يو بي آي   

 

كالعديد من جيرانها من الدول الإسلامية في الشرق الأوسط، تواجه سورية الحاجات الحياتية الأساسية المتزايدة من الغذاء إلى الطاقة لسكانها، الذين يرتفع عددهم باضطراد. وفي حين تعتبر المياه أساسية لإنتاج الغذاء والطاقة،

 فإن محاولات رفع إنتاج الطاقة في سورية من خلال زيادة عدد محطات توليد الكهرباء بواسطة المياه ورفع قدرتها، حسب الضرورة، تحتاج لاستخدام القنوات الدبلوماسية، لأن النهرين الرئيسيين في سورية أي دجلة والفرات ينبعان من الشمال في تركيا التي تجمعها بسورية علاقة متوترة تقليدياً.

ولكن التفاعل الدبلوماسي المتزايد مع تركيا هو أمر حيوي لسورية والعراق المجاور الذي يمر فيه النهران أيضاً بعد عبورهما سورية، إذا كان لا بد من توزيع تدفق مياههما بشكل متساوٍ لكي يستفيد الجميع منهما.

وصحيح انه تم تحقيق بعض التقدم، لكن ما زال هناك الكثير للقيام به في وقت تجري فيه مفاوضات ثلاثية مطولة وصعبة وسط جفاف يسيطر على الشرق الأوسط منذ ثلاث سنوات.

وخلال العقد الماضي، سرّعت سورية عملية توسيع منشآت إنتاج الطاقة الكهربائية، وتبلغ القدرة الحالية لهذه المحطات 8200 ميغاوات مقارنة بأكثر بقليل من 4000 ميغاوات في مطلع العام 1998.

والخبر السيئ لدمشق هو ان المنشآت السورية لإنتاج الطاقة الكهربائية بواسطة المياه تعمل حالياً بثلث قدرتها الكاملة وتزوّد البلاد بأقل من 8' من حاجتها إلى الكهرباء بدلاً من تقديم حوالي ربع حاجة البلد إلى الطاقة الكهربائية. وأحد الأسباب الرئيسية لذلك هو تراجع مستويات المياه في نهر الفرات على الرغم من ارتفاع الحاجة السنوية السورية للكهرباء بمعدل 10' في السنوات القليلة الماضية. وتتقاسم تركيا وسورية والعراق حوض نهري دجلة والفرات. والأمر السيئ لدمشق وبغداد هو ان تركيا تسيطر على 88' من مياه نهر الفرات، فيما تسيطر سورية على 9' والعراق على 3'. أما دجلة فتسيطر تركيا على 56' من مياهه وسورية على 12' والعراق على 32'.

ونظراً لموقعها الجغرافي، فإن سورية تجري مفاوضات مع لبنان والأردن حول موارد المياه العابرة للحدود.

وأثارت سيطرة تركيا على الأجزاء العليا من النهرين الرئيسيين في الشرق الأوسط مخاوف في سورية والعراق حيال مشروع أنقرة الطموح المتمثل بمشروع جنوب شرق الأناضول 'غاب' لإنتاج الطاقة الكهربائية بواسطة المياه المصمم لتنمية منطقة جنوب شرق الأناضول. والأمر الذي برر هذه المخاوف هو سد أتاتورك، الذي هو جزء من مشروع 'غاب' الذي أنجز في العام 1993 على نهر الفرات والذي خفّض مستوى مياه النهر بحوالي الثلث.

وإذا نفذت تركيا مشروع 'غاب' بالكامل فإن الأراضي التركية ستستضيف في النهاية 14 محطة توليد طاقة كهربائية بواسطة المياه وسدودواً على طول الجزء الأعلى من نهر الفرات إضافة إلى ثماني منشآت أخرى على نهر دجلة.

تشغل المؤسسة العامة لسد الفرات في سورية، وهي مؤسسة حكومية، ثلاثة مشروعات لإنتاج الطاقة بواسطة المياه مرتبطة بالشبكة الوطنية وتؤمن 9' من إنتاج سورية العام للطاقة الكهربائية.

ويؤمن 'سد الثورة' الذي تبلغ قدرته الإنتاجية 880 ميغاوات، و'سد تشرين'، الذي أصبح جاهزاً للعمل حديثاً والذي تبلغ قدرته 630 ميغاوا، واللذين يقعان على نهر الفرات، حوالي 90' من إنتاج الكهرباء بواسطة المياه في حين يشكل 'سد البعث' على الفرات الذي تبلغ قدرته 75 ميغاوات وخمسة معامل طاقة صغيرة تعمل بواسطة المياه، ما مجموعه 1620 ميغاوات.

ولدى سورية ما مجموعه 141 سداً تبلغ سعة تخزينها 15.8 كيلومتراً مكعباً من المياه، وأكبرها 'سد الطبقة'، الذي تتجمع وراؤه 'بحيرة الأسد' التي تبلغ سعة تخزينها 11.2 كيلومتراً مكعباً.

تسعى دمشق بشكل حثيث إلى تأمين حاجاتها المتنامية إلى الطاقة التي يسببها ارتفاع نسبة الولادات وتوسع القطاع الخاص واللذين يزيدان مستوى الاستهلاك للطاقة الكهربائية. وما يزيد على مشاكل سورية هو انها تعيش وسط منطقة نزاع كما ان على حكومتها أن تتعامل مع تدفق اللاجئين العراقيين، الذين سبق وأعلنت السلطات السورية أن عددهم 1.5 مليون لاجئ، وتقدر بأن متطلباتهم الحياتية تساوي متطلبات 300 ألف سوري يستهلكون مليار دولار من الديزل والكهرباء والغاز الطبيعي المسال سنوياً.

