زار خافيير سولانا (مفوض الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي) لبنان والمملكة العربية السعودية وسوريا، ولعل زيارته لسوريا لها طابع خاص لأن الاتحاد الأوروبي ومعظم دوله كان لهم تحفظ على زيارة سوريا منذ عام 2005، ورغم أن وزراء خارجية إيطاليا وإسبانيا وألمانيا وبلجيكا زاروا سوريا خلال هذه المدة، إلا أن زياراتهم كانت ملتبسة، ولم تنبئ بأي تفاهم مع المسؤولين السوريين، بل كانت تصريحات كل من الطرفين متناقضة بعد انتهاء الزيارة، وأحدثت التصريحات المشتركة لوزير الخارجية البلجيكي في الشهر الماضي ووزير الخارجية السوري جدلاً قريباً من المشاجرة.

    ولم تلق هذه الزيارات إجماعاً من دول الاتحاد الأوروبي، بل ربما على العكس من ذلك فقد كانت تواجه باستنكار فرنسي وأميركي صامت أحياناً ومعلن أحياناً أخرى، لأن هاتين الدولتين تفرضان شروطاً عديدة وغير مسبوقة على السياسة السورية لتطبيع العلاقات معها، وخاصة في لبنان بالنسبة لأوروبا وفي العراق بالنسبة لأميركا،

    أما دول الاتحاد مجتمعة فلم ترسل أي مبعوث إلى سوريا منذ عامين حتى لو كان بمرتبة سفير، لأنها كانت تحاول عزل سوريا، ولذلك فإن زيارة سولانا أخذت طابعاً خاصاً لأنها تقررت بموافقة دول الاتحاد بمجملها في اجتماع وزراء الخارجية مطلع الشهر الجاري، والأكثر من ذلك أن وزارة الخارجية الفرنسية (والرئيس شيراك شخصياً) باركوا هذه الزيارة أمام دهشة كثير من المراقبين.

    صرح أكثر من طرف أوروبي كما صرح سولانا نفسه أنه سيحمل إلى المسؤولين السوريين موقف الاتحاد (إن لم يكن شروطه) تجاه لبنان، وتأكد ذلك عملياً بأن زار لبنان أولاً ثم العربية السعودية، وأرادت السياسة الأوروبية أن تعلن للملأ ولسوريا خاصة أنها لم تتراجع عن شروطها القاضية برفض (التدخل السوري) في شؤون لبنان أو بتعبير أوضح وأكثر صراحة بتخليها عن دورها اللبناني وأوراقها اللبنانية، 

    وتأكيد بعض الوعود التي حصلت عليها إيران (والسعودية) من سوريا وتوسيعها بأن تسهل حل التناقضات اللبنانية، وعلى رأسها تشكيل المحكمة ذات الطابع الدولي والحكومة الجديدة، وربما إجراء مقايضة بين موقف أوروبي جديد من سوريا مقابل موقف سوري جديد من لبنان.

    إن كانت أوروبا ترى ذلك فإن السياسة السورية تعتقد أن الضغوط الأميركية والأوروبية على سوريا خلال السنتين الماضيتين لم تنجح، وأنها اقتنعت بفشل وسائلها السابقة في تغيير الموقف السوري، ولذلك لم تجد بداً من تغيير سياساتها (سياسة الحصار والعقوبات والتهديد) بدليل عودة الولايات المتحدة للجلوس مع سوريا على طاولة واحدة في مؤتمر بغداد لوضع خريطة طريق لبدء حل المشكلة العراقية،

    وما كان لها أن تجلس معها لو لم تجد نفسها مضطرة لذلك سواء بسبب تعقيدات المعضلة العراقية أمام سياسة الإدارة الأميركية أم لاقتناعها بعدم جدوى الحصار والضغوط، كما ترى السياسة السورية استطراداً أن الاتحاد الأوروبي وجد نفسه أيضاً مضطراً لتبديل سياسته وكسر الحصار وإيفاد سولانا،

    خاصة وأن الرئيس شيراك العامل الفعال في حصار سوريا ومقاطعتها أصبح على وشك إنهاء مهماته الدستورية، وأن فرنسا بعده ستغير سياستها برأي الأوساط الرسمية السورية لأنه (شخصن) الخلاف، وهذا ما صرح به فاروق الشرع نائب رئيس الجمهورية في مطلع شهر مارس الحالي.

