علي عبود
انتهى المؤتمر القومي العام لبلاد الشام والعراق بتلاوة بيان ختامي موجز أكد فيه المؤتمرون على أهمية إزالة ( إسرائيل ) ، وقيام مجلس تعاون بين بلاد الشام والعراق ، ووجود مرجعية موحدة للمقاومة في هذه البلاد ..
لكن المؤتمرين فشلوا فشلا ذريعا بانتخاب أمين عام للمؤتمر .. !
وتجلّى الفشل بعدم تحديد الموعد القادم للمؤتمر .. !!
وبدا المؤتمر القومي العام بالنسبة لغالبية المشاركين وكأنّه سيكون الأول والأخير ..
مثل سلفه المؤتمر السوري العام الذي عقد في دمشق عام 1919 .. !!
وكنت مثل غيري من المشاركين أستفسر عن الجهة الداعية والمنظمة ..
وعن جدول أعمال المؤتمر وأوراق العمل .. وأبرز أسماء المشاركين .. !!
والأهم كنا نسأل عن شعار أو الأسم الذي ينعقد تحته المؤتر ..
هل هو المؤتمر السوري الأول أم المؤتمر القومي العام .. أم .. الخ .. !!!
ولكن مامن مجيب .. !!!
أخيرا عرفنا أن المؤتمر سيعقد في فندق ( ماريوت ) ..
ووصلنا إليه قبل ساعة تقريبا ..
وتوقعنا أن نجد فيه الإجابات على تساؤلاتنا التي أصبحت أكثر من ملحة ..
وربما تحولت إلى إحراج للبعض .. وإزعاج للبعض الآخر .. !
وتوقعت مفاجاة ما .. ستحصل فور بدء فعاليات المؤتمر ..
وهذا ماحصل فعلا .. !
عندما دخلنا أخيرا إلى قاعة يفترض انها مخصصة للمؤتمر ..
كانت المفاجأة الأولى .. !
خلافا لجميع المؤتمرات وجدنا أنفسنا وكأننا في مطعم أنيق جدا .. !!!
الطاولات الدائرية موزعة بعناية في القاعة ..
مع غياب أي طاولة دائيرة أو بيضاوية أو مستديرة لرئاسة جلسات المؤتمر ..
باستثناء ميكروفون يعلو طاولة مرتفعة تخصص عادة لمن يعقد مؤتمرا صحفيا ( على الواقف ) .. !!
جلسنا من تلقاء أنفسنا على الطاولات الدائرية ..
كمجوعات ( قطرية ) سبق وتعارفت على بعضها البعض في اليوم السابق لفعاليات الملتقى .. !
ووجدنا أخيرا مايشفي بعضا من غليلنا .. !
أمام كل مشارك كان يوجد ( دوسيه ) فتحناه مباشرة من شدة الشوق ..
لعلّنا نجد إجابات للأسئلة التي تؤرقنا .. ورفض الجميع الإجابة عليها حتى آنذاك .. !
عرفنا أولا أننا بصدد اللقاء التحضيري للمؤتمر القومي العام .. !!
وعرفنا ثانيا أن هناك جهة ما ( غير معلنة ) سبق وأصدرت ( البيان التأسيسي ) في صدد الحالة الحاضرة في بلاد الشام والعراق واستراتيجية المواجهة القومية في المرحلة المقبلة .. !!
وقد صدر هذا البيان التأسيسي الذي وجدناه مطبوعا في كراس أنيق في الدوسيه ..
في دمشق / بيروت في 31 / 12 / 2008 ..
ولكن لاتوجد أية إشارة أو معلومة عن الجهة التي اجتمعت وأصدرت هذا البيان التأسيسي .. !!
وعرفنا ثالثا أن البيان الختامي معد سابقا وقد وزّع علينا مع ( الدوسيه ) ..
ولم نعرف ماذا سنفعل به .. !!
بل لم نكن ندري ماهو المطلوب منا حتى تلك اللحظة .. !
وبالتالي لم نكن نعرف ماهو رابعا وخامسا ..
إلى أن وقف الدكتور علي حمية وراء الميكرفون ليرحب بنا ثم يلقي كلمة اللجنة التحضيرية ..
واكتشفنا .. نحن من يجلس حول الطاولات المستديرة ..
