منذ غابر الزمان، شهد تاريخ البشرية صراعات وحروب بين قبائل وعروق واجناس وشعوب وامم، راح ضحيتها ملايين من الناس بين قتيل وجريح واسير. فاما من مات وراح فقد اراح واستراح، واما من جرح فاما التحق بفريق الموتى واما تشافى وتعافى ولو في جسده كلم او عاهة. بيد ان مصيبة المصائب كانت من نصيب الاسير، فهو الحي الميت الجريح في روحه وجسده، وهو المكبل بالاصفاد المرئية والخفية، وهو المغيّب ليل نهار، وهو المعذّب في السرّ والجهر.
لقد عانى الاسير تاريخيا ما لم يعانيه انسان عادي ابدا، فكان يقتل او يستعبد او يباع في سوق النخاسة، كان الآسرون يجردونه من آدميته ويفعلون به ما يشاءون... لكن مع تطور حضارة بني البشر وبلوغ الوعي والنفس مستويات ارقى من التهذيب والتاديب، استطاعت بشرية القرن العشرين اقرار مجموعة من المواثيق الدولية التي يفترض مراعاتها من قبل اعضاء ما يسمى بـ "الاسرة الدولية" في حالات الحرب وبالتحديد بخصوص الجرحى والاسرى والسكان المدنيين...الخ من خلال ما ذاع صيته واشتهر باتفاقيات جنيف الاربعة.
تحضرنى في هذه اللحظة، ومن واقع موروثنا التاريخي الحضاري قضية الاسرى وكيف تعامل معها العرب المسلمون في عهد النبي الاممي محمد (صلعم). فبالاضافة الى تكريم الاسرى بذكرهم صراحة في القرآن الكريم " ويطعمون الطعام عل حبه مسكينا ويتيما واسيرا" هناك، في تاريخ الثورة العربية الاسلامية الاولى، قصة اول تعامل عربي حضاري انساني مع الاسرى على اثر معركة بدر. فقد امر الرسول (صلعم) بان يشترى حريته من استطاع منهم الى ذلك سبيلا (فدية مالية)، ومن لم يستطع وكان يعرف القراءة والكتابة، فليعلم خمسة من المسلمين الاميين مقابل حريته، كما انه اطلق سراح من كان اميا وفقيرا، بعد معاملتهم جميعا معاملة حسنة وتقاسم خبز المسلمين معهم.
بعد اربعة عشر قرنا من ذلك، وجدت مثالا حيّا شاهدا على تواصل وتلاقح الحضارات الاصيلة (في مواجهة تصادم الحضارت المبتذلة) من خلال تعامل انساني راقي مماثل، لاسرى حرب مرتزقة في جزيرة الحرية بجدارة: كوبا.
عام 1961 وعلى اثر غزو المرتزقة لكوبا تحت اشراف ادارة جون كينيدي، بهدف الاطاحة بالثورة التي انتصرت عام 1959، واعادتها الى حظيرة الامبريالية الامريكية، اسرت القوات الكوبية النظامية والشعبية حوالي 1200 مرتزقا، ولم يتعرض اي منهم لضربة بكعب بندقية، وقدمت اليهم العناية الطبية اللازمة والغذاء اللازم. فقط تمت محاكمة عدد قليل منهم من الذين كانت عليهم ادانات بجرائم حرب او مذابح بحق الشعب الكوبي اثناء حكم دكتاتورية فولخينسيو باتيستا، ونفذ بهم حكم الشعب. اما البقية، وقد كانوا يستحقون الاعدام دون محاكمة (لانهم مرتزقة غزاة) فقد قامت الحكومة الثورية بمبادلتهم بغذاء للاطفال، في صفقة مع امهم الرؤوم: الامبريالية الامريكية.
