مستشفيات القطاع تعبق برائحة الموت... واتهام للأمن المصري بإرشاد طائرات الاحتلال

غزة ــ قيس صفدي
على وقع الصمت العربي، الذي بلغ حد التواطؤ، ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلي أمس كبرى مجازرها في غزة، وراح ضحيتها أكثر من 300 شهيد و1000 جريح، في سلسلة من الغارات الجوية المتزامنة استهدفت مقارّ ومواقع أمنية وعسكرية في جميع مدن القطاع.
وحولت الغارات، التي نفذتها عشرات الطائرات والمروحيات الحربية الإسرائيلية، مقار ومواقع الشرطة والأجهزة الأمنية التابعة لحكومة «حماس» إلى أنقاض. واستهدفت كذلك مواقع عسكرية تستخدمها «كتائب القسام» وفصائل المقاومة للتدريب، غير أنها كانت خالية من الأفراد لحظة القصف.
واستهلت الطائرات الحربية سلسلة الغارات بتدمير مقر الرئيس محمود عباس المعروف باسم «المنتدى» على شاطئ بحر غزة، الذي حوّلت حركة «حماس» جزءاً من مبانيه إلى مقر لجهاز الأمن والحماية عقب سيطرتها على القطاع في منتصف حزيران 2007.
وغطت سماء مدينة غزة سحابة كبيرة من الدخان المتصاعد من المباني المدمرة، وسط صيحات الخوف من الأطفال والطلبة الذين تزامن خروجهم من مدارسهم مع القصف الإسرائيلي.
وقالت مصادر في وزارة الداخلية في حكومة «حماس» إن غالبية الشهداء والجرحى هم من عناصر الشرطة والأجهزة الأمنية، الذين كانوا يمارسون عملهم داخل المقارّ المستهدفة لحظة القصف. وأضافت أن بين الشهداء المدير العام للشرطة، اللواء توفيق جبر، ومدير جهاز الأمن والحماية، المقدم إسماعيل الجعبري، ومسؤول مكافحة المخدرات الرائد محمود العمصي، وعدداً كبيراً من ضباط الشرطة والأجهزة الأمنية.
وقال مسعفون فلسطينيون إن جثث الشهداء والجرحى تناثرت في الشوارع وبين الأزقة، وتحت أنقاض المباني والمقارّ المدمرة. وأوضحت مصادر طبية في مستشفيات القطاع أن عدداً كبيراً من جثث الشهداء وصل أشلاءً ممزقة ومحترقة من شدة القصف الإسرائيلي، وسط توقعات بارتفاع عدد الشهداء جراء وجود حالات كثيرة من المصابين في وضع خطير للغاية.
وقال المدير العام للإسعاف والطوارئ في غزة، معاوية حسنين، إن عدد الشهداء ارتفع وفق الإحصاءات غير النهائية إلى 205 وأكثر من 400 جريح، بينهم عدد من النساء والأطفال والمدنيين. وأكد أن استمرار الغارات الإسرائيلية ينذر بوقوع المزيد من الضحايا ويعوق استكمال عمليات الإنقاذ، فيما يهدد نقص الإمكانات الطبية بوفاة عدد من الجرحى ذوي الحالات الخطيرة.
وقالت مصادر طبية في مستشفيات قطاع غزة إن 16 قتيلاً سقطوا في رفح و20 في خان يونس و50 في وسط قطاع غزة، فيما سقط باقي الضحايا في غزة وشمالها.
واكتظت ساحات وممرات مستشفى الشفاء، وهو أكبر مستشفيات غزة، بجثث الشهداء، والمصابين الذين اختلط صوت أنينهم وصرخات الألم بصراخ المئات من الفلسطينيين الذين توافدوا إلى المستشفى بحثاً عن أبنائهم.
رائحة الموت كانت تفوح في أركان المستشفى وجنباته، وتزكم الأنوف، فيما شُغل ذوو الشهداء والجرحى في تفقد الجثث المقطعة والممزقة، يحدوهم الأمل في نجاة أبنائهم من موت كان عنواناً ليوم دامٍ في غزة.