بعد إلقاء كلمة الدكتور حمية ..أننا لسنا في مؤتمر ..
وإنما في ورشة عمل لمناقشة مسودة البيان الختامي الموجودة بين أيدينا ..
ولم تكن ورشة عملنا تشبه مانعرفه عادة عن ورشات العمل ..
فحسب ماخطط له الدكتور حمية أو ( جهة ما ) ..
كان يجب أن يشكل ممثلو كل من الشام والعراق وفلسطين والأردن ولبنان ..
ورشة مستقلة تجتمع على طاولة مستديرة لتقرأ مسودة البيان الختامي وتسجل ملاحظاتها عليه ..
ثم تشكل لجنة صياغة لمناقشة مجمل الملاحظات وتضع الصياغة النهائية للبيان الختامي .. !
وما أن انتهى الدكتور حمية من تلاوة إقتراحه حتى حدثت بلبلة أوما يشبه الفوضى ..
مابين أغلبية معاضة وأقلية موافقة على أسلوب المناقشة .. !!!
كان أبرز المتحدثين والمستغربين والمستفسرين الكاتب الأردني ليث شبيلات ..
الذي قال انه موافق تماما مع شعار وأهداف الملتقى ..
لكنه اكتشف كغيره أنه لم يصله شيئ من وثائق وأوراق ..
واعترض على أسلوب العمل وطالب بإعادة توزيع الممثلين في القاعة لتتحول مثل قاعات المؤتمرات الأخرى حيث يقوم أحد ما بإلقاء مسودة البيان الختامي ثم يطرح للمناقشة العامة .. !
واقترح قبل ذلك أن يتم التعارف بين المؤتمرين إذ لا يعرف ممثلو بلاد الشام والعراق بعضهم البعض ..
وكان هذا الإقتراح الوحيد الذي وافق عليه الجميع حيث قام كل مشارك بالتعريف بنفسه .. !
وعندها اكتشفنا أن هناك نخبة من أساتذة الجامعات والمفكرين والإعلاميين من الدول كافة يشاركون في الملتقى التحضيري أو المؤتمر .. !!
ولكن كان هناك إصرار من قبل الدكتور حمية على قيام ممثلي كل بلد بكتابة الملاحظات والمقترحات على مسودة البيان الختامي .. !
وبعد هرج ومرج واعتراضات .. واعتراضات مضادة ..
استجابت الطاولات المستديرة شبه مرغمة للمقترح الأول ..
فقامت بكتابة ملاحظاتها وسلمتها للجنة الصياغة ..
ولكن لم يكن ذلك كل شيئ .. فقد كانت هناك مفاجأة لم تكن في الحسبان .. !
قيل لنا قبل أن نأتي للملتقى أو المؤتمر أن اليوم الثاني والأخير للمؤتمر سيتم انتخاب اعضاء المكتب السياسي للمؤتمر ومنصب الأمين العام .
وكانت المفاجأة ان اسم الأمين العام مقرر بشكل مسبق ..
وهي الدكتورة حياة الحويك الموجودة في باريس .. !
وسرعان ماحدث لغط واعتراضات ..
ليس على اسم المرشحة ، وإنما على أسلوب فرضها كمرشح وحيد دون أي منافس من أحد .. !
ويبدو ان الإعتراضات فعلت فعلها وظهر ذلك في الجلسة الختامية للمؤتمر الذي أعد له على عجل ..
حيث تضمن كلمات للممثلي سورية والأردن وفلسطين ولبنان وإلقاء قصائد تمجيد بالمقاومة وبشهداء قانا
ثم البيان الختامي ..
وهنا حدثت أيضا مفاجأة غير متوقعة .. !
ماأن أعلن رئيس اللجنة انتهاء الملتقى أو المؤتمر حتى اعترض ممثلو العراق :
أين كلمة العراق ؟
اعتذر رئيس الجلسة وقال : سقطت الكلمة ( سهوا ) .. !
وانتهت كلمة العراق .. وانتهى المؤتمر دون أي عملية انتخاب للمكتب السياسي أو الأمين العام .. !!
وبرز السؤال : هل من علاقة بعدم إجراء عملية الإنتخاب بالإعتراضات على فرض الدكتورة الحويك أمينا عاما من منطلق :
إما هي .. أو لاأحد .. !
