تواجه قمة الرياض القادمة تحديات جسيمة وخطيرة، تفترض من القادة العرب اتخاذ قرارات تتناسب، صياغة وعملا، مع حجم هذه التحديات التي تهدد أمن واستقرار المنطقة العربية، وأهمها تنحصر بشكل مباشر في ثلاثة ملفات رئيسية: فلسطين والعراق ولبنان، إضافة إلى الملف النووي الإيراني وتداعياته.

والواقع أنّ هذه القمة ربما تكون الأولى التي يواجه فيها العالم العربي جملة من القضايا والمشكلات والأزمات الداخلية والخارجية المتشابكة والمترابطة، بطريقة لم يواجهها العرب سابقا، مما يضيف إلى حجم التحدي الذي عليهم مواجهته لتفكيك هذه الأزمات، والتي لم تعد تواجه الدول والحكومات فقط، بل أخذت تنحو منحى مجتمعيا داخل النسيج الشعبي العربي، الذي بقي متماسكا إلى حد كبير خلال كل النكبات والهزائم التي مرت، وأصبحت الآن تهدد كيانه بمخاطر الفتنة والتفتيت.

إنّ القمم العربية كانت مدعاة للسخرية، بسبب عدم فعاليتها، وبطلان جدواها، ولأنّ قراراتها لم تُنفّذ. إذ برزت في السنوات القليلة الماضية تساؤلات عديدة حول جدوى القمم العربية ومستقبل النظام العربي، وامتدت التساؤلات لتطال نشأة الجامعة العربية، وما فعلته طوال مسيرة أكثر من ستين عاما من عمرها، وما حققته من مكاسب للنظام العربي على مختلف الصعد، السياسية والاقتصادية والعسكرية، وسواها.

وقد تكون القمة العربية في الرياض شيئا آخر، يطلق دينامية جديدة، تجعل منها إحدى أهم القمم العربية، بعد مضي سنوات على تراجع هذه المؤسسة، وهي قمة على درجة عالية من الأهمية لعدد من الأسباب، أهمها أنها القمة التي سيناط بها " إعادة تعريف النظام الإقليمي العربي " بعدما أضحى مهددا بأنظمة إقليمية بديلة. ومن هنا، يجوز وصف القمة العربية المرتقبة في الرياض، بأنها قمة محاولة إعادة المنطقة إلى التعقل، للتعاطي المجدي مع المحن التي تعصف بها، وتفكيك بؤر الأزمات التي تحكم طوقها من العراق إلى لبنان وسورية وفلسطين، مستعرة نارها بالانقسامات المذهبية. مما يفترض سعي القيادة السعودية إلى خروج القمة بقرارات وأدوات تنفيذ ناجحة، تؤسس لمسار جديد في التعاطي مع أزمات المنطقة.

إنّ القمة العربية فرصة لإطلاق مبادرات عربية واعية، فمن دون أوهام خطابية حول إمكان دحر الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، فإنّ هذه الفرصة تتيح التحرر من ضغوط الدولة العظمى بعد أن ثبت أن ثمة حدودا لجبروتها. ومن دون طموحات كبيرة حول مدى قدرة مؤسسة القمة على استعادة المبادرة من الإدارة الأمريكية، فإنّ باستطاعة القادة العرب السعي إلى الإمساك بزمام إدارة أزماتهم، بدلا من أن يديرها لهم مَن بات يحتاج إلى مَن يدير له أزماته، تمهيدا لقيام رؤية عربية تفضي إلى حلول لهذه الأزمات.

غير أننا إذا أردنا فعلا أن نرسم توقعات معقولة، بحكم الضرورة والتجربة التي نعيشها منذ أول مؤتمر قمة عربي عام 1964، لا بد أن نتريث قليلا وننزل من سقف التمنيات إلى أرض الواقع المر، لنتبين ما الذي يمكن أن تنجزه هذه القمة بينما المنظومة العربية تمر بإحدى أكثر المراحل خطورة في تاريخها. هذا يتطلب أولا عدم تحميل القمة، أكثر مما تحتمل، في ظروف يدرك الجميع، ليس فقط شدة صعوبتها، بل أيضا، مسؤولية أطراف عربية أخرى، عما وصلت إليه الأمور في عالمنا العربي من تردٍ، ومسؤوليتها أيضا عن العمل الجدي للخروج من هذه الحالة. كما يتطلب، ثانيا، الإقرار بأنّ القمم العربية منذ إطلاقها لم تكن سوى منبر لصوغ خطاب تعبوي أو اتخاذ مواقف متواضعة الإنجاز، تجاه معضلات كبرى واجهت العالم العربي في مراحل معينة، وليست آلية صلبة ترتكز على رؤية استراتيجية بعيدة المدى، للتحديات القديمة والمستجدة التي يواجهها العالم العربي.

ولا يخفى عنّا أنّ الإدارة الأمريكية تسعى لانتزاع موقع اللاعب الأساسي في الملفات الرئيسية المدرجة على جدول أعمال القمة العربية العتيدة، بدءا من العراق وفلسطين ولبنان وانتهاء بالسودان والصومال، وبغية ذلك بدأت بإرسال رسائل واضحة إلى القمة. ولم يكن مفاجئا أن تعمل السياسة الأمريكية مثلا على تهميش وعزل كل الأدوار العربية المؤثرة، وأن يقبل النظام العربي الرسمي هذا العزل والتهميش بالاستسلام، بينما تنفتح الأدوار المؤثرة لدول ومنظمات إقليمية ودولية أخرى، مثل إيران وتركيا في الأزمة العراقية، والاتحاد الأوروبي في الصراع العربي الفلسطيني - الإسرائيلي، والأزمة اللبنانية، ثم الاتحاد الأفريقي في الأزمتين السودانية والصومالية.

إنّ دقة الالتزام ووضع الضوابط للتنفيذ ينبغي أن يأخذا طابع الإلزام، كي لا تكون القمة بمثابة سوق للأفكار، وإنما آلية لمعالجة الأزمات. وهذا يقتضي وضع الأطر التي يمكن أن توضح، بما لا يقبل اللبس، مدى التزام التنفيذ. وفي مقدمة ذلك إعلان من أطراف التسويات لمراجعة المواقف التي أدت إلى التأزم وتقديم ضمانات لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.

ثم لو ركزت القمة على قضايا محدودة، واستطاعت التوصل إلى نتائج عملية لها، لاعتبرناه انتصارا يرقى إلى مستوى القمة. فهل تملك القمة العربية شجاعة الاعتراف، ثم هل تستطيع تغيير هذه  الأوضاع واستعادة الملفات المفقودة والأدوار المسروقة، لتمارس دورها الحقيقي في إقرار الأمن وفك الاشتباكات وحل النزاعات، أم أنّ الإرادة السياسية المستقلة غائبة ومغيبة ؟

ليت بإمكان القمة العربية المقبلة في الرياض أن ترتقي فعلا، كما تأمل الشعوب العربية، إلى طموحاتها، وتستطيع أن تنجز ما عجزت عنه القمم العربية السابقة.

 

   الدكتور عبدالله تركماني

  كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

                                                                     

(*) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 22/3/2007.