الأوروبيون يغادرون ... والأميركيون يغيبون ... والعرب يتفرّجون

السفير اليوم :

لم ينطق بالكلمة المحرمة. لكنهم كانوا في انتظار إشارة لكي ينسحبوا! هكذا بدا السيناريو، أمس، في مؤتمر دوربان الثاني «لمكافحة العنصرية»، الذي افتتح، أمس، في جنيف، بين الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، الذي آثر عدم نطق كلمة «إسرائيل» عندما تحدّث عن «كيانها العنصري»، وبين من تبقى من الأوروبيين، الذين فضلوا إرجاء «إذعانهم» للمشيئة الإسرائيلية إلى ما بعد افتتاح مؤتمرٍ، نجحت واشنطن، ومعها تل أبيب، في جعله مزدوج المعايير، وأشبه بمؤتمر «للتستر عن العنصرية».

الولايات المتحدة، التي سعت، على مدى أسابيع خلت، إلى تفريغ البيان الختامي للمؤتمر الذي تنظمه الأمم المتحدة، من أي معنى، بحيث لا يتطرّق إلى ممارسات إسرائيل العنصرية في فلسطين، بحجة أن ذلك «معاداة للسامية»، وبحيث لا تتم إدانة «التشهير بالأديان»، بحجة أن ذلك «أسر لحرية التعبير»، واعدةً بمباركة المؤتمر بحضورها.. لم تأتِ خشية أن ينطوي الاجتماع على «نفاق ويأتي بأثر عكسي»، قال رئيسها باراك أوباما.

وكذلك فعلت نيوزلندا وألمانيا وكندا وايطاليا وبولندا واستراليا وهولندا. هي مقاطعة تحدوها «الغطرسة والأنانية». «عاملان تكمن وراءهما مشاكل العالم»، بحسب نجاد.

بريطانيا وفرنسا آثرتا الحضور، وإن بتمثيل ضعيف. باريس هددت بأنها ستنسحب إذا ما هاجم نجاد إسرائيل. وحافظ العرب على موقع المتفرج.

لم يكترث نجاد لكونه الرئيس الوحيد الذي يحضر القمة. لم يكترث لطلب الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون «بألا يحوّل الاجتماع إلى مبارزة سياسية»، وضرورة «ألا يخلط بين الصهيونية والعنصرية». ومضى في استعراض تاريخ اغتصاب فلسطين: «بعد الحرب العالمية الثانية لجأوا (الحلفاء) إلى القوة العسكرية، لانتزاع أراضٍ من امة برمتها تحت ذريعة معاناة اليهود»، و»أرسلوا مهاجرين من أوروبا والولايات المتحدة وأجزاء أخرى من العالم، لإقامة حكومة عنصرية في فلسطين المحتلة».

هو رأى أن «تعويضاً عن العواقب الوخيمة للعنصرية في أوروبا ساعد في أن يأتي إلى السلطة أكثر النظم العنصرية قسوة وقمعا في فلسطين»، متهماً «هؤلاء (الحلفاء) بالتزام الصمت إزاء کل المجازر التي ارتكبها هذا الكيان بل وقدموا له الدعم».

تململ الحاضرون. همّ السفراء الأوروبيون الـ23 بمغادرة القاعة أسراباً، قالت مصادر دبلوماسية متطابقة، إنهم اتفقوا قبيل المؤتمر على المغادرة ما أن يهاجم نجاد إسرائيل (جميعهم عادوا لاحقاً باستثناء الوفد التشيكي، الذي انسحب نهائياً). في المقابل، صفق كثيرون داخل القاعة، تأييداً لكلام نجاد.

الرجل، الذي وصفه ثلاثة مناصرين للدولة العبرية بـ»العنصري»، ورشقوه بأشياء خفيفة قبل أن تسوقهم العناصر الأمنية خارج القاعة، كان لا يزال يواصل كلامه، داعياً إلى «وضع حد لاستغلال الصهاينة وحماتهم للوسائل السياسية الدولية»، و»استئصال هذه العنصرية السافرة».

وأحدث خطاب نجاد موجة من الانتقادات. نائب السفير الأميركي إلى الأمم المتحدة اليخندرو وولف وصفه بـ»المعيب والمفعم بالكراهية والمشين»، داعياً القيادة الإيرانية إلى «تبني خطاب أكثر اعتدالاً وصدقاً عند التعامل مع قضايا المنطقة». أما بان كي مون فـ«خاب ظنه» من الخطاب «الاتهامي والتقسيمي وحتى التحريضي». رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون وصفه بـ»المسيء والاستفزازي». وزير الخارجية النروجي يوناس غارشتور اعتبره «يرقى إلى حد التحريض على الكراهية». الفاتيكان وصفه بـ«المتطرف». ودعا الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الاتحاد الأوروبي إلى «الحزم حيال الدعوة غير المتسامحة إلى الكراهية العنصرية»، فيما حيا رئيس الوزراء الكندي ستيفن هاربر انسحاب الدبلوماسيين من القاعة.

في تل أبيب، كان لدى الخارجية الإسرائيلية الكثير لتدينه: اللقاء «الخطير» الذي جمع بان بـ»أعظم منكر للمحرقة اليهودية في زماننا» (حيث ناقشا، بحسب بيان للأمم المتحدة قضايا السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، وأفغانستان). كما أدانت اللقاء الذي جمع الرئيس السويسري هانس رودولف ميرز بنجاد، مستدعية سفيرها في برن ايلان ليغاري «للتشاور»، فضلاً عن أنها أعربت عن «خيبة أملها» لقرار باريس ولندن المشاركة في المؤتمر «المهزلة». كما استدعت الخارجية الإسرائيلية الدبلوماسية المعتمدة في السفارة السويسرية في تل ابيب مونيكا شموتز كيرغوز «للاحتجاج».

(«السفير»، «مهر» إرنا»، ا ف ب، رويترز، اب)