ابراهيم غرايبة - الغد الأردنية
التقيت قبل يومين صحافياً سورياً يعد برنامجا وثائقيا لفضائية إخبارية كبرى عما يسميه جماعات إسلامية نسائية تعرف عادة باسم قياداتها النسائية، وهي شخصيات معروفة في العمل الدعوي والاجتماعي.
هكذا قدم لي الصحافي نفسه، وقال بأنه يعمل على هذا البرنامج منذ سنة ونصف، وقد توصل إلى حقائق مدعومة بالوثائق (هذه تأكيداته بالطبع) مفادها أن تنظيمات نسائية إسلامية في الأردن وسورية ولبنان والخليج، وأنها تضم في عضويتها مئات الآلاف، وتملك موارد هائلة، وعلاقات وطيدة مع النخب والقيادات السياسية والاجتماعية، وأنها اخترقت الدوائر الرسمية، وتملك استثمارات ومدارس كثيرة جدا، ولديها نفوذ وقوة وتنظيمات سرية، تصل نشاطاتها إلى القتل والتسلل عبر الحدود، وهذه الجماعات (وأظن أن القارئ يفهم المقصود بها تماما) تتبع الطريقة الصوفية النقشبندية، ولكن لديها كعبة خاصة بها تحج إليها، ولا تؤمن بالحج وتمارسه كما المسلمون جميعا على مدار ألف وأربعمائة وثلاثين عاما!
هذا بعض ما أتذكره الآن من هذه الاكتشافات المذهلة عن الإمكانات الخارقة والهائلة عن جماعات نسائية إسلامية، مما لم تكتشفه كل الأجهزة الأمنية والسياسية والإعلامية في الوطن العربي (وكأنها نايمة على ودانها!) واكتشفه وحده، وبالطبع فقد كان الفارق في الحديث والتواصل هائلا جدا، ففي حين كنت أرى هذه الجماعات أنشطة اجتماعية ودعوية تطوعية ذات طابع مديني، وتعبر عن توجهات المجتمعات نحو التدين، كان الضيف يصر على أنه وضع يده على شبكة عالمية منظمة تسيطر على العالم..
الكارثة هي أن تمول مؤسسات إعلامية كبرى مشروعات خرافية بالغة السذاجة والضحالة، هل يعقل أن مثل هذه الخرافات والأوهام ستجد طريقا للنشر والبث؟ هل يعقل أن تدفع هذه الفضائيات أو أنها تصدق عن شبكات اكتشفها أحد الصحافيين وأنها شيء يفوق القاعدة والماسونية والشيوعية والصهيونية العالمية، ماذا كانت فعلت أجهزة المخابرات في العالم كله؟
ويبدو لي وهذه هي الكارثة العظمى أن الكثير من الإعلاميين يحاولون بوعي أو من دون وعي ولكن من المؤكد بدافع من طلب الإثارة ومظنتها وطلب المال يحاولون أن ينتجوا مجتمعاتهم ويقدموها وفق رؤية يدركون أن الغرب يرغب فيها.
معظم الإعلاميين في الأردن والوطن العربي بدأوا يدركون هذه المسرحية البائسة بعدما خبصوا في قصص الإرهاب والجماعات الإسلامية وعرضوا ونشروا من الخرافات ما لم يرد في القرون الوسطى وقصص الغولة والسحر والحكايات اليونانية والألف ليلة ومسخ الكائنات، ولكن يبدو أن البعض ذاهب إلى الحج والناس راجعة من الحج.


