هيام القصيفي : النهار  

 

 لم تكن مصادفة ان يفتتح النائب سعد الحريري المعركة الانتخابية للاكثرية النيابية وقوى 14 آذار من البقاع الغربي وراشيا، قبل ان ينتقل الى عكار لاطلاق اللائحة الاكثرية لخوض الانتخابات في 7 حزيران المقبل. ففيما تكثر التجاذبات داخل الصف الواحد، وتكثر التباينات ووجهات النظر في طريقة خوض المعركة الانتخابية من اجل استعادة قوى 14 آذار موقعها الاكثري في المجلس الجديد، يسبح الحريري عكس التيار السائد منذ اسابيع، في محاولة لاستنهاض الشارع الاكثري من دائرة البقاع الغربي راشيا، وليس من قلب بيروت، حيث اعتاد الرئيس الراحل رفيق الحريري او نجله ان يستنهضا جمهورهما لدعم لائحة كانت تشكل بعدد افرادها ثقلا معنويا وعدديا للاكثرية.
اليوم اختلفت الصورة، وكان انطلاق المعركة الانتخابية واعلان اللوائح من النقطة الحساسة، التي تشكل تماسا بين الجنوب والبقاع لتفتح المجال واسعا امام بناء صورة مختلفة للمعركة ليس بين المعارضة والاكثرية فحسب، انما ايضا لجهة تباين وجهات النظر داخل الصف الاكثري الواحد.
لا تشكل دائرة البقاع الغربي اهمية نيابية عددية ، بل تمثل عمق خطوط التماس الحدودي بين محورين الاول، سني - شيعي ، والثاني لبناني - سوري. فالحريري يدخل البقاع من الساحة التي لا تزال التجاذبات الشيعية والسنية منذ 7 ايار الماضي حية فيها، وفي الدائرة التي اراد فيها حليفه النائب وليد جنبلاط ترك المقعد الشيعي فارغا لاحتواء المشكلة المذهبية التي ضربت عميقا بعد حوادث بيروت والجبل. واختيار هذه المنطقة بما تشكل من امتداد للبلدات التي كادت تتحول خطوط تماس، يعكس الوجه الاخر للحالة التي يريد الحريري تكريسها، حين استعاد من عمق البقاع، وعلى مقربة من الحدود السورية، اللهجة العالية ضد النظام السوري مجددا اتهامه باغتيال الرئيس الحريري، وموجها انتقادا بنبرة عالية ضد مرشحين بقاعيين اعتبرهم " زعامات زائفة... من وزراء النظام الذي اغتال الحريري".
والتماس الحدودي هو نفسه الذي جعل الحريري يختار عكار المحطة التالية لاطلاق اللائحة الاكثرية لمواجهة المعارضة، في سيناريو مشابه يريد معه ترجمة التوتر العربي والمحلي المستمر والمتوجس ابدا من النظام السوري، ومن أي محاولة للتقارب معه، ويسعى الى استعادة المواجهة الاكثرية نفسها ضد المعارضة. وتمثل عكار بالنسبة الى الحريري التداخل مع الخط السوري، ونقطة الجذب الثانية التي تستدعي استحضارا لذاكرة عام 2005 بعد اطلاق المحكمة الخاصة بلبنان، وهو حرص امس على التذكير بضرورة المحكمة من اجل "حماية حدود لبنان من القتلة".
في المقابل، يعطي السعي الى دخول صيدا من البوابة العريضة، خطاب الحريري امتدادا يترجم التجاذب بينه وبين جنبلاط في الرؤية من دون ان يصل الى حد الاختلاف. فصيدا هي النقطة الثالثة التي تمثل الالتقاء والمواجهة مع المعارضة ان بوجهها الشيعي او بامتدادها الاقليمي. وفي حين يخف التقاطع السني الشيعي عدديا في المدينة، الا انها تمثل بالنسبة الى المعارضة ثقلا حيويا، جعل من الصعب عليها تقبل ترشيح الرئيس فؤاد السنيورة فيها وهو ابن صيدا، فيما يترشح الرئيس نبيه بري ابن صور على لائحة الزهراني التي تتميز انها منطقة انتخابية وليست قضاء.
