أثار قرار محكمة النقض الغرفة الجزائية بوقف الحكم النافذ بحق الكاتب والصحفي ميشيل كيلو والناشط محمود عيسى وإطلاق سراحهما فوراً، اهتماما وجدلاً واسعاً، فقد تناقلته وسائل إعلام محلية وخارجية فور صدوره، بما في ذلك صحيفة الوطن السورية وموقع سيريا نيوز المقربين

 وبدأت الأنظار تتجه إلى سجن عدرا لمعرفة متى سيغادر كيلو وعيسى هذا السجن بعد انقضاء أكثر من ثلاثة أرباع مدة محكوميتهما البالغة ثلاث سنوات. وهلل الكثير لهذا الحكم الشجاع الذي أثبت أن القضاء السوري مازال بخير رغم ما يقال عنه.
مضى اليوم الأول والثاني ولم يتم الإفراج عنهما. وبدأت الأقاويل تنتشر هنا وهناك منها :- أن محكمة النقض لم توافق على إطلاق سراحهما، وأن هناك جهات ليست قضائية تدخلت ومنعت تنفيذ القرار القضائي- ، إلى أن أعلن في 4/11/2008 نقلاً عن هيئة الدفاع ومصادر قضائية، أن النائب العام في الجمهورية العربية السورية المستشار تيسير قلا عواد قدم دعوى مخاصمة ضد قرار محكمة النقض أمام الهيئة العامة لمحكمة النقض طلب فيها وقف تنفيذ القرار المذكور وإبطال القرار محكمة النقض ،وتصديق قرار محكمة الجنيات الثانية لجهة رد طلب كيلو وعيسى بوقف الحكم النافذ وسجلت الدعوى، وبلغت إلى أطراف الدعوى وتمت الموافقة على وقف تنفيذ القرار الصادر عن محكمة النقض كل ذلك تم في يوم واحد، وحدد يوم 25/11 موعداً للنظر في موضوعها. " لاحظ هذه السرعة غير المعهودة في تسجيل هذه الدعوى، كل ذلك من أجل الحصول على وقف التنفيذ".!! علماً أن عدداً من المحامين انتقدوا قيام النائب العام بتقديم الدعوى ليس خلافاً للقانون وحسب ، بل ولأنه لا صفة ولا مصلحة له في تقديم تلك الدعوى. واعتبروا أن الهدف من تقديمها هو تأخير تنفيذ قرار محكمة النقض، وإعاقة إخلاء سبيلهما حتى انتهاء مدة محكوميتهما. وإلا بماذا نفسر ما جرى ، حيث انقلب دور النيابة العامة من دور المدعى عليها أمام محكمة النقض، إلى مدعية أمام الهيئة العامة بذات الموضوع ؟؟؟
يذكر أن محكمة الجنايات الثانية بدمشق، سبق أن رفضت طلب وقف الحكم النافذ الذي تقدم به كل من ميشيل كيلو ومحمود عيسى رغم توفر شروطه القانونية، فقد عللت رفضها الطلب بالقول " أن المادة 172 غير ملزمة لها بإجابة الطلب ولها أن ترفضه، وأن المحكمة وضعت يدها على القضية واطلعت على كافة ملابساتها، لذلك واستناداً للمؤيدات المشروحة أنفاً وعملاً بأحكام المادة 172ع التي أجازات للمحكمة قبول الطلب أورده فقد تقرر رد الطلب" وقد ردت محكمة النقض على هذا القرار بشكل قانوني سليم، وبما يتوافق مع مقتضيات العدالة.. وفيما يلي سنكتفي باستعراض أهم الفقرات القانونية التي وردت في قرار محكمة النقض الغرفة الجنائية رقم 2795 أساس 3055 تاريخ 2/11/ 2008:
جاء في القرار على الصفحة الأولى: ( وحيث أنه بالرجوع إلى كتابي السجن المؤرخين في 18/9/2008 يتبين أن الطاعنين كانا صالحين خلال تنفيذ العقوبة بحقهما ، وكلاهما أمضى ما يزيد عن ثلاثة أرباع محكوميته .. وعليه فإن ما جاء في السبب الأول والثاني تنال من القرار ، لاسيما وإن اجتهاد هذه المحكمة قد استقر على منح وقف الحكم النافذ إذا توافرت الشروط القانونية ، وحيث أنه من الثابت بأوراق الدعوى أنه لا مانع قانوني من إجابة الطلب إذا رأت المحكمة ذلك، ولكن إذا رأت خلاف ذلك فإنه لابد لها من تعليل قراراها بشكل قانوني ومنطقي، وحيث أن المحكمة عللت قرارها بأن المادة 172 غير ملزمة لها بإجابة الطلب ولها أن ترفضه ، وقد رأت بعد إطلاعها على القضية وكافة ملابساتها واستناداً لأحكام المادة 172 عقوبات رفض الطلب ، وحيث أن هذا التعليل في غير محله من الناحية القانونية لأن حق المحكمة برفض الطلب ليس مطلقاً ، وليس أمراً تقديرياً ، بل هو أمر يتعلق بتدقيق الظروف اللاحقة للحكم ، وحالة المحكوم أثناء تنفيذ العقوبة، وحالات رفض الطلب وردت في أحكام المادة 173 وما بعدها ومنها عل سبيل المثال لا الحصر (م 175ع) أن يكون على المحكوم بذات الحكم إلزامات مدنية ولم يسددها لصاحب الحق الشخصي وفي هذه القضية ليس هناك إلزام مدني على الطاعنين ، وعليه فرفض طلبهما جاء في غير محله القانوني).
