فيما يكون القانون درعا حاميا ضد ممارسات التمييز في البلدان الديمقراطية، يكرس القانون هذا التمييز في أغلب البلدان العربية. ويظهر ذلك جليا في القوانين العربية وفي موقف بلدان عربية من الاتفاقيات الدولية المناهضة للعنف القائم على نوع الجنس.

فإلى حد سنة 2002 صادقت 14 دولة عربية فقط على " اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة "، وكانت المادة السادسة عشرة المتعلقة بالحياة داخل الأسرة قاسما مشتركا في التحفظات العربية. وفي الدورة السابعة والأربعين لـ " اللجنة المعنية بوضع المرأة " التابعة للأمم المتحدة، التي عقدت في مارس/آذار 2003، لم يتمكن مندوبو الحكومات من الوصول إلى الإجماع على " النتائج المتفق عليها " لهذا التجمع الحكومي، بسبب اعتراض ممثلي إيران ومصر والسودان على الفقرة التي تنص على أنه " ينبغي على الدول أن تدين العنف ضد المرأة وأن لا تتذرع بأي عرف أو تقليد أو اعتبارات دينية للتنصل من التزامها بالقضاء عليه ".

  وفي الواقع، تتنوع أشكال العنف القائم على نوع الجنس في العالم العربي: ضحايا الاغتصاب، عمل الأطفال، تجنيد الأطفال، العنف الرمزي – الثقافي خاصة ختان الإناث، الزواج المبكر والقتل على خلفية الشرف، معاكسات الرجال للنساء في الشارع.

إنّ المرأة تتعرض لكافة أشكال الاعتداء، ابتداء من القتل العمد، إلى الشروع بالقتل وإلحاق الأذى الجسدي البالغ الذي قد يحتاج علاجه لعدة شهور وربما ينجم عنه عاهات مستديمة. هذا إضافة إلى الاغتصاب الذي يحصل من قبل غرباء، أو من قبل أفراد الأسرة أنفسهم، وبخاصة ذاك الذي تقع ضحيته الفتيات الصغيرات. ومن أشكال العنف الشائعة أيضا التي تتعرض لها النساء: التهديد، وتوجيه الإهانات، والاحتيال بهدف الاستيلاء على ممتلكات المرأة وأموالها إلى جانب الاحتيال العاطفي. ومن أنواع العنف الشائعة الأخرى التي تحدثت عنها الدراسات ظاهرة الضرب، وتحديدا ضرب الزوجات، وبخاصة ربات البيوت منهن.

المرأة الفلسطينية تتعرض للعنف المباشر كالضرب والقتل والإهانة، أو على نحو غير مباشر كالاحتيال لإكراهها على التنازل عن حقوقها القانونية وحقوقها المالية، أو تضطر للتنازل بالإكراه وتحت طائلة التهديد عن هذه الحقوق. أما على المستوى الوطني فتعاني، مع كافة أبناء شعبها، من كافة أشكال العنف الذي تمارسه سلطات الاحتلال على الشعب الفلسطيني. إذ تتعرض بداية لمصادرة أرضها وأرض أسرتها لأهداف الاستيطان الإسرائيلي، وتتعرض لفقدان الهوية وفقدان الحرية الشخصية. وتتعرض للضرب والاعتقال والتعذيب والإعاقة والإبعاد والقتل، وفقدان الأبناء والزوج، كما تتعرض إلى أشكال العقاب الجماعي مع شعبها أثناء نظام منع التجول، وهدم المنازل، ومداهمات المنازل، والإهانات الدائمة من قبل جنود الاحتلال وبخاصة تلك التي تحصل أمام أعين الأطفال.

أما الأطفال الفلسطينيون فقد استُخدموا دروعا بشرية في الاجتياح العسكري الأخير لمدينة نابلس، إذ كشفت منظمة " بتسيلم " الإسرائيلية أنّ جنودا إسرائيليين استعملوا قاصرين فلسطينيين دروعا بشرية. وقد وصفت بنت فلسطينية صغيرة مشاعرها بعد أن أعادها الجنود، حيث قالت: كنت ارتعش من الخوف، وخفت أن يقتلوني أو يرسلوني إلى السجن، الشيء الوحيد الذي كنت أريده هو النوم... أخاف أن يعود الجنود ويأخذوني.

ومن الملاحظ أنّ النظرة إلى قضايا العنف القائم على نوع الجنس في العالم العربي لم تعد محصورة بالعنف المادي والجسدي، بل اتسع المفهوم خلال العقد الأخير ليشمل كل الممارسات والأفعال التي يمارسها الأفراد والمؤسسات والسلطات تجاه المرأة والناتجة من النظرة الدونية لها. فبالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي مثلا، قالت دراسة رسمية نشرها المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الشؤون الاجتماعية والعمل، نشرت في أكتوبر/تشرين الأول 2004، أنّ ما يربو على مليونين من خادمات المنازل في دول الخليج العربية يمارسن أعمالهن بدون غطاء قانوني ويواجهن مشكلات متعددة في مقدمتها سوء المعاملة والانتهاكات الجنسية. وأكدت الدراسة أنّ الضرب من قبل المخدوم وعدم مراعاة إنسانية الخدم، إضافة إلى التحرشات الجنسية وهتك العرض، تأتي في مقدمة المشاكل التي تواجهها الخادمات.

 

  كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

(*) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 15/3/2007 .