ان العقلية الصهيونية والامبريالية وبالتحديد الامريكية، قد عادت الى الموبقات التي كانت ترتكب بحق الاسرى في عصور الظلام، وتفتقت ذهنيتها الفاشية عن ابتكار ممارسات بحقهم، وزادت عليها من الفواحش القانونية والاخلاقية، ما لا يستسيغه عقل سوي ولا غريزة حيوانية.
المنطلقات الفكرية التي تؤسس لهذه العقلية غير الآدمية و للممارسات الاجرامية، جاءت من الايمان بالفرادة والتفوق العرقي والقوة الغاشمة والتي ترجمت نفسها من خلال نفي الآخر بما يترتب على ذلك من تعذيبه وابادته. هذا الفكر الظلامي وان استند الى اساطير "دينية" من قبيل "شعب الله المختار" فانه في واقع الامر، قد احلّ اصحابه محل الاله الذي "اصطفاهم" وهو بطبيعة الحال ليس اله ابراهيم وموسى وعيسى ومحمد (عليهم السلام اجمعين) بل هو اله راس المال الذي حولوه الى صنم يعبدونه، ويرتكبون الموبقات في سبيل تضخيمه وخلوده، من خلال دماء وآلام وعذابات ملايين البشر.
ومما يدعو للاسف الشديد والسخط المشروع، هو ان بعض الانظمة العربية، التي تدعى وراثتها للحضارة الاسلامية، قد انقادت في هذا المضمار خلف عقلية وممارسات الصهيونية والامبريالية، ليس بحق اسرى الحرب، بل بحق الاسرى او السجناء السياسيين وربما العاديين، وتفوقت عليها في التفنن باصناف الاهانة والتعذيب والتنكيل المبرمج والمنتظم اشباعا لعقد من الدونية والسادية البغيضة.
في هذه المقالة المتواضعة سأتطرق فقط الى ثلاثة حالات محددة تثبت بالملموس وبما يدع مجالا للشك، فساد وفسوق فكر وخلق ومممارسة الصهيونية والامبريالية الامريكية في هذا المجال، وبالتالي بطلان كافة ادعاءاتهما بصدد الاصلاح والديموقراطية وحقوق الانسان ومحاربة الاستبداد والطغيان وتقديس الحرية.
اولا: الكيان الصهيوني واسرى الامة العربية
انطلاقا من الاسس الفكرية الصهيونية التي تقول بالتفوق "العرقي" وبفرادة "الشعب المختار" و "نفي الغير" ـ كفلسفة لاثبات وجود الذات ـ قام كيانها المختلق بترجمة ذلك عمليا من خلال الاستيلاء بالقوة العسكرية على كل الوطن الفلسطيني، وطرد اصحاب الحق التاريخيين، وابادة جزء منهم، وتشريد جزء آخر، والأسر المركّب لمن تبقى: اسر الجميع في سجن الاحتلال الشامل، واسر المقاومين والرافضين له في زنازين الفاشية الجديدة ومعسكرات الاعتقال النازية. كما يحتفظ الكيان الصهيوني بعدد من الاسرى العرب الذين وقعوا في قبضته اثناء تادية الواجب الوطني والقومي في محاربة عدوانه وغزواته، ويلقون منه نفس المعاملة فهم عرب اعداء كعرب فلسطين.
لقد انكر الكيان الصهيوني منذ البداية اية حقوق انسانية لكل فلسطيني سواء كان في الوطن او في الشتات، و"يستاسد" على المعتقلين والموقوفين الاداريين والاسرى والمختطفين. واذا دققنا في هذه التسميات نصل بالنتيجة الى انهم مخطوفون جميعا تحت قوة السلاح وسلطة الاحتلال المنتشرة في كافة اركان الوطن. واذا ما اضفنا ان "القضاء" الصهيوني يجيز استخدام التعذيب من اجل الحصول على معلومات اثناء الاستجواب،ويغض الطرف عما تمارسه السلطات العسكرية والامنية بحق المواطنين الاسرى،يتبين دون محالة ان الكيان الصهيوني لا يعترف في الواقع العملي حتى بوجود اولئك كبشر، وربما يتعامل معهم ككائنات مختبرية للتجارب.