ويضيف القرار: ( وحيث أن القرار المطعون فيه جاء في غير محله من الناحية المنطقية أيضاً ، فقد علل الرفض بأن "المحكمة وضعت يدها على القضية واطلعت على كافة ملابساتها لذلك واستناداً للمؤيدات المشروحة أنفاً وعملاً بأحكام المادة 172ع التي أجازات للمحكمة قبول الطلب أورده فقد تقرر رد الطلب". وحيث أن هذا التعليل يعني أن المحكمة عادت لدراسة ظروف الجريمة والقضية موضوع الحكم ، وحيث أن هذه القضية وجميع ظروفها وملابساتها كانت موضع نظر حين إصدار الحكم المطلوب وقفه.. خاصة وأنه بالرجوع إلى ذات الحكم يتبين أنه أشار إلى أن ما فعله الطاعنان وما أثاراه بدفوعهما قد ناقشته المحكمة وانتهت إلى أن القضية لا يمكن أن تكون سياسية أمنية، وإنما هي قضية جنائية الوصف ... وإن اعتراف الطاعنين بالجرم جعل المحكمة تحجب عنهما أسباب التخفيف التقديري..الخ وعليه فالقضية وملابساتها لا يصح أن تكون موضع نظر مجدداً ولا أن تكون سبباً في رد طلب وقف الحكم. مما يجعل التعليل قد جانب الصواب ).
كما ردت المحكمة على الدفع الذي أثارته هيئة الدفاع في طعنها من أن القضية هي قضية سياسية قائلة: " إن القول بأن هذه الجريمة سياسية فقد جاء في غير محله لأن الحكم النافذ قد أوضح أنها ليست سياسية وإنما جنائية ، وقد أنبرم هذا الحكم وبالتالي لا مجال لمناقشة الجريمة فيما إذا كانت سياسية أم لا ، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى أن البت بطلب وقف الحكم النافذ يتعلق بأمور قانونية مرتبطة بالمحكومين بالذات ولا علاقة له بأمور أخرى سياسية أو غيرها، وعليه لا علاقة لما يجري لجهة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين الشقيقين سورية ولبنان لأن هذا الأمر يخرج عن الأمور المتوجب بحثها قانوناً في هذا القرار ..
لذلك وبناء على ما سلف بيانه وخلافاً لرأي النيابة العامة تقرر بالاتفاق ما يلي :
أولا- قبول الطعنين موضوعاً ونقض القرارين المطعون فيهما والحكم بدلاً عنهما بما يلي:
1- قبول طلب المحكومين محمود عيسى وميشيل كيلو ووقف الحكم النافذ بحقهما الصادر عن محكمة الجنيات بدمشق برقم 439 /227 تاريخ 31/5/2007 وإطلاق سراحهما إن لم يكونا موقوفين لداع أخر.
2- تسطير الكتاب اللازم أصولاً لإطلاق السراح .
3- إعادة الاضبارة لمصدرها.
قراراً صدر بتاريخ 2/11/2008.
فقرار محكمة الجنايات الثانية برفضها طب وقف الحكم النافذ بحجة أن المادة 172 ع ليست ملزمة لها، قد جاء مخالفاً لروح القانون ولغاية المشرع من وقف الحكم النافذ في المادة 172ع ، فلو كان قصد المشرع ترك الحرية للقاضي كيفما كان في منح هذا المحكوم ربع المدة ، وحجبها عن محكوم أخر ، لما كان المشرع أساساً وضع شروطاً لحالة وقف الحكم النافذ في الفقرة الأولى من المادة 172 إن تحققت أمكن للقاضي أن يأمر بالإفراج عن المحكوم عليه وهذه الشروط هي: ( 1- أن يتقدم المحكوم بطلب لوقف الحكم النافذ 2- أن يكون قد أمضى ثلاثة أرباع محكوميته -3- أن يثبت أنه صلح فعلاً بكتاب من السجن الذي يمضي فيه محكوميته)، فإذا تحققت تلك الشروط الثلاثة في المحكوم مقدم الطلب، فإنه لم يعد بإمكان القاضي رفض طلب المحكوم عليه استناداً إلى أن المادة 172 ليست ملزمة له.وإذا رفض الطلب، فإن قراره يخضع لرقابة محكمة النقض .
ولا يسعنا في النهاية إلا نؤيد تماماً ما ذهبت إليه محكمة النقض الجزائية في قرارها المشار إليه الذي جاء متوافقا مع أحكام القانون ومقتضيات العدالة وغاية المشرع أيضاً. وندعو المعنيين إلى احترام هذا القرار وضمان تنفيذه على وجه السرعة ، ونأمل هنا من الهيئة العامة لمحكمة النقض أن تنتصر للقضاء وتصدق قرار محكمة النقض وتأمر فوراً بإطلاق سراح ميشيل كيلو ومحمود عيسى.


المصدر : خاص - ( كلنا شركاء )