لم يكن نهار العاشر من آذار في دمشق قد انتصف بعد، عندما مررت من امام قصر العدل في آخر شارع النصر او شارع جمال باشا كما هي تسميته الشعبية في العاصمة السورية. كان من الظاهر ان الشرطة والاجهزة الامنية، قد اتمت كامل استعداداتها لمواجهة الاعتصام السلمي الرمزي والعلني الذي دعت اليه المعارضة السورية وجماعات مدنية وحقوقية بمناسبة الذكرى الرابعة والاربعين لاعلان حالة الطوارئ في سورية، والتي تصادف يوم الثامن من آذار عام 1963، وهو اليوم الذي وصل فيه حزب البعث الى السلطة في سورية.

كانت الاستعدادات مكتملة. حيث انتشرت سيارات الشرطة وشرطة النجدة في انحاء مختلفة من المكان، ومعها كثير من سيارات توحي مظاهرها انها تابعة لفروع الاجهزة الامنية، كما ظهرت للعيان سيارات نقل المساجين الكبيرة والتابعة لسجن دمشق المركزي في عدرا، التي جرت العادة على تواجدها في المكان.

 ووسط ملامح اسطول من سيارت الشرطة والمخابرات، كان ثمة انتشار واسع لرجال الشرطة وقوات مكافحة الشغب المعروفين باسم عناصر الكتيبة الاولى واغلبيتهم من الشبان المجندين الذين يتم انتدابهم للخدمة في الشرطة المدنية. واضافة الى عناصر المخابرات الذين صارت وجوههم معروفة لكثرة ترددهم على الاعتصامات والمسيرات التي دأب الحراك السياسي والاجتماعي والثقافي على تنظيمها في السنوات الاخيرة، فقد ظهرت كثافة عالية لحضور عناصر المخابرات، انتظمت في حلقات ومجموعات، وكانها دوريات تغطي مع عناصر الشرطة الرصيف القائم امام قصر العدل والذي يقابله على الجانب الآخر من شارع النصر، وامتدادا الى الابعد من جهة باتجاه مدخل سوق الحميدية الشهير، وباتجاه محطة الحجاز في راس شارع النصر، والتي لاتقل شهرة عن الحميدية.

كان المشهد اقل قسوة من مشهد طبع المكان في العام الماضي والذي قبله في المناسبة ذاتها. اذ احتشد في المكان حينها اضافة الى الشرطة وعناصر المخابرات مئات من الشبان الذين قيل انهم اعضاء في الاتحاد الوطني لطلبة سورية مع قياداتهم حاملين الاعلام السورية وصور الرئيس بشار الاسد، وقد استخدموا عصيها في ضرب المعتصمين وسط هتافات تصف المعتصمين بالخونة والعملاء، لانهم يطالبون برفع قانون الطوارئ، ولازالت ماثلة في الاذهان صور الاعتداء على الروائية والكاتبة سمر يزبك وزميلتها المسرحية المعروفة نائلة الاطرش، وعدد من الشبان والشيوخ الحاضرين، وكذلك الصدفة التي انقذت الكاتب حسين العودات من ايد مراهقين، كان يوجههم رجال الامن من جهة وبعض قادة اتحاد الطلاب من جهة اخرى، قبل ان ينتهي المشهد في حينها بفض الاعصام بالعنف واصابة كثير من المعتصمين واعتقال بعض الشبان الذين احيلوا على المحاكمة.

كنت اقف بالقرب من المكان مع احد معارفي الذي اصر ان يروي لي بعضاً من حكايا لاتتصل بالسياسة ولا بالاعتصام المزمع عقده في المكان، عندما تقدم ضابط شرطة برفقة عدد من العتاصر، وطلب الي مرافقته الى عند "عميد" الشرطة الموجود في المكان، ولم يكن لدي ما يمنع من حيث المبدأ. فقد اعتدنا على التحدث مع رجال الشرطة وعناصر الامن في مثل هذه الحالات، ليس فقط بحكم وظيفتهم التي تؤهلهم للتواجد في المكان ومتابعة الاشخاص الحاضرين فيه، وانما لان لدي رغبة في كسر حاجز كان جرى تكريسه، اساسه اقامة تناقض وعداء بين رجال الشرطة والامن والمعارضين ونشطاء الشأن العام، وباعتبار ان المواطنة السورية تجمعهم – بغض النظر عن وظائف المنتمين اليها ومواقفهم السياسية- فان لاشيء يمنع ان الحديث والنقاش والاختلاف، وهكذا كان.