اكثر من ربع الشعب الفلسطيني[1] المتشبث بارضه وهويته وجذوره في الضفة الفلسطينية وقطاع غزة (ويجب ان لا ننسى اسرى اهلنا في اراضي 48) ذاق مرارة الاعتقال والسجن وهدر آدميته، ولا يزال ما يقارب 12 الف اسير بل مختطف يقبعون في غياهب السجون ومعسكرات الاعتقال والتعذيب.
بمعنى انه من الناحية القانونية تنتفي شرعية الكيان الصهيوني في احتجازهم مما يفرض على جهابذة المفاوضين الفلسطينيين بالتحديد، والعرابين العرب والوسطاء الاوروبيين وقضاة البيت الابيض الامريكي والنظام القضائي الدولي التحرك للافراج عنهم؟!
قبل فترة من الوقت قمت بمراجعة نصوص الاعلان العالمي لحقوق الانسان فوجدت ان الكيان الصهيوني انتهكها جميعا ودون استثناء. فلم ينج من كراهيته وعدوانه وجرائمه بحق الشعب الفلسطيني لا حجر ولا شجر ولا حيوان ولا انسان. وطالت فاشيته حتى الاجنة في الارحام والولدان خلف القضبان.
وقد شهد عام 2006 م، ابتكارا صهيونيا خلاقا في مجال اسر الفلسطينيين وقادتهم، حيث قام الجيش الصهيوني"باختطاف النائب أحمد سعدات، الأمين العام للجبهة الشعبية من معتقل أريحا، وذلك بعد اقتحامه من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي بتاريخ 14-3-2006، كما اختطفت معه اللواء فؤاد الشوبكي، عضو المجلس الثوري لحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" وعدد آخر من المعتقلين أعضاء في الجبهة الشعبية، كانوا معتقلين في سجن أريحا، تحت حراسة أمريكية وبريطانية"[2] وبعلم السلطة الاوسلوية الميمونة.
وبعد ذلك، ياتي الكيان الصهيوني ويجنن العالم ويجند اللجنة الرباعية والامبريالية الامريكية والواقعيين جدا والمنبطحين من ابناء جلدتنا، من اجل الافراج عن اسرى حرب صهيونية امريكية على الامة العربية. وقام بتدمير غزة والضفة ولبنان بتلك الذريعة. والانكى انه يصفهم بالمخطوفين كما لو كانوا نائمين في بيوتهم وطالتهم يد المقاومة العربية في فلسطين ولبنان.
الى جانب هذه الصورة القاتمة حقا لواقع الاسرى العرب في الكيان الصهيوني، نجد صورة مشرقة تنبثق من قلب الماساة، صورة الانسان المؤمن بنفسه وقضيته وعدالتها، الواثق من شعبه وامته وكرامته الآدمية، صانع التحدي بارادته الراسخة في مواصلة النضال مهما كانت الظروف والتضحيات، نساء ورجال يشمخون كالاعلام، في وجه جبروت راس المال والحرب والارهاب، واقزام الواقعية والاستسلام. فالامة التي تنجب امثال هؤلاء لا تموت بل تحيى بهم ولهم.