أهمية هذه الدوائر الثلاث تكمن ايضا في الخطورة التي تمثلها بسبب كثرة خطوط التماس فيها، ولان النبرة العالية التي اطلقها الحريري، تضاف الى حوادث أمنية متفرقة بعضها كان دمويا باستهداف الجيش في البقاع، وبما حصل امس في الشمال يمكن ان تتحول هذه المناطق ساحة توتر مع أي خلل أمني، وإن يكن بسيطا.
والهاجس الامني الذي يلوح من وقت الى آخر، عشية الانتخابات، هو نفسه الذي يتحكم في خطاب الحريري وجنبلاط، وكل واحد لسبب مختلف. فالحريري لا يزال مسكونا بهاجس 7 ايار، ولعل خطابه في البقاع الغربي يعكس تماما هذا الهاجس، تماما كما هي رغبته في تشكيل اللوائح، بتوجه مغاير لرغبة جنبلاط.
فجنبلاط سعى في الاونة الاخيرة الى تكريس مفهوم مختلف للشركاء في اللوائح عبر دعم مستقلين ووجوه انتخابية وخصوصا في الصف المسيحي، يمثلون امتدادا للمسيحيين الذي اعدوا زيارة البطريرك الماروني الكاردنيال مارنصرالله بطرس صفير للجبل، وليس دعم المسيحيين الحزبيين. ومن يتصل بجنبلاط يعرف ان اولى محاولاته استعادة حوار مع المسيحيين قبل التسعينات كانت مع الراحل داني شمعون، اما بعد التسعينات فكانت محاولته لاقامة مؤتمر للمهجرين في الجبل بالتعاون مع الكتائب على ايام رئيسه الراحل جورج سعادة، احد الذين دفعوا ثمنا غاليا للطائف. ثم حاول تكريس هذا الحوار عبر "المعتدلين" المسيحيين لا الصقور، والذين بنى معهم علاقات آحادية، في حين عمّق حوارته مع الكنيسة عبر "لقاء قرنة شهوان" التي اعد اركانها المستقلون زيارة الجبل البطريركية، وهذا الخط تماما هو الذي حاول جنبلاط استعادة تكريسه في انتخابات عام 2009 من دون نجاح، في اثناء محاولته تكريس خطاب التهدئة مع المعارضة الشيعية تحديدا آملا في اضفاء تهدئة طويلة الامد على الشارع الذي يخشى توتره الدائم، وسط معطيات اقليمة غير مطمئنة، من أجل تأمين حضور نيابي مستقل ونخبوي يمثل له مستقبل الدولة.
يختلف أسلوب الحريري وجنبلاط في التعامل مع استمرار الازمة الاقليمية وتداعياتها على لبنان، من دون ان تصل الى حد الاختلاف في الرؤية المستقبلية للخط المشترك. فخطاب الحريري الذي صار اكثر راديكالية مما كان قبل اشهر قليلة، تزامن مع دعمه مجيء الحزبيين المسيحيين الى المجلس، في سعي لافت الى تكريس هذا الوجود في مناطق نفوذه ونفوذ جنبلاط. فتكريس هذا الحضور الحزبي المسيحي، من منظور الحريري، يعني بطريقة او اخرى اعادة تثبيت الحضور الحزبي الحامل عصبية مسيحية لها امتدادها على الارض، والمتحالف مع المشروع الحزبي لـ"المستقبل" في مواجهة أي مشروع معارض يمكن ان يستخدم الشارع مرة اخرى لترجمة مشاريعه، وهو ما لا تستطيع القوى المستقلة والنخبوية تأمينه في أي من المراحل الحرجة. وقد بدأت ملامح التوتر تنتقل من مكان الى آخر، في مناطق لا تزال منذ 7 ايار تعيش قلقا تغطيه الخطابات السياسية التصالحية. لكن الانتخابات اظهرت ان دوائر الخطر لا تزال هي نفسها منذ نحو عام