 "عميد" الشرطة الذي حفظنا شكله واسمه، وكثيراً ما تكلمنا معه في اوقات سابقة، استقبلني بابتسامة هي خليط ما بين الترحيب والشماته، قبل ان يطلب مني الصعود الى سيارة نقل المساجين، حتى لا اتعب وانا اقف قرب قصر العدل بانتظار الاعتصام الذي كان سيبدأ بعد نحو ساعة من ذلك الوقت. والحق فان قبلت تحدي الصعود الى تلك السيارة، ليس خوفاً من يجبرني عناصر الشرطة الذين تحلقوا حولي على ذلك، وهو الاحتمال الوحيد اذا رفضت الصعود، بل لاني قررت في نفسي، ان اجسد قول اخواني المصريين الذي كثيراً مايتكرر في المسلسلات والافلام السينمائية: "وانا يهمني". وبدرجة اقل، احببت ان اعرف الى اين يذهب التفكير الامني في مواجهة اعتصام سلمي وعلني ورمزي على استمرار حالة الطوارئ، التي عشت اربعة اخماس حياتي في ظلها المقيت، فيما عاش اغلب السوريين كل اعمارهم تحتها.

كانت السيارة عبارة عن شاحنة فيها كبين منفصل عن صندوق حديدي كبير، يتم الصعود اليه بواسطة سلم حديدي من ثلاث درجات، وبسبب جهلي عجزت عن معرفة ماركة تلك السيارة وبلد صنعها، لكن اجزم انها ليس روسية من نوعية "زيل"، وقد درجت العادة في سورية على استخدام بعضها لنقل السجناء، واتيح لي الانتقال بها ذات مرة في فترة اعتقالي قبل نحو ثلاثين عاماً، عندما انخرطت في صفوف تنظيم يساري معارض.

بعد الدخول من باب صندوق الشاحنة، ثمة فسحة صغيرة تفصله عن باب آخر، وفيها يقف الحراس الذين يتحولون الى سجناء عندما يغلق الباب عليهم من الخارج، ويغلقون الباب الداخلي المعتقلين، وتصبح كل صلتهم بالعالم الخارجي نافذة ذات ثقوب صغيرة تمرر القليل من الهواء، ومثلها اخرى تصلهم بالداخل الذي يضم – وللطرافة - زنزانتين تتسع كل منها لشخص واحد واقفاً، وهناك مقعد حديدي دون قاعدة، يلف ما تبقى من جدران صندوق الشاحنة، فيما القي على ارضية الصندوق الدولاب الاحتياطي للشاحنة الذي صار بمثابة مقعد، يستعمله السجناء.

كنت اول الداخلين، ثم تبعني صاحبي الذي كنت اقف معه عندما ناداني ضابط الشرطة، ثم ما لبث ان انضم ثلاثة اشخاص، لم اكن اعرف ايا منهم، لكن الحال بعدهم اخذ يتغير، جاء حميد مرعي الناشط في لجان احياء المجتمع المدني، ثم رياض سيف النائب السابق في مجلس الشعب السوري ورئيس لجنة المتابعة في اعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي، وحسن عبد العظيم الناطق بلسان التجمع الوطني الديمقراطي، والمحامي هيثم المالح احد ابرز المدافعين عن حقوق الانسان، والكاتب علي العبد الله والناشط الكردي امين الشيخ ألي والاثوري السوري بشير السعدي اعضاء مكتب الامانة في اعلان دمشق، ومن النساء طلت السيدة سهير اتاسي رئيسة منتدى جمال اتاسي للحوار الديمقراطي وحسيبة عبد الرحمن الروائية والناشطة السياسية، وزينب نطفجي ناشطة المجتمع المدني وجمانة سيف وهند لبواني، والاخيرة ابنة المعتقل المعارض كمال لبواني، وغيرهم الى وصل العدد الى سبع وثلاثين شخصاً، أكتظوا في حيز يقل حجمه عن عشرين متراً مكعباً من الهواء، يتم تجديد القليل منه بواسطة اربع نوافذ صغيرة ومخرمة بالحديد، لاينفذ عبرها الا هواء محدود، وقد ذكرني الحال بامكانية تكرار مصير الفلسطينيين الذين اختنقوا داخل صهريج معدني في رواية غسان كنفاني الشهيرة رجال تحت الشمس.

كان الضباط الامنيون راغبون في حشد عدد أكبر من القادمين الى الاعتصام في تلك الشاحنة، لولا اصوات الاحتجاج التي تعالت، ومثلها احتجاجات ابداها البعض على عملية احتجازه، وآخرون اعترضوا على قيام عناصر من المخابرات ثقلي الظلال والارواح بتصوير فيديو لكل المحتجزين، ترافقت مع اخذ هوياتهم الشخصية التفصيلية، الامر الذي دفع البعض للاعتقاد، اننا بصدد عملية اعتقال جماعية لنشطاء العمل العام في سورية.