ولكي تتضح هذه الصورة استعير مقتطفات من مرافعة الدفاع التي قدمها امام المحكمة الصهيونية، احد اكبر رموز الاسر الفلسطيني المعاصر واعني به احمد سعدات، الامين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وليس تحيزا ولا تمييزا بحق اخوته ورفاقه، بل تجسيدا لما يدور في خلدهم وتكريما لهم جميعا:
" ... أما جهازكم القضائي المتفرعة منه هذه المحكمة وغيرها فهو احد أدوات الاحتلال العسكري، وظيفته إضفاء الشرعية القانونية على جرائم الاحتلال وممارساته المتناقضة مع منطق ونصوص القانون الدولي وتشريع الاحتلال وتكريس مفاهيمه وفرضها بالقوة على شعبنا كجزء من فرض الرؤيا الإسرائيلية لسبل إدارة الصراع وطبيعته، والسير بمنطق القانون الدولي على رأسه بدلا من قدميه لتسويق الاحتلال الشكل الأسوأ لإرهاب الدولة المنظم كحالة دفاع عن النفس. وفي المقابل تصوير المقاومة المشروعة لشعبنا إرهاباً ينبغي محاربته وتصفيته أو محاكمة من يمارسه أو يؤيده أو يحلم به... فرأس الهرم السياسي في إسرائيل كان على الدوام محتلا ً لمصالح حفنة من الرأسماليين الصهاينة المحلية والدولية المتحالفة مع الشركات الاحتكارية الإمبريالية الدولية التي تقود وتوجه السياسة الأمريكية والإسرائيلية اليوم....
...أنني كأمين عام للجبهة الشعبية لتحرير
فلسطين
أؤكد اعتزازي بانتمائي للحركة الثورية
الفلسطينية، وامتدادات هذه الحركة على
الصعيدين الإقليمي والقومي والدولي التي تشكل
مكونات الحركة الثورية العالمية
المناهضة لنظام العولمة الإمبريالية، والإطار
القيادي لنضال شعوب العالم وطبقاته
المقهورة من اجل الحرية والديمقراطية
والاشتراكية والتقدم العالمي والاقتسام العادل
للثروة والتكافؤ بين الشعوب والسلام، ورفض
مكانة الاضطهاد والحرية الإمبريالية
والنهب والقهر والتمييز العنصري، وبناء ثقافة
وحضارة عالمية إنسانية تقدمية تعيد
للانسان إنسانيته وتفتح طريق تطوره الحر."[3]
ثانيا: الامبريالية الامريكية والاسرى الاممين
لا يختلف عاقلان في هذا العالم على حقيقة ان منبع الارهاب العالمي المعاصر، موجود في صميم فلسفة راس المال الاحتكاري ، ويتجلى على يد القوة العسكرية العظمى الاولى ـ الامبريالية الامريكية ـ في محاولة لفرض نموذجها الوجودي بالحديد والنار: عولمة الليبرالية الجديدة.
ان الحملة التي تشنها ادارة المحافظين الجدد في الولايات المتحدة نيابة عن بعض قريناتها وبمشاركة بعضها الآخر، بحجة مكافحة الارهاب العالمي الذي اسست له على امتداد قرنين من الزمان، قد ادى الى حروب غزو ونهب اجرامية وتدمير متعمد للاوطان والانسان في كل من العراق وافغانستنان وفلسطين ولبنان حتى الآن. ونتج عنها ملايين من الاسرى والمعذبين في هذه الرقعة الجغرافية وخارجها، فهل يعلم احد عدد الاسرى في العراق مثلا؟ وما يتعرضون اليه على يد قوات الاحتلال ومرتزقتهم الوافدين والمقيمين؟
لجات الادارة الامريكية الى "شرعنة" عمليات اختطاف اي انسان في اي مكان من العالم بتهمة الارهاب، بالتواطؤ مع حليفاتها الاوروبية وعبيدها في العالم الثالث، بينما سعت ولا زالت تسعى لدى مختلف الدول، في سبيل الحصول على ضمانات، لعدم تعرض افراد قواتها المسلحة واجهزتها الامنية، الى ملاحقات ومساءلات قضائية، بسبب جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الانسان. اي ان الادارة تريد الحصول على صك غفران مسبق لجلاديها ومجرميها عن الجرائم التي ارتكبوها والتي سيرتكبونها فيما بعد. انه قضاء امبراطوري بامتياز.
