لن يجد الزائر لمنطقة تل الحجارة في دمشق القديمة صعوبة في اكتشاف محترفات وورش فنية لحوالي 20 فنانا سوريا باتت تشكل ما يسمى "حي الفنانين."
ويشكل الحي الجديد المعروف سابقا بـ "حي اليهود" عامل جذب للسياح والراغبين بالتعرف على أحدث نتاجات الفن المعاصر في مجالي التشكيل والنحت.
وكانت الأمانة العامة لاحتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية 2008 أطلقت مؤخرا تظاهرة "فنانون في المدينة" تتيح للناس زيارة الفنانين في محترفاتهم وإجراء حوارات معهم حول أعمالهم والمراحل التي مرت بها.
ويؤكد الفنان مصطفى علي أهمية وجود حي للفنانين في سوريا "لأن كل مدينة متحضرة تمتلك حيا خاصا بالفنانين"، مشيرا إلى أن تظاهرة "فنانون في المدينة" تأتي "في إطار التأكيد على أهمية المشروع الفني والاهتمام بالحي على مستوى المشروع الثقافي وإحياء الأماكن المهملة، بحيث يصبح هناك أنشطة موازية للمشروع الثقافي مثل الفنادق والمقاهي وغيرها."
وحول تأسيسه للحي يقول علي: "الفكرة وُلدت حين أتيت قبل 4 سنوات إلى حي مهجور وأقمت مُحترفا لي فيه، ومن ثم دعيت بعض الفنانين الأصدقاء واتفقنا على تأسيس تجمع مُحترفات في الحي، وبعد فترة بدأ يتكون حي حقيقي تمت زيارته من ضيوف من جميع أنحاء العالم."
ويشير إلى أن الحي يحوي إلى جانب الفنانين المحترفين عددا من الفنانين الشباب حديثي التخرج الذين استأجروا غرفا وحولوها إلى مراسم، إضافة إلى بعض السكان القاطنين في الحي أصلا، مؤكدا أن بعض الناس باتوا يقصدون الحي لزيارة المعارض والمشاريع الفنية.
ويقول إن محترفه يحوي أعمالا من البرونز والخشب، إضافة إلى ورشته التي يُنجز فيها أعماله، مشيرا إلى وجود غاليري خاص بأعمال بعض الفنانين السوريين.
فيما تقدم الفنانة عفاف خرما في مرسمها لوحات متنوعة تمثل وجوها وبورتريهات شكلت خرما مادتها الأولية من "الباستيل" و"الإكريليك"، فضلا عن قصاصات الجرائد التي استخدمتها كـ "كولاج" للتعبير عن الطبيعة الصامتة التي تغلف أغلب لوحاتها.
من جانبه يؤكد الفنان إدوار شهدا على أهمية الحي "كمكان للقاء والحوار بين الفنانين على اختلاف مدارسهم الفنية"، لكنه يشير بالمقابل إلى تقصير الإعلام في التعريف بالحي، واقتصار الدعوات التي قدمتها الاحتفالية على "نوعية معينة من المثقفين، ويجب أن يكون هناك دعوة جماهيرية لكل الناس ليتعرفوا على تجارب أهم فناني سوريا."
ويضيف: "أي مشروع يحمل هما ثقافيا وفنيا هو مشروع مهم جدا للبلد، إعلاميا وسياحيا وثقافيا، والأمثلة على ذلك كثيرة في العالم، فهناك حي مونمارت أو حي الفنانين في باريس وهو أهم حي سياحي في فرنسا."
فيما ينهمك الفنان غسان النعنع في وضع اللمسات الأخيرة على لوحته "باريس في عيون الفنانين السوريين" التي من المُفترض أن تشارك في معرض معهد العالم العربي بباريس.
وتحوي اللوحة وجوها لأبرز الفنانين التشكيليين في العالم أمثال ماتيس وبيكاسو وسلفادور دالي يتحلقون حول طاولة واحدة، وتبدو في الخلف نماذج لأشهر اللوحات في التاريخ كالجوكندا (الموناليزا) وغيرها.
وتشير الفنانة الشابة بشرى مصطفى التي قطنت الحي حديثا إلى أهميته بالنسبة للفنانين الشباب لتطوير عملهم ولاستفادة من تجارب الفنانين المحترفين.
وتقول مصطفى إن أعمالها الغرائبية التي تُشكّلها من الطين والبرونز والبوليستر هي محاولة لتقديم العالم بشكل مختلف.
وتضيف: "أنا أعمل بشكل تعبيري واقعي يحوي بعض التحوير، بمعنى أني آخذ شيئا من الواقع وأعيد صياغته وأترك للمتلقي مهمة تفسيره."
فيما تتميز أعمال الفنانة الشابة كنانة الكود بطابع تجريدي يُرّكز على الشكل الجمالي للكتلة وانسيابها وفراغاتها، مع التأكيد على الخط المنحني للمادة المكونة في الغالب من الرخام والخزف والخشب.
وحول اختيارها للتجريد في أعمالها تقول الكود: "أنا لست ضد الأنسنة ولكني أرى أن التجريد يترك تساؤلا دائما لدى المتلقي ولذلك فهو يجذبني، كما أنه سهل ممتنع، بمعنى أنه عمل صعب لأنك يجب أن تدرس علاقة السطوح مع بعضها وعلاقة الكتلة والفراغ بداخلها والخط الذي ترسمه، ولكنه في نفس الوقت يحمل قدرا كبيرا من المتعة قد لا تراها في فن آخر."
حسن سلمان : ميدل ايست اونلاين