وكادت الأمور تنتهي بما انتهت إليه ..أي إلى لاشيئ !
لولا المبادرة السريعة التي جاءت من ممثلي سورية والعراق حيث قاموا باختيار ممثلين إثنين عن كل منهما وأبلغوا الأسماء إلى ممثل اللجنة التحضيرية الدكتور علي حمية ..وطلبوا منه إصدار قرار رسمي باعتمادها لتباشر التحضير للمؤتمر القومي العام الأول لبلاد الشام والعراق .. !
تسلم الدكتور حمية الأسماء ولم يعترض عليها .. !!
وبعد ساعات قليلة أخبرنا الدكتور حمية أن ممثلي الدول الأخرى اختار كل منها ممثليه ليصبح العدد الإجمالي عشرة أعضاء سيجتمعون قريبا في دمشق لاختيار الأمين العام للمؤتمر القومي العام لبلاد الشام والعراق ..
وهذا يعني انه تم إنقاذ المؤتمر في اللحظات الأخيرة .. !
ولكن يبقى السؤال : مامصير المؤتمر القومي العام لبلاد الشام والعراق في القادم من الأيام أو الأشهر أو السنوات ؟
عمليا لايوجد جواب على السؤال سوى البيان الختامي ..
فما أبرز ماجاء في هذا البيان ؟
جاء في البيان الختامي للمؤتمر القومي العام لبلاد الشام والعراق :
( تشهد المنطقة العربية بشكل عام حالة من الركود الذي قلّ مثيله في تاريخنا الحديث والمعاصر ، حيث يجري الخضوع للعدو الصهيوني ، وحيث التبعية لأميركا والغرب سافرة بشكل مطلق ، وحيث تمارس الأنظمة الحاكمة أشدّ أنواع العسف السياسي والإجتماعي والإيديولوجي ، وحيث التجزئة التي فرضها الإستعمار على بلاد الشام والعراق مازالت تدار بقوى خارجية وقوى داخلية ليس بمقدورها أن تحافظ على كياناتها التي تحكمها بفعل أساليبها الإستبدادية وفسادها الذي طال كل مناحي الحياة القومية .. )
وبعد أن يوصّف البيان الحالة في المنطقة العربية يرى ( انه في ظل هذا الوضع الراكد تاريخيا وبسبب غياب الدولة – الأمة تبرز المقاومة في بلاد الشام والعراق ضد كل هذا التاريخ الراكد والقوى والبنى التي تمثله ) .
وهكذا يعلن البيان الختامي لممثلي بلاد الشام والعراق بشكل واضح ..
أن المقاومة هي الخيار لتغيير التاريخ والقوى التي تمثله .. !
وأنه ( استمرارا لهذه المقاومة تداعى جمع من المثقفين في بلاد الشام والعراق للإجتماع في بيروت يومي 15 و16 أيار 2009 مستلهمين كفاح أسلافنا في المؤتمر السوري العام الأول الذي انعقد في دمشق عام 1919 و 1920 في وقت نستعيد فيه ذكرى النكبة واحتلال فلسطين عام 1948 وذكرى تقسيم بلاد الشام والعراق باتفاقية سايكس – بيكو ووعد بلفور .. ) ..
ويعلن البيان الختامي ان هاجس المجتمعين كان :
( البحث عن صيغة عملية لاستعادة وحدة بلاد الشام والعراق التي لم تستطع القوى المسيطرة أن تلغي هويتها الثقافية والتاريخية والإجتماعية الواحدة وآمالها المشتركة ) .. الخ .
والسؤال الذي يبرز فورا :
هل نجح المجتمعون بإيجاد الصيغة العملية لاستعادة وحدة بلاد الشام والعراق ؟
الصيغة كما وردت في البيان الختامي هي بـ ( استنهاض الوعي القومي بأهمية وحدة بلاد الشام والعراق ) فهو الذي من شأنه ( أن يعيد لها لحمتها وأمل العودة بها إلى ماهو طبيعي وتاريخي فيها .. ) !
