ميدل ايست اونلاين  

 

لندن - سجلت الزيارة الخاطفة التي قام بها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الى دمشق، ومحادثاته المعمقة مع الرئيس السوري بشار الأسد، وتأكيداته هناك على أهمية الدور الذي تلعبه سوريا في المنطقة، تأكيد على التقارب المتزايد بين دمشق والاتحاد الأوروبي، ولكنها اوحت في الوقت نفسه بان هناك ما هو أهم سيأتي عندما يتولى الرئيس الاميركي المنتخب باراك أوباما مقاليد منصبه في البيت الأبيض في 20 يناير/كانون الثاني الجاري.
والشيء المؤكد هنا هو ان الأزمة في غزة التي اعادت قضية الشرق الأوسط الى مقدمة الاهتمامات الدبلوماسية، لا بد وان تفتح الأبواب على مصاريعها ليس لزيارات ومحادثات مكثفة مع دمشق والسلطة الفلسطينية ولبنان فحسب، بل لبحث حلول اكثر استقرارا وشمولا.
ويقول مراقبون ان لدمشق دورا حاسما يمكن ان تلعبه ليس فيما يخص المفاوضات المتعلقة بمستقبل الجولان، ولكن أيضا فيما يتعلق بمستقبل السلام بين اسرائيل ولبنان، وكذلك فيما يتعلق بموقف الفصائل الفلسطينية التي تستضيفها دمشق من مشروع التسوية برمته.
ومن الواضح انه إذا شاءت ادارة الرئيس اوباما ان تلعب دورا فعالا من اجل التوصل الى حل شامل، فان أبواب دمشق ستكون هي المدخل.
وعلى هذا الأساس، فان الفصل الجديد الذي تنتظره العلاقات السورية الاميركية يمكن ان يكون فصلا مهما ومؤثرا.
وكانت العلاقات السورية الاميركية شهدت تعثرا بين حين وآخر خلال عهد الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش المنتهية ولايته، حيث اتهمت ادارة بوش سوريا بتغذية الارهاب في العراق ولبنان وفلسطين، كما فرضت حظرا اقتصاديا وماليا على سوريا.
ووصلت العلاقات الثنائية الى أسوأ حالاتها اثر اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الاسبق والمدعوم من قبل الغرب رفيق الحريري اذ ان الولايات المتحدة اتهمت سوريا بالتورط في الحدث، واستدعت بعد ذلك سفيرتها من دمشق.
وكان يبدو ان العلاقات بين البلدين انفرجت بعد انسحاب القوات السورية من لبنان عام 2005 حتى اقامة سوريا رسميا العلاقات الدبلوماسية مع لبنان في 15 اكتوبر/تشرين الأول العام الماضي الى جانب اجراء سوريا محادثات غير مباشرة مع اسرائيل بوساطة تركيا، لكن الامر تدهور فجأة اثر قيام القوات الاميركية الموجودة في العراق بغارة مستهدفة مبنى قيد الانشاء في منطقة البوكمال بسوريا، زاعمة بانها طاردت من سمته "ارهابيا" مما اسفر عن مقتل 8 مدنيين واصابة آخرين بجراح في 26 اكتوبر/تشرين الأول العام الماضي، واغلقت سوريا المركز الثقافي الاميركي والمدرسة الاميركية في دمشق كرد فعل.
واظهرت مصادر رسمية سورية موقفت ايجابيا ازاء فوز اوباما، بل وقالت انها تعلق آمالا كبيرة عليه في تحسين علاقات سوريا مع الولايات المتحدة، وبعث الرئيس الاسد برقية تهنئة الى اوباما الامر الذي يعد تعبيرا قويا عن الرغبة في تحسين العلاقات السورية الاميركية.
وقدر عاليا السفير السوري لدى الولايات المتحدة الدكتور عماد مصطفى اثناء ندوة عقدت بمركز الحوار العربي في واشنطن انتخاب اوباما واصفا بانه لا يمثل خطوة مهمة في تاريخ الولايات المتحدة فحسب، وانما في تاريخ الانسان. وبشأن ما يمكن ان يطرأ على العلاقات السورية الاميركية من التحسن، قال "لدينا امل قوي في القريب العاجل ان تتحسن هذه العلاقات".
وقال وزير الخارجية السوري وليد المعلم ان عهد الرئيس الاميركي المنتخب باراك اوباما "سيكون مختلفا دون شك لان احد اسباب فوز اوباما هو فشل سياسة الرئيس الاميركي الحالي جورج دبليو بوش الداخلية والخارجية".
ونقلت مصادر أعلامية حكومية القول ان الشارع السوري "مرتاح عموما" لانتخاب اوباما رئيسا للولايات المتحدة، مشددة على ان سوريا تتمتع بـ"عقل منفتح للحوار ويد ممدودة للسلام والتعاون". واعربت عن امنيتها ان تتغير السياسة الاميركية الخارجية عموما وتجاه سوريا خاصة، موضحة ان التغيير الذي تنتظره سوريا من ادارة اوباما "لا يتمثل في العدول عن محاربة الارها ب، بل هى تنتظر تماما التعامل الصادق المباشر".
واكدت تلك المصادر ان يد سوريا "ممدودة" للحوار ولتصافح يد الرئيس الجديد، مشيرة الى ان للعلاقات بين البلدين "جذورها وجذوعها القابلة للنمو والحياة".
وليس من الصعب ملاحظ ان سياسة بوش في الشرق الاوسط لم تحقق طموحته، بل جاءت بخسائر اكثر من مكاسب، حيث تصاعد الصراع الفلسطيني الاسرائيلي ولم تنتج سياسة العصا والجزرة ثمارا في الملف النووي الايراني واصبحت المصالحة الوطنية في العراق بعيدة عن التحقيق.
ويبدو ان اوباما بدرك ذلك، وتبنى خلال حملته الانتخابية التي دامت نحو عام شعار "التغيير" في السياسة التي اتبعها بوش، داعيا الى سحب القوات الاميركية من العراق وافغانستان ودخول في الحوار مع خصوم الولايات المتحدة خاصة سوريا وايران لتحسين صورة الولايات المتحدة في العالم.
وتعد سوريا جوهر الصراع العربي الاسرائيلي نظرا لان محادثات السلام بين سوريا واسرائيل هو جزء هام لعملية محادثات السلام العربية الاسرائيلية. وتلعب سوريا دورا حيويا في الشؤون الاقليمية وفقا لموقعها الجيوسياسي وعلاقاتها المميزة مع اطراف النزاع.
والشيء الذي لا مفر منه فيما يبدو هو انه اذا ارادت الولايات المتحدة تغيير وضعها الحرج في الشرق الاوسط والحفاظ على موازين القوى في المنطقة فلا مفر لها من تحسين علاقاتها مع سوريا حتى التعاون معها.