وقد ابتدعت ادارة الامريكية مقولات جديدة في القانون الدولي لتضليل الراي العام العالمي ومؤسسات الولايات المتحدة نفسها ومجتمعها المدني. فاصبح اسم الاسرى "مقاتلين اعداء" و"مسلحين مارقين" و"ارهابيين"...الخ واصدرت مرسومها الامبراطوري القائل بان اتفاقيات جنيف لا تنطبق على هؤلاء، اي انها تنفي عنهم صفة البشر، وبالتالي يمكن التعامل معهم بأية فاشية ونازية تخطر على بال السجانين والمحققين والشواذ.
وللامعان في تثبيت هذا الوضع "القانوني" استحدثت الادارة الامريكية معتقلات للاسرى خارج حدود اختصاص الدولة والقضاء الامريكيين. فهناك قاعدة غوانتنمو الجاثمة على ارض تحتلها الولايات المتحدة الامريكية في اقصى شرق كوبا منذ عام 1901 رغما عن ارادة الدولة الكوبية وشعبها، وهناك ابو غريب وهناك باغرام وهناك المعتقلات الطائرة في الجو، واخرى راسية في اعالي البحار، هناك السجون السرية في اوروبا المتحضرة، وهناك سجون عند بعض الانظمة العربية، التي تمتثل لارادة الكاوبوي الامريكي، وتتفنن في تعذيب المعتقلين، وحتى تسلمهم الى الد اعداء البشرية، بمجرد الشبهة او لتصفية حسابات داخلية.
بالمحصلة نجد ان الامبريالية الامريكية في ظل ادارة "المحافظين الجدد" قد ارست مرتكزات قانونية داخلية ودولية لاعتبار الاسرى بانهم ليسوا بشرا، وسوغت بالتالي اللجوء الى الاساليب الفاشية والنازية في التعامل معهم. وهناك الآن مساعي للادارة ترمي الى بناء معتقلات كبيرة داخل الاراضي الامريكية نفسها، وبالتاكيد سيكون نزلاؤها من ابناء الشعب الامريكي الرافضين لفلسفة الحرب العدوانية والاستباقية والمعارضين لنهج السياسة الخارجية الحالية.
ولا يجب ان ننسى ان هناك قطاع متزايد من الراي العام الامريكي، ينشق عن الموقف الحكومي ويعارضه لا سيما في اوساط المثقفين والجامعيين والفنانين والمهاجرين. واذا ما علمنا بوجود ما يسمى بوثيقة " المحضر الوطني او قانون الوطنية" وبانتهاكات الادارة بحق الدستور والمواطن من خلال التنصت على الهاتف ورصد البريد الالكتروني والاعتقال الفوري والميداني لاي مشتبه به والمحاكمة العسكرية السرية دون اية ضمانات اجرائية او قانونية...الخ لوجدنا ان فاشية الادارة تنعكس ايضا داخل حدود اختصاص دولتها،بمعنى يشارك اسرانا في معاناتهم اسرى امريكيون ولاتينيون ومن مختلف الاقليات والمهاجرين الموجودين على الاراضي الامريكية، مما يضعنا واياهم موضوعيا في نفس الخندق كحلفاء قضية ومصير.
ثالثا: الامبريالية الامريكية والاسرى الكوبيين الخمسة
منذ انتصار الثورة الكوبية ما انفكت الادارات الامريكية المتعاقبة تمارس ارهابا شاملا بحق الشعب الكوبي من خلال ارهاب الدولة وارهاب الجماعات وارهاب الافراد. ودفع الشعب الكوبي ثمنا باهظا بلغ اكثر من خمسة آلاف بين قتيل وجريح من جراء تلك الجرائم، ومن ضمنها تفجير طائرة مدنية كوبية يوم 6 اكتوبر 1976 في الجو وعلى متنها 73 راكبا.