هول المشهد والصدمة أنسى نوال أنوثتها، وانهمكت في تقليب جثث الشهداء بحثاً عن ابنها وشقيقها، وهما من عناصر الشرطة، وأخذت تحدث نفسها وتمني النفس بأنهما لا يزالان على قيد الحياة، وبدلاً من الدعاء لهما بالسلامة التامة، دفعتها بشاعة المشاهد إلى الدعاء أن «يكونا بين الجرحى».
وصبّ سكان في غزة وأهالي الشهداء والجرحى جام غضبهم على الأنظمة العربية، وكان لمصر النصيب الأكبر من الشتائم والدعوات بأن تشرب من الكأس نفسها التي سقت منها غزة بمشاركة الاحتلال.
وقال رأفت، وهو يحتضن جثة أخيه من دون رأس، إن مجزرة غزة «إسرائيلية مصرية مشتركة»، معتقداً أن الاحتلال أخذ الضوء الأخضر من مصر ودول عربية أخرى لضرب غزة حتى الموت.
وأخذ آخر يصرخ ويشير إلى جثة طفله الشهيد الممزقة فوق قطعة من الكرتون المقوى بعدما نفدت أغطية المستشفى «الأكفان»، ويقول: «نام وارتاح يا (الرئيس محمود) عباس ستعود لغزة على دماء الشهداء».
وانكبّ شاب على جثة عمه المقطعة الأطراف، والمشوهة الوجه، وأخذ يضرب الأرض من حوله بكفيه ويرفعهما إلى السماء ويقول: «حسبنا الله على العرب وإسرائيل».
وقال وزير الصحة في حكومة «حماس»، باسم نعيم، إن ثلاجات الموتى اكتظت بجثث الشهداء، ولم يعد فيها متسع للمزيد، فيما اضطرت الطواقم الطبية إلى تقديم العلاج الأوّلي لعشرات المصابين بجروح متوسطة وتسريحهم من المستشفيات لإفساح المجال أمام الحالات الحرجة والخطرة. وأشار إلى أن المستشفيات في غزة تواجه عجزاً وصعوبات جمّة في كل ركن من أركان عملها، بفعل النقص الحاد في المواد والمستلزمات الطبية، الذي سببه إغلاق المعابر والحصار الخانق.
وأعلنت النقابات الطبية والمهنية الموالية لحركة «فتح» في رام الله تعليق إضراب الأطباء والعاملين في القطاع الصحي في غزة، ودعتهم بعد أشهر من الاستنكاف عن العمل إلى أخذ مواقعهم في المستشفيات للإسهام في علاج الجرحى.
وأعلنت مصادر مصرية فتح المعبر الحدودي «المغلق»، وهو المنفذ الوحيد للقطاع على العالم الخارجي، أمام جرحى المجزرة الإسرائيلية. وقال سكان في مدينة رفح الحدودية إن قوات الأمن المصرية، التي انتشرت خلال الساعات القليلة الماضية على امتداد الشريط الحدودي ورفعت الرايات الحمراء على مقارها ومواقعها، تراجعت مع بدء الغارات الجوية الإسرائيلية.
وقال قيادي محلي في «حماس» في مدينة رفح لـ«الأخبار»، إن القوات المصرية كانت على علم بموعد الغارات الجوية، ورفعت هذه الرايات لإرشاد الطائرات الإسرائيلية وتنبيهها إلى أنها مواقع مصرية لا فلسطينية.
وبينما كانت الطائرات الحربية تواصل غاراتها على غزة، تمكنت فصائل المقاومة من إطلاق عشرات الصواريخ المحلية الصنع، وصواريخ «غراد» الروسية الصنع، على بلدات وأهداف إسرائيلية متاخمة للقطاع، في رسالة توحي بأن العدوان لن يحول دون إطلاق الصواريخ.
وأقرت مصادر إسرائيلية بمقتل مستوطنة إسرائيلية، وإصابة آخرين، جراء سقوط صواريخ على تجمع «نتيفوت» في النقب الغربي، تبنت إطلاقها «كتائب القسام».

الاخبار