التحقيق معهما يؤكد وجود »سكك تهريب كل شيء« من لبنان إلى سوريا
بعدما انكشف مصير الصحافيين الاميركيين تايلور لاك وهولي شميلا، ومن ثم نقلهما من سوريا الى الاردن، اطلقا في صحيفة »جوردان تايمز« الاردنية، حيث »يقال» إنهما يعملان فيها، رواية قالا فيها انهما تعرضا للخطف، وتم إدخالهما بالقوة الى الاراضي السورية من قبل سائق سيارة اجرة استقلاها من طرابلس قال إنه ابلغهما ان في إمكانه نقلهما عبر الحدود، لانه، أي السائق، مرخص لمثل هذه الرحلة. وبرر لاك وشميلا محاولة دخولهما الى الاراضي السورية بذريعة انهما قررا ان يمضيا العطلة في سوريا، ويودا الانتقال برًّاً إلى الاردن.
هذه الرواية التي قدم فيها الصحافيان الاميركيان نفسيهما على انهما كانا »ضحية«، خطفت اهتمام متابعين عن كثب لهذه المسألة من لحظة الاختفاء، وحتى الكشف عن مصيرهما، مروراً بالاعلان عن اختفائهما، ومن بيروت، وبتزامن مريب، مع تحذير السفارة الاميركية للرعايا الأميركيين في لبنان، من إمكان تعرّضهم لأعمال ارهابية خلال النصف الاول من تشرين الاول الجاري. وفي رأي هؤلاء المتابعين ان رواية الصحافيين الاميركيين، تجافي الوقائع الحقيقية التي احاطت بالمسألة، من لحظة وصولهما جواً الى بيروت واقامتهما في احد فنادق العاصمة، ومن ثم انتقالهما الى طرابلس، وكيفية اختيارهما سيارة الاجرة للانتقال تهريباً الى سوريا، والى حمص على وجه التحديد، وهو امر لا يتفق مع ما ورد في روايتهما بأنهما خططا للحصول على تأشيرتي دخول على الحدود اللبنانية السورية لقضاء العطلة في سوريا قبل العودة الى الاردن براً.. وحتى إلقاء القبض عليهما على الحدود يوم الاربعاء اول تشرين الجاري، واقتادتهما القوى الامنية السورية مع سائق سيارة الاجرة الى احد المراكز العسكرية السورية بالقرب من الحدود.
يومها، أي الاربعاء، كانت سوريا قد دخلت في عطلة عيد الفطر، ولذلك، تم إبقاء الصحافيين الاميركيين، مع السائق، محتجزين في المركز العسكري السوري المذكور. والمثير للانتباه، كما يقول المتابعون، أن لاك وشميلا، لم يقرّا في التحقيق الذي اجري معهما انهما صحافيان، بل انهما نكرا ان يكونا صحافيين، سيما وانهما لم يكونا يحملان بطاقتيهما الصحافيتين. ولذلك جاء تعاطي رجال الامن السوريين، الذين حققوا معهما على انهما متسللان وليسا صحافيين، على ان يحالا على المراجع الامنية المعنية بعد عطلة عيد الفطر، ويبت بأمرهما.
لكن الامر اختلف، عندما تم نقلهما الى المخابرات العسكرية للتحقيق معهما، وكان ذلك قبل فترة قصيرة من الافراج عنهما. وكانا ما يزالان عند نفيهما انهما صحافيان، حتى تعرّف عليهما احد ضباط المخابرات السوريين، سيما وان الصحف كانت قد نشرت صورتيهما. وبعدها انصبّ التحقيق معهما حول الغاية التي حضرا من اجلها، وحول حقيقة المهمة التي دفعتهما الى محاولة اختراق الحدود السورية اللبنانية، وليس الدخول بحسب الاصول والاستحصال على تأشيرات دخول، وحول الجهة التي سهـلت لهم هذا الامر، ومع من ينسقون في هذا الاختراق، خصوصاً في نقطة انطلاقهم في اتجاه سوريا. وفي هذا الوقت كان الجانب السوري، قد ابلغ الأميركيين عبر سفارتهم في دمشق بوجودهما رهن التحقيق. ولم يستبعد هؤلاء المتابعون امكان ان يكون الاميركيون من خلال سفارتهم في العاصمة السورية قد اطلعوا على المجريات التفصيلية للتحقيق، وربما حضروا جانبا مهما من هذا التحقيق، وبالتالي هم يقفون على كل التفاصيل، وعلى كل ما ادلى به لاك وشميلا للمحققين السوريين!