في اعوام التسعينات من القرن الماضي ازدادت وتائر الاعمال الارهابية التي تقوم بها جماعات المافيا الكوبية ـ الامريكية المستقرة في الاراضي الولايات المتحدة وبتواطؤ من سلطاتها، ابتداء من البيت الابيض ووصولا الى خفر السواحل. كما كانت تقوم تلك الجماعات باعمال استفزازية ضد كوبا في محاولة لتوريطها في حرب كارثية مع الولايات المتحدة الامريكية، تتوجت باسقاط طائرتين معاديتين اخترقتا المجال الجوي الكوبي يوم 24 فبراير 1996 وانتهت بذلك تلك الاستفزازات وكان الثمن توقيع الرئيس الامريكي بيل كلينتون على قانون هيلمزـ بيرتون لتشديد الحصار الاقتصادي والمالي والتجاري المفروض على كوبا منذ 1960 (رسميا).
الا ان المافيا الارهابية استمرت في اعمالها التخريبية والعدوانية من خلال عمليات انزال بحرية باستخدام قوارب فائقة السرعة (يبلغ طول الساحل الكوبي اكثر من 5000 كم) تقوم بانزال مجموعات كوماندوز صغيرة الحجم والمتفجرات والاسلحة من اجل استعمالها في عمليات داخل الجزيرة، ووصل الامر الى اطلاق النار من المدافع الرشاشة على مرافق سياحية قريبة من الشاطيء.
كما استطاعت تلك الجماعات ادخال عناصر مرتزقة من جنسيات لاتينية ومعها مواد متفجرة، لاستخدامها في عمليات ارهابية بحتة ضد المنشآت المدنية والسياحية. ونجحت عام 1997 في تفجير اربعة عبوات في يوم واحد[4]. وكانت الدعاية المضادة للثورة تعزي تلك العمليات الى "رجال الامن والقوات المسلحة الكوبية الساخطين على النظام بسبب الازمة الاقتصادية في البلاد". لكن سرعان ما انكشفت الحقيقة والقي القبض على الجناة ـ ولا زالوا يقبعون في السجون الكوبية، وحكم على بعضهم بالاعدام، لكن مجلس الدولة لم يصادق حتى الآن على التنفيذ.
وعلى الرغم من مناشدة الحكومة الكوبية لنظيرتها الامريكية التصرف ازاء انتهاكات تلك الجماعات للقوانين الامريكية والكوبية في آن واحد ووضع حد لها، وابداء استعدادها للتوقيع على اتفاقيات ثنائية لمكافحة تهريب المخدرات والاشخاص ومكافحة الارهاب، الا ان غطرسة الامبريالية لا زالت تمنعها حت الان من الاقدام على خطوة بنّاءة من هذا القبيل.
امام هذا الوضع الحساس، اضطرت الحكومة الكوبية الى ايصال مجموعة من المناضلين الوطنيين الى وكر الارهابيين في جنوب ولاية فلوريدا، من اجل جمع المعلومات ورصد تحركات تلك الجماعات واكتشاف مخططاتها الارهابية، والتبليغ عنها الى السلطات المعنية في كوبا من اجل احباطها. وقد قدّم هؤلاء خدمات جليلة لوطنهم وشعبهم وللشعب الامريكي اذ ان بعض مخططات المافيا كانت تستهدف طائرات مدنية قادمة من امريكا الوسطى الى كوبا وعلى متنها مواطنين امريكيين.
وفي لحظة ما، اطلعت القيادة الكوبية الادارة الامريكية، عبر قنوات اتصال مباشرة، على بعض تلك المخططات والمعلومات، كبادرة حسن نية ولاثبات الاتهامات الموجهة الى تلك الجماعات الارهابية. وفي المحصلة القت السلطات الامريكية القبض على خمسة من اؤلئك المناضلين ضد الارهاب عام 1998 وزجت بهم في اقسى اقبية التعذيب والعزل الانفرادي في ظروف غير انسانية اطلاقا. والانكى من ذلك انها اصرت على محاكمتهم ـ بتهم التجسس والتآمر من اجل القتل وغيرها ـ في مدينة ميامي وعلى يد انصار المافيا وتحت مراقبتها الميدانية (وضعوا المتهمين تحت رحمة الخصم والحكم).
