية وفسح المجال أمام مؤسسات المجتمع المدني. وذلك لأنّ أغلبية النخب السياسية العربية تخشى الديمقراطية الحقيقية، وتتخوف من نتائجها، بسبب كون علاقاتها بجسم هذه المجتمعات لا تمر عبر قنوات ومنظمات المجتمع المدني التي تجعل في الإمكان احترام قواعد الممارسة الديمقراطية.
(3) - إنّ الديمقراطية عملية مستمرة، تتضمن معاني التعلم والتدريب والتراكم، ولذلك فإنّ أفضل طريق لتدعيم الديمقراطية هو ممارسة المزيد من الديمقراطية. كما أنها ليست عملية قائمة بذاتها، بل لها متطلباتها وشروطها الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية والمؤسسية. ولذلك فإنّ العبرة ليست بتحقيق التحول الديمقراطي فحسب، ولكن توفير ضمانات استمراره وعدم التراجع عنه، وذلك بتجذيره في البنى السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية للمجتمع. كما أنّ الديمقراطية ليست نظاما بلا أخطاء أو بلا مشكلات، بل لها مشكلاتها حتى في الديمقراطيات العريقة، وهنا تبرز أهمية القدرة على تطوير أساليب وآليات فعالة لتصحيح مسارات التطور الديمقراطي. وبغض النظر عن المعاني المتعددة لمفهوم الديمقراطية، فإنّ المفهوم يدور بصفة أساسية حول ثلاثة أبعاد رئيسية: توفير ضمانات احترام حقوق الإنسان، واحترام مبدأ تداول السلطة طبقا للإرادة الشعبية، والقبول بالتعدد السياسي والفكري.
وفي كل الأحوال، يجب أن نعترف بأنّ دول المنطقة العربية بحاجة ماسة إلى التطور في اتجاه ديمقراطي حقيقي. لكن لابد من التأكيد، في الوقت نفسه، على أنّ الديمقراطية لا يمكن أن تكون مجرد وصفة مستوردة من الخارج طبقا للمواصفات الأمريكية، وإنما هي – أساسا - فعل محلي داخلي وطني وتفاعلات ونضالات شعبية. باختصار يدور الأمر حول وحدة معركة الحرية: استقلال الوطن وحرية المواطن والإنسان، التحرر من السيطرة الخارجية لا كبديل عن الحرية السياسية والثقافية وحقوق الإنسان، بل كأفضل شرط لتحقيقها. فبكل بساطة لا يمكن للشعوب أن تدافع عن سلطات دول تجوّعها وتحاصرها وتساومها حتى على حقها في مناقشة الشؤون العامة.
إنّ انخراط العرب في العالم المعاصر يتطلب منهم البحث عن مضمون جديد لحركتهم القومية التحررية، بما يؤهلهم لـ " التكيّف الإيجابي " مع معطيات هذا العالم، وبالتالي الانخراط في مقتضياته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، بما يقلل من الخسائر التي عليهم أن يدفعوها نتيجة فواتهم التاريخي، لريثما تتوفر شروط عامة للتحرر في المستقبل. فالعرب ليسوا المبدأ والمركز والغاية والنهاية، هم أمة من جملة أمم وثقافات، لا يمكن أن ينعزلوا عن تأثيرات وتطورات العالم الذي يعيشون فيه.
ومن أجل ذلك، تبدو الديمقراطية في رأس أولويات التجديد العربي، فمسألة التقدم العربي تستدعي مقولات جديدة: المجتمع المدني، الديمقراطية، الدولة الحديثة، المواطنة. وتبدو أهمية ذلك إذا أدركنا أننا، بشكل عام، لا نملك لغة سياسية حديثة، منظمة وممأسسة، في بنانا السياسية والثقافية، إذ بقينا خارج تسلسل وتاريخ الأحداث، فماضينا مازال ملقى على هامش حاضرنا، بل يهدد مستقبلنا.
وعليه فإنّ وصول الوعي العربي إلى التحرر من العمى الإيديولوجي والانفتاح على الحياة العربية والإنسانية، بكل تلاوينها ومعطياتها ومكوناتها، يتطلب منه أن يصبح وعيا عقلانيا ونسبيا وحديثا ونقديا وتاريخيا وتراكميا ومرتبطا بحركة الشعوب العربية وطموحاتها وآمالها.
إنّ التعددية وحق الاختلاف ليسا غاية في حد ذاتهما، وإنما هما الأساس اللازم لتأصيل الفكرة الديمقراطية في بنياتنا العربية، بهدف الاتفاق الجماعي على أولويات المشكلات الداخلية التي تعيق تطور أقطارنا والتحديات الخارجية التي تواجه أمتنا العربية، ومن ثم طرح الحلول الواقعية المتفق عليها من قبل القوى والتيارات الفاعلة التي تقبل الإطار التعددي. ومن أجل صياغة مثل هذا الإطار لابد من إدراك مخاطر الصيغ الواحدية القسرية التي عرفتها العديد من أقطارنا العربية، حيث أنها كانت أداة قمع وتهميش للتعددية الفكرية والسياسية، مما جعل إدراكنا الجمعي مقتصرا على الإدانة الخطابية للمؤامرات الخارجية، بدل البحث عن مصادر الخلل في بنياتنا الداخلية. وفي سياق تناولنا لمشروعية التعددية وحق الاختلاف يجدر بنا أن لا نسجن أفكارنا ضمن إطار العمى الإيديولوجي المغلق، كما فعل أسلافنا الذين عبدوا النصوص ونسوا الواقع.