ويعتقد المختصون أن معظم القدرة السورية على إنتاج الكهرباء بواسطة المياه قد استهلكت مما يجبر دمشق على استخدام الدبلوماسية إذا كانت تريد فك الأحاجي السياسية والاقتصادية المتمثلة بزيادة إنتاج الطاقة الكهربائية في منشآتها الحالية التي تعتمد على المياه، من خلال زيادة تدفقها، والتعامل مع مشكلة اللاجئين الذين 'ينتجهم' العراق، وزيادة إنتاج الطاقة الكهربائية وجذب الاستثمارات الأجنبية في الوقت ذاته.

قد تقدم التكنولوجيا الحديثة لسورية وعدد من دول الشرق الأوسط، سبيلاً للخروج من أحجية زيادة النمو السكاني وارتفاع حاجة سكانها إلى المياه والطاقة.

وبحسب البروفيسور أحمد ميتي ساتجي، نائب الأمين العام للمنتدى العالمي الخامس للمياه وهو مهندس مدني متميّز ورئيس قسم الهدنسة البيئية في جامعة مرمرة في تركيا منذ العام 1991، فإن التقنيات الثلاثة الرئيسية الواعدة لزيادة كمية المياه الموجودة هي تحلية مياه البحر وإعادة تدوير المياه وتقطير الطاقة الشمسية.

وإذ ذكر ساتجي أكثر بلدان المنطقة عوزاً للمياه، قال انه في السعودية 'قاموا بتحلية المياه وأرسلوها إلى الرياض وخلطوا هذه المياه بالمياه الجوفية لكي يتم توزيعها على المدن. لذلك تتوفر اليوم في بعض المناطق الحضرية في السعودية كمية كبيرة من المياه إلى درجة ان هناك 100 ليتر لكل فرد'.

وأضاف ان العائقين الحاليين أمام عملية تحلية المياه هو التكاليف وواقع ان بعض التقنيات المستخدمة فيها تستخدم المنتجات البترولية، ولكن التقنيات الحديثة مثل التقنيات الإسرائيلية لتنقية المياه بواسطة الغشاء النسيجي لا تستخدم النفط مما يزيل هذه العقبة.

ويؤيد ساتجي أيضاً استخدام التقنيات ذات الفاعلية الكبيرة مثل الري بتقنية التقطير وإعادة تدوير المياه لتقليص استخدام قطاع الزراعة للمياه، حيث نجد في بعض دول الشرق الأوسط 15' فقط من الموارد المائية ترسل إلى المناطق الحضرية في حين تستحوذ المناطق الزراعية على 70'. ويضيف ساتجي 'علينا أن نغير هذا الأمر ـ فمع الشح المتوقع في المياه في المستقبل لا يمكن أن تستخدم المياه للري بينما نحن قادرون على إعادة استخدام المياه الآسنة'.

ولكن ساتجي يضع كل أمله في تقنية تقطير الطاقة الشمسية لقدرتها على تأمين حاجات المنطقة الملحة للمياه. وأشار إلى ان أجهزة التقطير التي تستخدم الطاقة الشمسية المتوفرة في المتر المكعب يمكنها إنتاج ثلاثة ليترات من المياه المقطرة يومياً. وأضاف 'لكل منزل تبلغ مساحته مئة متر مكعب يمكنك تقطير 300 متراً مكعباً من المياه في اليوم وهو ما يكفي أسرة من أربعة أشخاص. انه أمر بسيط باستخدام التكنولوجيا الجاهزة ولكن الفكرة لم تتضح بالكامل كما اننا لم نجري ما يكفي من الأبحاث في هذا المضمار. أعتقد ان التكنولوجيا الفعالة يمكنها في المستقبل إنتاج 200 ليتر من المياه يومياً'.

ولكن النقص الوحيد في تصور ساتجي العملي هو المال، وسورية مثل جيرانها قادرة على استخدام تدفق الرأسمال الأجنبي لتطوير مثل هذه المشاريع. ولكنها قد تخرج من عزلتها الدبلوماسية التي تفرضها عليها الولايات المتحدة مع ما تقوم به وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون من ضغوط باتجاه إطلاق المزيد من المبادرات الدبلوماسية تجاه دمشق.

من هنا، فإن المزيد من التحسن في العلاقات الأمريكية السورية قد يسمح لسورية بزيادة إمكانية حصولها على التمويل لبعض مشاريع الطاقة المؤجلة منذ زمن طويل ولكن من المرجح أن يكون الثمن السياسي عالياً لأن واشنطن ستسعى بالتأكيد لتغيير علاقات دمشق الوثيقة بطهران وتقليص علاقتها بحزب الله في لبنان. وقد أعاقت القيود الأمريكية حتى الآن خطط عدد من الشركات المتعددة الجنيسات والشركات الأمريكية للاستثمار في البنية التحتية السورية للطاقة من بينها شركات 'كونوكو فيليبس' و'ماراتون' و'ديفون إينيرجي' الأمريكية اللواتي انسحبنا من مشاريع في سورية منذ العام 2004 بسبب المخاوف.

وبالإضافة إلى حل الخلافات الدبلوماسية مع واشنطن وما سيدر ذلك عليها من تدفق للرساميل، على سورية أيضاً أن تحسن علاقتها بأنقرة وبغداد إذا كانت البلدان الثلاثة تريد أن تتوصل إلى المساواة في استخدام مياه نهري الفرات ودجلة. ولكن استخدام التكنولوجيات الفعالة والحديثة قد تثبت في النهاية انها رهان أكثر أماناً لحاجات سورية من المياه من زيادة اعتمادها على مياه الفرات ودجلة.