وجاءت الاحكام الجائرة بالمؤبدات والمدد الطويلة بالسجن الفعلي وحرمان بعضهم حتى من زيارة اهلهم لهم. وبعد مدة من الزمن واستكمال اجراءات الاستئناف، اصدرت محكمة اطلنطة الفيدرالية حكما يقضي بالغاء العقوبات واعادة محاكمة المتهمين في مكان آخر، والاخذ بعين الاعتبار الادلة التي تثبت براءتهم من التهم الموجهة اليهم، خاصة وان كبار ضباط من الامن والعسكريين الامريكيين ادلوا بشهاداتهم امام المحكمة، واكدوا ان نشاط المناضلين الخمسة لم يمس الامن القومي الامريكي اطلاقا.
غير ان سلطات ادارة المحافظين الجدد لجات الى الاعيب اجرائية ولم تنفذ ذلك الحكم بتاتا. وهنا يجب الاخذ بالحسبان الاعتبارات التالية:
اولا: ان المناضلين الخمسة ومعهم الدولة الكوبية قد تصرفوا تحت ضغط الضرورة ومعروف في العرف والقانون الدولي ان "الضرورات تبيح المحظورات".
ثانيا: ان الضرر الذي تفادوه اكبر واهم من الضرر الذي نجم او قد ينجم عن تصرفهم ، اي دفع الضرر الكبير بضرر صغير وهذا مفهوم ومقبول قانونيا واخلاقيا.
ثالثا: ان هؤلاء الخمسة كانوا يناضلون ضد الارهاب المضاد للشعبين الكوبي والامريكي على حد سواء، قبل ان تعلن الادارة الامريكية رسميا حملتها الصليبية ضد الارهاب العالمي عام 2001. فاذا كانت الادارة جادّة فيما تدعي فانه يتوجب عليها اطلاق سراحهم فورا ومنحهم اسمى الاوسمة الامريكية.
رابعا: منذ لحظة اعلان محكمة اطلنطا بطلان الاحكام الصادرة والمطالبة باعادة المحاكمة اصبح الخمسة اسرى ومختطفين من قبل قوة اجنبية، اذ لا يوجد اي مسوّغ لاحتجازهم، اللهم الا الانتقام والمحاكمة السياسية للثورة الكوبية.
لكن النفاق الامبريالي وسياسة المعايير المزدوجة وكلام الحق الذي يراد به الباطل، يقف عائقا امام معاملتهم كمختطفين واسرى سياسيين لدى الامبراطورية، والزج بهم في خمسة سجون مختلفة ومتباعدة والتنكيل بهم وبعائلاتهم وشعبهم، من خلال حرب نفسية ارهابية لاتعرف قيمة ولا تقيم وزنا للعدل والانسان.
لقد نجحت الحكومة الكوبية في ايصال هذه القضية الى المجتمع الامريكي ومؤسسات مجتمعه المدني وابلغت بها كافة برلمانات العالم وكافة الاحزاب والمنظمات الصديقة ومنظات الدفاع عن حقوق الاسرى وحقوق الانسان ...الخ. كما تم تشكيل لجان للدفاع عنهم ومناصرة قضيتهم في القارات الخمسة ولا زال النضال الشامل جاريا الى ان يعودوا الى وطنهم وذويهم.
من هذه الامثلة الثلاثة نستطيع استنتاج ان مأساة الاسرى واحدة وقضية الحرية واحدة وبالتالي، لا بد للنضال في سبيلها من ان يكون نضالا واحدا وموحدا بين مختلف الشعوب والامم ، وربط قضايا الاسرى والمختطفين والمغيبين قسريا ببعضها البعض، من خلال حركة تضامن اممية عالمية، ترتبط بالنضال المناويء لعولمة الفاشية والنازية على يد الصهيونية والامبريالية، في سبيل انجاز التحرر الوطني والانعتاق الاجتماعي الكفيل بضمان الحرية والكرامة للانسان.


