إلى رويدا والصغيرين المنتظرين عودتك

إليك محمود عيسى في سجنك المتجدد

لم تكن تعلم أن انتظارها سيطول إلى المالانهايات

لم تكن تعلم أن انتظارها سيزيد أعباء جديدة، خلفتها سنوات العودة غير المنتظرة.

لم تكن تعرف أن الحب سوف يكون مشواراً متقطع الأوصال واللقاءات كما حبها له..

لم تكن تعلم.. عندما التقته أن حبها هو التزام بانتظار.. ثم انتظار .. وانتظار

أشرقت بحب هذا الفتى الجبلي.. العنيد.. المضمخ بعبير كلمات التحدي..

لكن إشراقتها مالبست أن خبت في الانتظار

سرقه السجن لعشر سنوات.. كان خلالها يجدد انتظارها بنظرته الكاسرة وكلماته القوية.. كل شيء فيه كان يقول أنا عائد ولو طال الانتظار..

اكتفت منه بساعتي لقاء أسبوعي في سنوات انتظارها الأولى.. اخفت ساعتيها تلك في حنايا روحها.. ودفئ كلماته

أخفت حبها عن نظرات متسولي الكلام.. ومتقولي الحكايات..

أخفت ساعتيها تلك عن يدها اليمنى كي لا تقول ليسراها: لقد صافحني..

عن خدها الذي لم يستطع أن يسرق منه قبلة..

عن أبيها.. أخيها.. أبناء ضيعتها.. أصدقاء طفولتها...

أخفت حبها عن سنوات عمرها المتدفق دون وعي منه بالوقوف..

طالبت خلاياها بالتوقف عن النمو.. خطوط وجهها بعدم الارتسام..

كل شيء يجب أن يبقى كما هو.. حين يعود بعد انتظار..

عندما عاد لم تكن عودته.. كأي عودة

كان فاتحاً لأرض حرية طالما حلم بها..

كان غازياً لعرش حب وعشق مختبئ في رأسه المحلوق.. ويديه المتعرقتين

وكانت ثمرة انتظارها نجمين ساطعين في حياتهما المشتركة..

بيت مشترك كما كل بيت يبنى ولكن بعد .. الانتظار

عندما استراحت تقاسيم وجهها.. وانبسطت جميع الشرايين الخائفة من العيون وهجمات الكلام..

كان للخوف وجه آخر.. الترقب وانتظار حدوث مالا تتمنى..

خوف من كلماته .. من أحلامه.. من مواقفه..

خوف منه.. خوف عليه..

والأكثر خوف على نجميها الصغيرين..

عيون الترقب أصبحت ستة

أيدي العناق أصبحت ستة

وهو لا يملك سوى يدين وعينين يشبع بهما حبه المازال متوقداً.. ورغبته بالعناق

لم تعد الأمور كما كانت

سيدة اليوم تتمسك بيدي طفليها في انتظار عودة الأب

سيدة اليوم تتوزعها مهام المحامين.. والمحاكم.. وزيارة الحبيب-الزوج

سيدة اليوم أقوى في مواجهة العيون والكلمات..

ولكنها أضعف في مواجهة الغد..

سيدة اليوم تعلم أن سنوات انتظارها قد تطول.. بعد أن سبق لها وطالت..

سيدة اليوم.. لم توقع على بيان ولكنها تدخل السجن في كل ثانية من يومها المديد..

سيدة اليوم لم تعد تخاف من طرقة باب منتصف الليل..

فهي آمنة مطمئنة أن من يريدون في أمان!!

سيدة اليوم لا تنام ملئ الجفون..

بل توزع نظراتها بين نصف فراش فارغ.. ونجمين ملتحفين جسدها..

 

من تحاكمون به؟

هو....؟ هي...؟  أم طفلين حرما من أبيهما؟...

من تحاكمون؟

للسيدة الواقفة في ممشى الانتظار

أقول: رويداً.... رويداً.. رويدة

فقد يطول الانتظار