تنتظر القمة العربية القادمة، المزمع عقدها في الرياض، ملفات عديدة وساخنة، بدءاً من الوضع الكارثي في العراق المحتل، مروراً بتداعيات القضية الفلسطينية، وما يعانيه الشعب الفلسطيني من حصار وتوجيع وممارسات الاحتلال الإسرائيلي المدعومة أميركياً، وصولاً إلى الوضع اللبناني المتأزم، الذي يقف على شفير حرب أهلية، فضلاً عن الوضع في الصومال وفي دارفور والعديد من القضايا التي تنتظر موقفاً عربياً فاعلاً ومؤثراً.

  وتشير معظم المعطيات، المتوفرة حالياً، إلى أن القمة المرتقبة لن تخرج عن سياق القمم العربية السابقة، العادية منها والاستثنائية، بالرغم من ضخامة الملفات وثقلها، ومن اختلاف الظروف والمتغيرات، فالمواطن العربي لم يعد يعوّل الكثير على القمة، خصوصاً بعد أن أصيب بخيبات أمل عديدة، وصار يتساءل – بحق - عما إذا كان من الضروري عقد مؤتمر للقمة يخرج ببيان لا تلبي مقرراته الحدّ الأدنى من المطالب والاستحقاقات العربية. وهناك ‏من يشعر بالإحباط ومن عدم جدوى القمم العربية، ويقرن اليأس في أحيان كثيرة بسوء الظن، لأن ما صدر عن القمم السابقة من مقررات وتوصيات، بالرغم من ضحالته وضعفه، لم يجد طريقه إلى حيّز التطبيق والتنفيذ. ولا حاجة هنا بالتذكير بما صدر عن القمم العربية التي عقدت في الخرطوم وبيروت وتونس والجزائر وعمان والرباط والقاهرة وسواها.

  لقد بات المطلوب من القمة العربية، ليس مجرد اتخاذ قرارات وتوصيات نظرية، طانة، تزّين متن بيان ختامي فضفاض، يحفل بالجمل الفخمة والصياغات اللفظية الفارغة، بل اتخاذ موقف واضح من الوضع في العراق المحتل، والعمل على إيجاد السبل لوقف أعمال القتل والتهجير المذهبي، واتخاذ مواقف حاسمة لوقف نهر الدم الذي يجري بلا انقطاع في أرض الرافدين وفي فلسطين ودارفور، والعمل على إقرار وسائل جماعية عملية، هدفها كسر الحصار المفروض بشكل جائر على الشعب الفلسطيني، واتخاذ مبادرة عربية لحل الوضع اللبناني الذي ينذر بالانفجار. لكن السؤال المطروح في هذا المجال هو: هل ستكون القمة العربية القادمة على مستوى التحديات؟ وهل يمتلك الرؤساء والملوك والقادة العرب الإرادة اللازمة لوقف حالات الانهيار والتردي؟

   المأمول هو أن لا تتجنب القمة العربية القادمة فتح نقاش جدي حول معاناة الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، والاكتفاء بتأييد حكومة الوحدة الوطنية وحقه في "دولة مستقلة قابلة للتواصل والحياة"، والسكوت عن معاناة العراقيين اليومية، مقابل الاكتفاء بتأكيد "احترام سيادة العراق"، إذ لا سيادة تحت الاحتلال، ولا وحدة في ظل ظروف الاقتتال المذهبي وحكومة عاجزة أو منحازة لطرف ضد آخر. وينبغي عدم السكوت عن إنهاء الاحتلال الأميركي - البريطاني، والمطالبة بجدول زمني لسحب القوات الغازية، وعدم القفز فوق الحرب الأهلية المذهبية الأشد دموية في تاريخ العراق، وإنهاء الصمت العربي حيال أزمة العلاقات السورية اللبنانية.

   لا شك في أن الحفاظ على مبدأ دورية انعقاد القمة العربية في موعدها الربيعي هو أمر هام، شريطة أن لا يكون المبرر الوحيد لانعقاد قمة الرياض، بمعنى أن تستنسخ هذه القمة ما جرى في قمة الخرطوم التي عقدت وسط ضبابية واستقطابات وتجاذبات عطلت أعمالها، فضلاً عن الألغام والمطبات التي سادت بصورة لافتة أجوائها، خصوصاً وأن القمة تعقد في ظل التقسيم الأميركي للدول العربية، والذي يحمل نغمة قديمة، تستحضر روح الفسطاطسين البن لادنية أو ما يقابلهما بلغة الفصل البوشية: "معسكر الاعتدال" و"معسكر التشدد".