    ويبني السوريون على زيارة مسؤول المفوضية الأوروبية آمالاً عريضة، منها تفهم الموقف السوري واتخاذ موقف جديد من المحكمة الدولية، والاعتراف (الضمني) على الأقل بمصالح (ونفوذ) سوريا في لبنان، بل ويذهبون أبعد من ذلك إذ يعتقدون أنها ستكون فاتحة طريق لقبول انتساب سوريا لاتفاقية الشراكة السورية ـ الأوروبية.

    لكن المراقبين يرون أنه سواء كانت الزيارة لإبلاغ السياسة السورية شروط الموقف الأوروبي أم كانت تمهيداً لموقف أوروبي جديد من سوريا، فإنه من الصعب تراجع الأوروبيين والأميركيين عن مواقفهم بدون أن تقدم سوريا لهم ثمناً مناسباً في لبنان وفي العراق، وخاصة اتخاذ موقف جديد من المحكمة والحكومة في لبنان والقبول بخطة الرئيس بوش في العراق وعقد علاقات سياسية جديدة مع الحكومة العراقية.

    لعل السياسة السورية مقتنعة أن العلاقات مع دول الاتحاد الأوروبي ومع الولايات المتحدة تشبه لعبة عض الأصابع، فمن يصرخ أولاً هو الذي سيخسر، ولكن مهما بالغت السياسة السورية بقدراتها وبفعالية أوراقها (وبمواقفها الثابتة) فإنها تدرك من طرف آخر صعوبة إن لم يكن استحالة إعادة عقد الصلة الإقليمية والدولية بدون تنازلات واضحة وكافية،

    لأن الحاجة لسوريا بنظر الأوروبيين والأميركيين ليست هامة جداً وأنه بإمكانهم تمرير مصالحهم في المنطقة بدونها ولو مع بعض العناء، رغم قناعتهم بأن الوصول للأهداف بالاتفاق خير من الوصول إليها بالجبر والعقوبات وقطع العلاقات.

    يبدو أن الأوروبيين يعتقدون أن الظروف مناسبة لتراجع سوري ولموقف جديد مرن من أحداث لبنان والمنطقة ولذلك بادروا لإيفاد سولانا، كما يبدو أن الموقف الفرنسي قبل بالزيارة لأنه مقتنع بإمكانية المرونة السورية حالياً وليس لأن الرئيس شيراك على وشك التقاعد، فسياسات الدول الكبرى كما هو معروف لا تتغير تغيراً جدياً وسريعاً بتغير الرؤساء فهي سياسة مؤسسات بالدرجة الأولى،

    وعليه فإن حل محل الرئيس شيراك رئيس يميني أو اشتراكي فإن السياسة الفرنسية لن تشهد تغييراً ملحوظاً، وليس للموقف الشخصي للرئيس دور بنيوي في وضع السياسات وممارساتها، وينحصر دوره في مزيد من الفعالية، وهذا ما يصح على الموقف الفرنسي بعد شيراك أو الموقف البريطاني بعد بلير أو غيرهما من المواقف.

    وأخيراً يقول البعض إن الدول الأوروبية ذات العلاقة غير الحسنة مع سوريا تراهن على أن زيارة سولانا لن تنتهي إلى أي اتفاق أو أية نتيجة بسبب تصلب الموقف السوري، وإن حصل هذا ستقتنع الدول الأوروبية المترددة بأن الموقف السوري معاد للمصالح الأوروبية وهناك ضرورة لفرض الضغوط والحصار على سوريا، وقطع الشك باليقين حول إمكانية تعاونها مستقبلاً، وبالتالي الاستفادة من فشل الزيارة لتقوية مواقفها وإقناع دول الاتحاد الأوروبي بالتشدد من جديد.

    ومهما كانت نتيجة الزيارة فلا شك أن لها ما بعدها هذه المرة وقد تكون العامل الحاسم في العلاقات السورية الأوروبية المقبلة التي إما ستنتهي بالقُبل أو بإدارة الظهر للآخر.