ماذا قال الصحافيان الاميركيان للمحققين السوريين، وما هو نوع المهمة التي كانا ينويان القيام بها في سوريا، هل هي مهمة صحافية، هل هي عاطفية، غرامية، هل هي ابعد من ذلك؟
ما قاله الصحافيان، والكلام للمتابعين لهذه القضية عن كثب، لا يتفق مع روايتهما في صحيفة »جوردان تايمز«، سيما وان مجريات التحقيق، تؤكد اعترافهما بمحاولة التسلل من الحدود اللبنانية في اتجاه سوريا، والهدف الاساسي الذهاب الى حمص، والتقاط بعض الصور لبعض المعالم، اضافة الى التقاط صور لهما على ان يعودا الى لبنان بالطريقة ذاتها، وذلك كي يثبتا ان الحدود السورية مع لبنان »فالتة«، مع ما يستتبع ذلك من كلام وحملات تحت هذا العنوان. ويفتح المتابعون الذاكرة على حالات مشابهة حصلت في السابق، تجسدت احداها في التحقيق الصحافي الذي اجرته صحافية اسرائيلية في بيروت بعد »حرب تموز« ،2006 والثانية في التحقيق الذي اجراه المعلق العسكري في صحيفة »يديعوت احرونوت« الاسرائيلية في دير الزور، بعد قصف ما سُمّي بالمنشأة النووية السورية.
ويؤكد هؤلاء المتابعون، ان مهمة الصحافيين منسقة مع آخرين، لكنهم يؤثرون عدم تحديد الاسماء او تحديد الجهات المعنية مباشرة، ما خلا سؤال حول الصحيفة الاردنية »جوردان تايمز«، وهل هي على علم بمهمة صحافيَّيها.
ماذا في النتائج؟
في تقدير هؤلاء المتابعين، ان هذه المسألة، نزلت على سوريا كأثمن عيدية في عيد الفطر، حيث تمكنت من احباط محاولة احراجها بتسجيل نقطة حدودية سوداء في مرماها، وبالتالي ردت الى الآخرين رسالة فورية بقدرتها على ضبط حدودها، وانها على جهوزية تامة لمواجهة أي خرق، او محاولة اختراق. الا ان الامر يختلف من الناحية اللبنانية، اذ ان ما حصل، بالطريقة التي تمت فيها محاولة التسلل، يؤكد ان هناك »مجموعة سكك موجودة شمالاً، تقوم بالتهريب في اتجاه سوريا، وهذه السكك تبدو مفتوحة امام كل شيء ، فقد تحمل تكفيريين او جهاديين او اصوليين، او تخريبيين او ارهابيين وربما غير ذلك، وبالتالي تم وضع هذه السكك تحت مجهر الرصد السوري، سيما وانها قد تشكل نافذة لخطر جسيم يهدد امن سوريا واستقرارها. وعلى اساس استشعارها بهذا الخطر المحدق بها، ، بعثت سوريا برسائل شديدة اللهجة الى من يعنيهم الامر في كل الاتجاهات، من لبنان الى خارج لبنان. كما حركت جيشها على الحدود الشمالية اللبنانية السورية، والصراخ اللبناني التحريضي الذي رافقه تحديداً من 14 اذار، لم يحل دون ان يكون التحرّك العسكري السوري داخل الحدود السورية المعترف بها دولياً، محل تفهّم دولي، من فرنسا وسائر اوروبا، وصولا الى الولايات المتحدة الاميركية، التي استخدم بعض موفديها الى لبنان مؤخراً نبرة هادئة جداً حيال هذا التحرك السوري. وهذا كان حال ديفيد هيل الذي حاول الاستفسار عن ابعاد الانتشار السوري على الحدود مع لبنان، فرد عليه احد المسؤولين بسؤال: هل عندما يقرر الجيش الاميركي التحرك داخل حدود الولايات المتحدة، يحتاج الى اذن من احد، فرد : قطعاً لا.. فعقب المسؤول المذكور قائلا: وهذا هو حال سوريا ايضاً.. فوافقه هيل وغيّر الحديث.
نبيل هيثم


