- محمد أمين

الوطن السورية

 

تحوّل شهر رمضان إلى (محرقة) لحوالي مئة مسلسل عربي وتحوّل إلى ميدان كبير تتدافع فيه هذه المسلسلات وتتزاحم للوصول أولاً إلى المشاهد العربي لدرجة أن بعضها (يدوس) على غيره غير آبه بالنتائج مغتنماً فرصاً ثمينة وهي غياب سياسة إعلامية عربية موحدة حيث لا استراتيجيات على هذا الصعيد بل فوضى ضاربة أطنابها وخاصة أن المؤسسات الإعلامية التابعة للجامعة العربية التي من المفترض أن تنظم المشهد الإعلامي العربي لا حول لها ولا قوة وتستعد لدخول مرحلة الموت السريري وقد تحتاج إلى رصاصة الرحمة في وقت ليس بالبعيد إذا لم يتم تدارك هذا الأمر ولا تبدو أي مؤشرات على نيات كهذه.

على مدار عام كامل تتحرك ماكينات شركات الإنتاج لإنجاز أعمال درامية جرى العرف أن تكون مؤلفة من ثلاثين حلقة وأكثر لتدفعها مرة واحدة في وجه المشاهد العربي وفي شهر واحد فتتشتت مداركه وتتوزع اهتماماته ليجد نفسه في النهاية أنه لم يستمتع ولم يستفد وبالتالي يضيع جهد مئات الفنانين والفنيين سدى فكم هي الأعمال الدرامية الجيدة والمشغولة بحرفية عالية من نواح عدة تسقط من اهتمام المشاهد العربي لتطفو على السطح وتتصدر المشهد الإعلامي توافه الأعمال ليس لسبب إلا لأنها حظيت باهتمام إعلاني مركز لا يجد أمامه هذا المشاهد إلا رفع الأيدي والاستسلام والتسليم بكل شروطه ولعل مثال مسلسل (الاجتياح) ما زال ماثلاً للعيان فقد فوّت هذا الإعلام العربي على المشاهد فرصة متابعة عمل درامي جميل ومؤثر قد يبني عليه هذا المشاهد أشياء كثيرة، لقد سقط هذا المسلسل في بئر الإهمال العربي وجاء من أنقذه وأعطاه أرفع وسام تلفزيوني في العالم ويقيناً لو أن (مطربة) من مطربات هذه الأيام فازت بجائزة في ساحل العاج لكان هذا الإعلام قد احتفل بها أكثر من احتفاله بهذا المسلسل.
ولأن المحطات العربية لا تعرف من أشهر العام إلا رمضان فإنها تضغط على شركات الإنتاج للإسراع في الإنجاز قبل حول هذا الشهر الفضيل فتقوم الشركات بالضغط هي الأخرى على الكتّاب والمخرجين والفنانين فلا يجد هؤلاء أمامهم إلا سبيلاً واحداً وهو (سلق) هذه الأعمال مهما بلغت أهميتها وتأثيرها وفي أغلب الأحيان يظل دون عدد من المخرجين يصورون طوال شهر رمضان بحيث تورّد المسلسلات إلى الفضائيات حلقة حلقة وبالبريد السريع، لقد جرت حالات كثيرة قام بها مخرجون بحذف مشاهد كثيرة من أعمالهم لأنها تتطلب وقتاً طويلاً للتصوير ولا مجال لذلك وكم هي المشاهد التي صوّرت ليكتشف المخرجون أنها غير صالحة بمرحلة المونتاج وخاصة في المسلسلات التاريخية التي تتطلب تركيزاً وجهداً وأعتقد أنه لم يعد خافياً على المشاهدين هول الأخطاء التي بات يقع بها أعتى المخرجين بسبب السرعة.
وبسبب تركيز المحطات العربية على شهر رمضان وحصر الدراما العربية فيه فإن الدراما التركية استغلت هذا الوضع واستطاعت التسلل وراء خطوط الدراما العربية ومحاصرتها مشتركة بذلك مع المحطات العربية بحيث بات المشهد اليوم على الشكل التالي: أحد عشر شهراً للدراما التركية والأفلام الأجنبية الأخرى وشهر واحد للدراما العربية ورغم أن بعض المحطات العربية يعرض بعد شهر رمضان مسلسلات سورية ومصرية إلا أنها لا تحظى بنسبة مشاهدة مرتفعة لأن المشاهد العربي قد تعوّد على ثقافة الفرجة في رمضان فقط وقد حاول بعض المخرجين السوريين كسر هذه القاعدة ونجحت هذه المحاولة ولعل مسلسل (ضيعة ضايعة) للمخرج الليث حجو خير دليل إذ عُرض خارج رمضان ولاقى نجاحاً تكرّس أكثر عند إعادة عرضه مرة أخرى ضمن مسلسلات رمضان وهذا يعني أن بالإمكان التخلص من حالة الفوضى المكرسة في رمضان ومن الممكن إخراج المشاهد العربي من أسر المتابعة في شهر رمضان إذا قررت شركات الإنتاج والمحطات العربية ذلك ولكن:
لقد أسمعت لو ناديت حياً
ولكن لا حياة لمن تنادي.
إن أغلبية الأعمال العربية المعروضة في رمضان لا تحظى أيضاً بفرصة وضعها تحت مجهر النقد لأن أغلبية النقاد العرب يبرز اهتمامهم بأعمال معينة ولمخرجين محددين لأنهم يتوقعون أن تكون هي الأهم وبالتالي تفوّت الفرصة على تجارب الشباب وخاصة أولئك الذين يقفون لأول مرة وراء الكاميرا.
هناك من اقترح شهراً رديفاً لرمضان وهو اقتراح منطقي وخاصة إذا تكلل بإقامة مهرجان عربي لكل الأعمال التي تعرض خارج رمضان لإغراء المنتجين العرب لأن المسلسلات التي تحصد جوائز في المهرجانات تكون فرصها للتسويق أفضل.
إن الحالة الموجودة والمكرسة كأمر واقع لابد لها من حلول وهي بيد المعلنين وهؤلاء يحتاجون لـ(صبر أيوب) لإقناعهم.