  وهناك من يرى أن القمة ستنعقد في ظروف دولية وإقليمية ومحلية معقدة، وتتطلب مواقف جادة، تعبّر عن تطلعات الشارع العربي. لكن، هل سيتطلع الشارع العربي إلى قمة تعيد تأكيد مبادرة السلام العربية التي لم تلق أي اهتمام دولي أو إقليمي؟ بل هناك دعوات إسرائيلية وأميركية لتعديلها. والأهم من ذلك كله، لا يوجد أي داع لعقد قمة عربية بجدول أعمال مفتوح ومرتبك، تكون الأولويات فيه غير حاسمة، وتتحكم فيه الحساسيات والضغوطات الأميركية إلى درجة تقرر فيه أي البنود يبقى وأيّها منها خارج جدول الأعمال؟

  وقد ساد اعتقاد بأن القمة العربية تمأسست، عبر تحويلها إلى حدث تشهده العواصم العربية بشكل دوري سنوي، وأن العمل العربي المشترك، ولو على المستوى التشاوري، قد حقق قفزة نوعية إلى الإمام، بعكس القمم غير الدورية، التي كانت تعقد حسب مقتضيات الظروف والحاجات، والتي كانت جداول أعمالها ومقرراتها مرتبطة بالظرفي والراهن إلى جانب عموميات أخرى.

  ويظل الأمل معقود على الارتقاء بمستوى العمل العربي المشترك، لكن الخيبة تسبق التوقعات في كل مرّة تنعقد فيها القمة، وتتأكد مع مقررات كل قمة، حيث تبقى مجرد حبر على ورق، وحيث لا يلمس الإنسان العربي فاعلية أيّ منها، فمحصول القمة شحيح ولا يطاول حياة الإنسان العربي، فيما تزداد حالات التردي والانهيار، وتزداد الضغوطات الخارجية، وليس هنالك أي مسعى في التغيير نحو الأفضل، خصوصاً وأن القمم العربية تنتهي، في كل مرّة، كما بدأت بلا رؤى ولا مشاريع، فمهمة الاصلاح التي نظرت فيها قمة تونس، وفصّلتها قمة الجزائر، بقيت تنتظر الإفراج عن مقرراتها، وتحويلها إلى خطى تمشي على الأرض. وأفضى السكوت عن فتح ملفات الاصلاح السياسي إلى جعل الأنظمة العربية تتمادى في حرمان مواطنيها من حقوقهم المدنية والسياسية.

  وبرزت في السنوات القليلة الماضية تساؤلات عديدة حول جدوى القمم العربية ومستقبل النظام العربي، وامتدت التساؤلات لتطاول نشأة الجامعة العربية، وما فعلته طوال مسيرة أكثر من ستين عاماً من عمرها، وما حققته من مكاسب للنظام العربي على مختلف الصعد، السياسية والاقتصادية والعسكرية، وسواها.

    ولم تتمكن القمم العربية من النهوض بفعل ما، يؤكد فعاليتها، أو يقنع إنسان الشارع العربي بذلك، بل وبالرغم من القمم العديدة، الدورية منها والاستثنائية، فإن الاستخفاف بقدرتها على تأكيد موقف عربي مشترك، والتمسك به وتنفيذه، ازداد بين أوساط شعبية واسعة، وحتى في الفترات التي بدت فيها الجامعة في أحسن أحوالها - وهي نادرة - فإنها كانت تخفي علل ومواطن خلل كثيرة.

   اليوم، وبعد احتلال العراق ودخوله حرباً أهلية، تجد القمة العربية نفسها في أشد حالات عجزها وعدم فعاليتها. ومرد عجزها يعود إلى عجز الإرادة السياسية للأنظمة العربية وعدم الانسجام بين تطلعاتها، وهيمنة الاستتباع لهذه الجهة أو تلك، وبخاصة للولايات المتحدة الأميركية، لذا فإن المرجو من أية قمة عربية مقبلة هو أن لا تضيف مجرد رقم إلى جملة القمم العربية العديدة السابقة، وأن لا أن تكرس واقع الخلافات وضيق الرؤية في المواقف والالتزامات. ذلك أن فقدان الثقة والاحتراس من الشقيق قبل العدو قد أفضى إلى صراعات وعداوات عقيمة مزقت مؤسسات العمل العربي المشترك، وأبقت قراراتها وتوصياتها حبراً على ورق.  لكن مشكلة الأنظمة العربية تبقى في أن معظمها لم تتجه نحو اتخاذ قرار المصالحة الوطنية الداخلية مع شعوبها، وبشكل يمكن القوى الحية في المجتمع من المشاركة السياسية، لأن همّ الأنظمة الحاكمة، كان ولا يزال، منصباً على الدوام نحو المحافظة على مكتسبات السلطة وتأبيد حاضرها، لذلك فمن المستبعد أن توفر أية قمة عربية إمكانيات التقدم نحو العمل المشترك، أو نحو إصلاح الداخل، أو حتى نحو تحقيق المصالحة مع العالم.

------------------------