بعد نحو ساعة من حشر المحتجزين في الصندوق المعدني، اخذت شاحنة السجن تتحرك مروراً بشارع الثورة. فظن البعض انهم في الطريق الى فرع التحقيق المركزي التابع للامن السياسي قرب مدينة الفيحاء الرياضية، غير السيارة تجاوزت المنطقة وتوجهت نحو الاتستراد الدولي الذاهب نحو الوسط والشمال السوري، مما عدل التوقعات، والقول، ان الهدف صار سجن دمشق المركزي في عدرا، وهو توقع عززه، كون الشاحنة تتبع سجن عدرا وكذلك دورية الشرطة المرافقة، اضافة الى تأكيد احد رجال الامن للمحتجزين انهم سيكونون بضيافـ"تنا"،الى جانب ان ثمة معتقلين سياسيين، يمكن الانضمام اليهم في سجن عدرا بينهم عالم الاقتصاد عارف دليلة والكاتب ميشيل كيلو والباحث رياض درار والناشط الحقوق انور البني والطبيب السبعيني محمود صارم غيرهم.

والحق فان الشاحنة مضت على طريقها ببطء شديد، لم يلاحظه اغلب المحتجزين في البداية، لانهم انشغلوا عن ذلك في احاديث متنوعة، بعضهم اخذ يتعرف على البعض الآخر، وغيرهم دخل في اسئلة واجوبة عن العائلة والاصدقاء والصحة، وآخرين انخرطوا في احاديث ونقاشات سياسية، كان بينها الكلام في موضوع الاعتصام، واحتجاز المعتصمين قبل وقت الاعتصام، وقبل ان يتوفر لهم وقت للتجمع ورفع لافتات، وترديد شعارات تندد باستمرار الطوارئ، وتطالب بوضع حد لها، حسبما ما كان مقرراً، كما ثارت نقاشات حول الاحتمالات التي سوف تعقب الاحتجاز، والطريف، ان احد الاشخاص قدر، انه سيتم اطلاق المحتجزين في منطقة بعيدة عن دمشق، وهذا ما حدث فعلاً، فيما قدر شخص آخر ساخراً، ان المحتجزين في طريقهم الى سجن تدمر الذي كانت السلطات قد اغلقته قبل سنوات وذلك بعد ان تجاوزت الشاحنة سجن عدرا، ومضت على الطريق الصحراوي الموصل الى تدمر.

ووسط انشغالات المحتجزين بالاحاديث المختلفة، فان حالات من التعب وضيق التنفس، اخذت تظهر بين الحاضرين وخاصة كبار السن، وهم كثيرين، الامر الذي حدا بالقاعدين على ما يشبه المقعد الحديدي او على الدولاب الاحتياطي الى اخلاء اماكنهم لجلوس المتعبين، فيما اخلى المقربين من النوافذ الصغيرة الاربعة اماكنهم لمن ضاقت عليهم انفاسهم، لكن طارئاً استجد على المحتجزين مع دخول الشاحنة الطريق الصحراوي، حيث اخذ سائقها يسرع ويتوقف بصورة مفاجئة بصورة متكررة، مما تسبب في وقوع العديد من المحتجزين على بعضهم، واصابت بعضهم برضوض، مما رفع اصوات البعض بالاعتراض والاحتجاج والذي لم يخلو من شتائم لحقت بسائق الشاحنة، واتضح ان تلك الحركات كانت بعضاً من ممارسات مقصودة هدفها ازعاج من في الشاحنة والحاق الاذى بهم، وهذا بعض ما تفتق عنه العقل الامني في تعامله مع المعتصمين المحتجزين.

اما الفصل الاخير من ابداعات العقل الامني، فقد بدأ خليطاً ما بين السماجة والطرافة. كانت السماجة في اطلاق المحتجزين على دفعات في طريق، تندر فيه السيارات العابرة، وهذا يعني، ان من لا يحالفه الحظ، سوف ينتظر طويلا ليجد وسيلة نقل تعيده الى دمشق، وقد لايجد الاشخاص فرصة للعودة سوية، وقد تستغرق عودتهم وقتاً، والطرافة في رفض اطلاق المحتجزين دفعة واحدة، كان يتصل بفكرة ان عودتهم الى دمشق، سوف تدفعهم الى تجديد الاعتصام امام قصر العدل.