وتكتسب الدعوة إلى التعددية وحق الاختلاف أهميتها مما تشهده بعض أقطارنا العربية من انقسامات عمودية تهدد وحدتها وتسهل لأعداء الأمة تمرير مخططاتهم التقسيمية على أسس ماقبل وطنية. إنّ إدارة التعددية الفكرية والسياسية بشكل حضاري، بما تفرضه من قيام مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية مستقلة، وبما تفرضه من علاقة المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات، تحمل بين طياتها إغناء لوحدة مكوّنات الدولة.
وفي هذا السياق، تبدو المقارنة ضرورية بين مفهوم الديمقراطية وتطبيقه في أقطارنا العربية مع تطور هذا المفهوم وتطبيقه في أوروبا:
(1)- مفهوم الديمقراطية كان واحدا من المفاهيم المختلفة التي نتجت عن تحول المجتمعات الأوروبية من نمط الإنتاج الإقطاعي إلى نمط الإنتاج الرأسمالي. أما عربيا فالمفهوم ترافق مع محاولات لاستنهاض القوى الشعبية، ولكن نظرا لعوامل كثيرة وأهمها الاستعمار المباشر وغير المباشر، بقي هذا المفهوم ضمن دوائر نخبوية خاصة.
(2)- النضال من أجل الديمقراطية كان عاملا من العوامل المحركة للثورات التي قامت في أوروبا خلال قرنين، وكانت تتطور وتتثبت بحسب حاجات المجتمع ومتطلباته مع كل ثورة أو تحرك جماهيري. أما عربيا فكان التركيز دائما على الاستقلال والتحرر من الاستعمار، وإذا كان شعار الديمقراطية أحد شعارات الثورات الوطنية التحررية، فإنه لم ينتقل من مستوى الشعار إلى مستوى التطبيق الفعلي. وفي حالات عدة تم تعليق تطبيق الديمقراطية بحجة البناء الاقتصادي والاجتماعي!!. ومن ناحية أخرى، وفي السنوات الأخيرة عندما بدأت بعض الدول العربية بتطبيق سياسة " انفراج سياسي " تحت يافطة " الديمقراطية " فإنّ هذا التحول كان من أعلى أيضا ولم يكن نتاجا لتحرك جماهيري للمطالبة به.
(3)- عملية التحول نحو الديمقراطية في أوروبا ترافقت مع عملية فصل الدين عن الدولة، إنّ طبيعة وضرورات هذا الفصل يحتاج إلى شرح طويل ليس هنا مكانه، لكن هذا الفصل لا يعني بأي شكل هجوما على الدين، وإنما يعني أنّ الفكرة العلمانية تعطي فرصة أكبر ومجالا أوسع للأفكار بمختلف اتجاهاتها للتحرك والحوار في سبيل أحسن الحلول الممكنة لمشاكل المجتمع.
(4)- الاتجاهات الفكرية والسياسية التي ترافقت مع التحولات في أوروبا كانت لها برامجها الشاملة في مسائل وقضايا المجتمع ومنها مسألة الديمقراطية، بينما للأسف فإنّ التيارات الفكرية والسياسية في العالم العربي لم تأخذ على عاتقها مهمة تعميم مفهوم الديمقراطية وممارسته فيما بينها كمفهوم مهم لتطورها، كما أنها لم ترسم الخطط العملية لنقل هذا المفهوم إلى حيّز التطبيق الفعلي.
وهكذا، ألا يدل عدم انشغال الفكر السياسي العربي في فحص مفهوم الديموقراطية وتحديده، من خلال علاقته التناقضية أو التوافقية مع المفاهيم الأخرى، أو انخراطه في بحث الأسس الفلسفية لذلك المفهوم والآلية التاريخية لتشكله، اقتصاديا واجتماعيا ومؤسساتيا، على أنّ المرحلة الانتقالية العربية نحو الديموقراطية ستكون طويلة ومحفوفة بالمصاعب ؟
وهكذا، لم تعد الديموقراطية، حسب تقدير الكثيرين، خيارا بين خيارات، كما كان الأمر حتى الأمس القريب. بل أصبحت هي النظام الأكثر قدرة على الحفاظ على السلم الاجتماعي في المدى الطويل، خصوصا إذا ما كانت مؤسسة على قواعد أو بنية تحتية قوية، وليست مجرد ممارسة جزئية تأخذ البعض غير المهم وتترك البعض الأهم.
إنّ الديموقراطية ليست ممارسة سياسية وحسب، بقدر ما أنها أسلوب حياة، وسلوك اجتماعي معين، مؤطر بثقافة لا تستقيم الممارسة الديموقراطية دونها. تتكون هذه الشبكة، أو لنقل البنية التحتية للديموقراطية، من عدة أمور، ولكن يمكن تلخيصها في أربعة أركان هي: الثقافة والتعليم والمأسسة والقانون. فبدون ثقافة ديموقراطية، وعقل نقدي، ونظام تعليمي يزرع القيم في النفوس قبل العقول، ومجتمع مدني فاعل، ونظام قانوني يؤطر التفاعل بين وحدات المجتمع ويحمي حركتها واستقلاليتها، فإنه لا يمكن الحديث عن ديموقراطية، حتى لو كان هناك صندوق اقتراع، أو كان هناك أحزاب وانتخابات دورية.
ومن هنا تدخل المأسسة في المشهد، باعتبارها تجسد الأسس السابقة في الواقع الملموس، الذي يستطيع الفرد من خلاله ممارسة الحقوق والحريات، وإلا فإنها لا تعني شيئا، حتى لو قال بها الدستور، وتغنّى بها الحكام.
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس


