يبدو ان تحذير ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي أمام مؤتمر لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية "إيباك" من أن أي انسحاب لقوات بلاده من العراق سيؤدي إلى القضاء على ما وصفه بمعسكر المعتدلين بالمنطقة, وبالتالي قد يدخل المنطقة حربا إقليمية لأن "الدول السنية المعتدلة"، "قد تضطر إلى دعم السنة المتطرفين لمواجهة المد الإيراني" فضلاً عن تبديد الجهود التي بذلت في القضاء على الإرهاب يؤكد صحة المعلومات التي اوردتها صحيفة "لوس إنجلوس تايمز" في 12/3/2007 من  أن  قادة عسكريين أميركيين بدؤوا إعداد خطة للتراجع إذا فشلت التعزيزات العسكرية في العراق. حيث "تشمل الخطة انسحابا تدريجيا وتركيزا أكبر على تدريب القوات العراقية وتقديم النصح لها".

واذا كانت هذه التصريحات والتسريبات تتفق مع ما قاله مستشار وزارة الخارجية ومنسق السياسة الأمريكية في العراق "ديفيد ساترفيلد" ،"أن أمريكا لا تنوي الابقاء علي قواعد عسكرية دائمة في العراق بعد انسحاب القوات الأمريكية من البلد، وسوف يتم بحث بقاء القوات الأمريكية مع الحكومة العراقية في تشرين الثاني ـ نوفمبر المقبل" فإنه ما يهمنا في هذه المقالة تسليط الضوء على دوافع الحديث عن هذا الإنسحاب الآن وما سيترتب عليه في حال وقع قريبا لا سيما انه يكاد يطبق معظم المراقبين على ان أي انسحاب للقوات الأمريكية من العراق في ظل هذا الوضع القائم هو بمثابة شنق للعراق وفتح أبواب جهنم على المنطقة حيث من المتوقع وفق هؤلاء الذين ليسوا فقط من الجمهوريين الامريكيين ولا من اليدمقراطيين كـجون كيري المرشح الديمقراطي السابق للرئاسة الأمريكية ولا حتى من المنخرطين في العملية السياسية العراقية بل من المحللين السياسين المحايدين ، وان انسحاب كهذا لا يمكن ان يقارن بحال من الاحوال بما بالإنسحاب الامريكي من فيتنام لأن من شأن ذلك ان يفتح الصراعات على مصراعيها في العراق وبالتالي يغرق المنطقة في حروب أهلية و إقليمية مذهبية و إثنية و دينية قد لا تجعل اسرائيل بمنأى عن هذا الخطر وهي الدولة الوحيدة التي تحاط بالأعداء من كل الجوانب وهذا ما نبه اليه رئيس الوزراء أولمرت في كلمته الأخيرة لـ"إيباك" عبر الفيديو إن "أولئك الذين يخشون على أمن إسرائيل وأمن دول الخليج واستقرار الشرق الأوسط بأكمله يجب أن يعترفوا بالحاجة إلى نجاح أميركا في العراق". حيث يذهب البعض الى تخيل وقوع حرب عالمية ثالثة في حال تم قطع إمدادات النفط عن العالم الصناعي بعد انسحابهم.

ان هذا الكلام يقدم هدية للإدارة الامريكية التي تحاصر الآن بين فكي كماشة من الديمقراطيين وبعض الجمهوريين في الداخل ومن أعدائها -وما أكثرهم- في الخارج ، وبالتالي يحقق لها انجاز سياسي لا بأس به قد ينعكس لصالح الجمهوريين في الإنتخابات الرئاسية القادمة بعد سنتين فضلا من ان ذلك قد يضيف لجورج بوش بعض الإنجازات القليلة في سجله ، حيث ان كل زعماء البيت الأبيض وخصوصا من يتعاقبون على غدارته لفترتين رئاسيتين يبقى همهم الوحيد قبيل خروجهم منه تحقيق أي انجاز ولو وهمي يكتب لهم في التاريخ الامريكي وهذا ما يبحث عن جورج بوش بعد هزيمة ماحقة في كل الحروب التي خاضها. 

وهناك فئة اخرى ليس من مصلحتها خروج الأمريكيين من العراق وخصوصا الذين جاءوا معها على ظهر الدبابة حيث انهم برحيل الامريكيين تنكشف ظهورهم وبالتالي يقعون في فخ الحساب وهؤلاء يقفون خلف كثير من الميلشيات الطائفية وفرق الموت والإغتيالات لتحقيق المزيد من الفوضى حتى يتسنى للأمريكي البقاء لفترة أطول حتى ينجزوا مهمتهم في نهب خيرات العراق .

بل ان أكثر المتضررين من انسحابهم دعاة التقسيم والفدرالية من الأكراد بقيادة مسعود بارزاني وجلال طالباني والشيعة بقيادة عبد العزيز الحكيم وغيره على خلاف ما يذهب اليه الكثيرون لأن اكثر الشعب العراقي رافض للتقسيم ونستطيع ان نقول ان العرب بمجملهم سنة وشيعة غير راغبين بالتقسيم ولا حتى بالفدرالية في حال أمكن العيش مجددا في ظل دولة آمنة وواحدة، ففي جنوب العراق حوالي 90 % من الشيعة هم عرب وولاؤهم للنزعة العربية أكثر من أي نزعة أخرى، اما في الشمال حيث الاكراد فإنهم لا يمكن ان يحصلوا على دولة مستقلة إذا لم يكن لهم غطاء دولي بذلك لأن من شان ذلك ان يضر بمصالح جميع دول الجوار وخصوصا تركيا وايران وهذا ما لا يمكن لإيران وسوريا وتركيا ان تفاوض عليه في أي حال من الأحوال.

وفي الحقيقة أنا لست من المطبلين والمزمرين الذي ينذروا بالويل والثبور من رحيلهم. فالأمريكيون سواء كانوا موجودين أم لا فإن الامور تتجه نحو الهاوية وهذه هي الحقيقة ، والحل لا يكمن في بقاء الأمريكي في العراق ، ولا أظن ان له رغبة في البقاء على أرض العراق لأن الفاتورة التي يدفعها يوميا تتزايد باستمارا وعلى كافة الصعد السياسية والإقتصادية والإجتماعية. 

ما يريده الامريكي واضح للعيان ولا يحتاج الى بعد نظر لفهمه وتأمله ،ما يريده الأمريكيون بديقراطيهم وجمهوريهم هو الحصول على أكبر مكسب من احتلال العراق ، في الوقت الذي يحمل فيه مسئولية التخريب للقاعدة والميلشيات الشيعية، والسؤال الذي يطرح نفسه على هؤلاء من الذي سمح للقادع بالمجيء للعراق من الذي اوجد كل هذه الميلشيات الشيعية، ومن الذي سمح لقيادات طائفية بالوصول الى الحكم؟ ومن الذي اوجد ما يزيد على ستة صراعات في العراق من صراع عربي -فارسي الى صراع سني- شيعي الى صراع عربي- كوردي الى صراع عراقي -امريمكي وهكذا دواليك؟ 

ما تفعله الولايات المتحدة الآن هو تغيير في السياسة وليس في الإستراتجية، وما نشهده من انفتاح بارد على سوريا وإيران ليس إلا ضرورة السياسة الجديدة التي أصبحت الخيار الوحيد في ظل الضغوطات التي تتعرض لها السياسة الامريكية في العالم ولا سيما الشرق الأوسط. 

ما يؤكد لنا صحة ما نذهب اليه هو الوقائع التي صاحبت احتلال العراق حيث واكب ذلك ومنذ اللحظة الاولى وكما شاهد العالم تفتيت المرتكزات الأخلاقية والاجتماعية للمجتمع العراقي التي تمثلت بدفع الشعب العراقي الى سلب ونهب ممتكلكات الوزرات العراقية ما عدا مقتنيات وزارة النفط ، ثم تم حل الجيش العراقي، وسن دستور جديد ليس فيه الإ التقسيم والطائفية ما ادى الى تخريب النسيج الإجتماعي العراقي وضرب منظومته الأخلاقية  وقد تحقق ذلك من خلال الواجهة الإدارية في الحكومات المتعاقبة، "التي صنعها الاحتلال، ووضع لبناتها وفقا لمنهج دقيق وضمن مراحل واضحة".

 فالأهداف التي حددتها ادارة بوش للحرب بحسب ما يصفها "راي كلوز" الذي كان يعمل مسؤولاً لمحطة وكالة الاستخبارات الأمريكية المركزية في احدى الدول العربية هي " اقامة قواعد عسكرية ثابتة في الأراضي العراقية، السيطرة على نفط العراق، فتح الباب أمام الاستثمارات الأمريكية في القطاعات الاستراتيجية العراقية، جر العراق إلى دعم سياسة واشنطن المنحازة إلى جانب إسرائيل.  

واذا كان المحتل الأمريكي عجز عن تحقيق بعض الأهداف فإنه نجح نجاحاً باهرا حتى الآن في بيع النفط العراقي للشركات التنقيب الامريكية حيث أنه بقانون النفط العراقي الجديد يمكن لهذه الشركات الأجنبية الإستثمار بالعراق الى ما يزيد عن ثلاثين سنة والتي كان من ثمرة هذا القاون اعلان شركة "هاليبورتن" الأميركية، إحدى أكبر شركات الخدمات البترولية في العالم، في 12/3/2007  عن نقل إدارة عملياتها في النصف الشرقي من الكرة الأرضية انطلاقا من منطقة الخليج، بعد ان كشفت عن نيتها بإدراج أسهمها في إحدى بورصات الشرق الأوسط، معللة السبب بـ"« التركيز على المزيد من الاستثمارات التي تنفذها الشركة في النصف الشرقي من الكرة الأرضية» ومن المعلوم ان الشركة التي كان يرأسها نائب الرئيس الامريكي ديك تشيني تعرضت لسلسلة من التحقيقات التي فتحها الكونغرس الأميركي فيما يتعلق بالاستفادة من عقود منحت إليها في عراق ما بعد الحرب الأميركية.

بعد كل هذا لم تجد الإدارة الامريكية سوى تسريب رغبتها بوضع خطة بديلة للإنسحاب يكون من شأن هذا التسريب أن يفضي الى الإحتمالات التالية:

-         خلق فوضى وبلبلة بين الشعوب العربية خوفا على مصير العراق ما يمنح المحتل شرعية مؤقتة لوجوده ويخرجه في صفة المحافظ على أرواح الناس العراقيين في أعين العالم العربي والغربي .

-         دفع السنة في العراق الي اللجوء للأمريكيين طلباً لحمايتهم  أو للقاعدة هرباً من الإستئصال الطائفي ما سيعزز الإنقسام  والتفتيت الذي ترغبه كل دول الهيمنة.

-         تدويل القضية العراقية لتأخذ طابعا دوليا، تتقاسم اعباءه عسكريا واقتصاديا وسياسيا وقانونيا جميع الدول وخصوصا دول الجوار لا سيما إيران وسوريا وتركيا والسعودية، لمعاونتها وإنقاذها من الانهيار المحتم في العراق.

(كاتب ومحلل سياسي لبناني)