ولكن يبقى السؤال : كيف سيترجم المؤتمرون هذا الكلام الجميل .. ؟
وهل استنهاض الوعي القومي يكفي لوحده لاستعادة وحدة بلاد الشام والعراق ؟
هنا يؤكد البيان الختامي على أن ( استعادة الوعي الحقيقي بأن مايسمى بإسرائيل ليس إلاّ كيانا اعتدائيا إستيطانيا عنصريا إقتلاعيا ويشكل عدوا رئيسا لوجودنا وحياتنا وآمالنا القومية والحل لايكون إلاّ بإزالة هذا الكيان المصطنع والدخيل والذي تمتد طموحاته الإعتدائية للسيطرة على بلاد الشام والعراق .. وليس بإبرام الإتفاقيات الإستسلامية معه .. ) ..
نستخلص مما سبق ان المؤتمرين يرون أنّه لايمكن استعادة وحدة بلاد الشام والعراق ..
إلا باستنهاض الوعي القومي أولا وبإزالة مايسمّى بـ ( إسرائيل ) ثانيا .. !!!
ولكن إذا كانت المهمة الأولى قابلة للتحقيق من خلال الأحزاب والإعلام الملتزم بمبادئ الأمة ومن خلال المؤتمرات والندوات والحملات المركزة والمستمرة ..
فإن السؤال : ماهي أساليب تحقيق المهمة الثانية أي إزالة مايسمّى بـ ( إسرائيل ) ؟
لم يترك البيان الختامي هذا السؤال بلا إجابة فأكد من حهة بأنّه ( إذا كان مانهدف إليه عملية لن تتحقق إلاّ بكفاح طويل فإنّ جملة من الإنجازات المرحلية قد تكون ضرورية لتحقيق أهدافنا ، فإقامة مجلس تعاون بين كيانات بلاد الشام والعراق كخطوة أولى على طريق التكامل فالوحدة من شأنه أن يحقق المصالح المشتركة ويقرّب المسافات المصطنعة بين أبناء الوطن الواحد .. )
وأكد البيان من جهة أخرى :
( على أهمية وجود مرجعية موحدة للمقاومة في بلاد الشام والعراق بديلا عن التمزق الحاصل في صفوفها الآن ذلك أن المقاومة هي أحد السبل لتحقيق مشروع اتحاد بلاد الشام والعراق .. )
وإذا أردنا الإختصار أكثر فأكثر فإن المؤتمرين وجدوا أن استعادة وحدة بلاد الشام تكون :
1 - باستنهاض الوعي القومي ..
2 - وبإزالة إسرائيل ..
3 - وبإقامة مجلس تعاون بين كيانات بلاد الشام والعراق ..
4 - وبوجود مرجعية موحدة للمقاومة ..
وإذا كان المؤتمرون أجمعوا على قيام المؤتمر العام إطارا لتوحيد الجهود لتحقيق أهدافهم القومية ..
فإن أسئلة بقيت بلا إجابات أبرزها :
من سيقنع - أو بالأحرى سيرغم - كيانات بلاد الشام والعراق على إقامة مجلس تعاون فيما بينها ؟
وهل دولة مثل الأردن ستقبل صاغرة أو سيسمح لها بالإنضمام إلى مثل هذا الكيان الإتحادي ؟
وهل العراق ولبنان بوضعيهما الراهن سيقبلان أو سيسمحا لهما بالإنخراط في كيان يدعو إلى وحدة بلاد الشام والعراق ؟
ومن هي الجهة المؤهلة والقادرة على إيجاد مرجعية موحدة للمقومة في بلاد الشام والعراق
( على الرغم من أن المقاومة هي أحد السبل لتحقيق مشروع اتحاد بلاد الشام والعراق ؟) !!!
أما السؤال الأهم فهو : من سيزيل إسرائيل من الوجود في المستقبل المنظور ..
مادام وجودها هو من يمنع وحدة بلاد الشام والعراق .. ؟
هذه الأسئلة بقيت بلا إجابات ..
وبالتالي قد تكون المهمة الوحيدة للمؤتمر القومي العام لبلاد الشام والعراق القابلة للتنفيذ ..
هي مهمة استنهاض الوعي القومي بأهمية وحدة بلاد الشام والعراق .. !!!
وإذا نجح المؤتمر بهذه المهمة يكون حقق إنجازا كبيرا ..
وخطيرا على الكيانات المصطنعة بفعل اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور ..
فهل سينجح بهذه المهمة ..
أم أن المؤتمر انتهى من حيث انتهى .. !!!
– كلنا شركاء – بيروت


