دمشق-سانا
تأسس معهد العالم العربي في باريس عام 1980 وقد جاء ثمرة تعاون بين فرنسا واثنين وعشرين بلداً عربياً منها سورية ليكون أداة للتعريف بالثقافة العربية ونشرها بهدف بناء جسر ثقافي حقيقي بين فرنسا والعالم العربي.
ويسعى المعهد إلى تطوير دراسة العالم العربي في فرنسا وتعميق فهم ثقافته وحضارته ولغته وفهم جهوده الرامية إلى التطوير وتشجيع التبادل الثقافي وتنشيط التواصل والتعاون بين فرنسا والعالم العربي ولاسيما في ميادين العلم والتقنيات والإسهام على هذا النحو في إنجاز العلاقات بين فرنسا والعالم العربي عبر الإسهام في تعزيز العلاقات بين العرب وأوروبا.
يقع مبنى المعهد على نهر السن في وسط مدينة النور باريس وقد صممه مجموعة من المهندسين سعوا عن طريق فن العمارة المميزة إلى إضفاء طابع مختلف على بنائه جعله من المعالم السياحية المهمة التي تستقطب ملايين السياح.
تطل الواجهة الشمالية للمبنى على الملامح التاريخية لـ باريس في علاقة حب حميمة لمعالم المدينة القديمة فيما تحكي الواجهة الجنوبية تاريخاً في الهندسة العربية عبر تصميم المشربيات الـ 240 التي تحتويها والتي هي عبارة عن كوي تفتح وتغلق مع تغير عقارب الساعة كل ساعة كما تتألف الواجهة الرئيسية للجناح من مئة وثلاثة عشر لوحاً حساساً للضوء تعمل كعدسة الكاميرا بحيث تفتح وتغلق للتحكم بحدة الضوء داخل البناء.
يعتبر المعهد متخصصاً في ترويج حضارة وتاريخ العالم العربي ويحتوي على متحف ومكتبة تتسع لمئة ألف كتاب وقاعات للاجتماعات ومكاتب موزعة على جناحين يفصلهما باحة مفتوحة تجاه كاتدرائية نوتردام.
منذ تأسيس متحف المعهد وهدفه تعريف الجمهور العربي بالحضارة العربية الإسلامية منذ نشوئها حتى عام 1987 بدأ تكوين المرحلة الأولى للمتحف ببعض التحف الأثرية التي قدمتها له المتاحف الوطنية: متحف اللوفر، متحف الفنون الزخرفية، متحف الفنون الإفريقية والأوقيانية وبعض التحف التي تبرع بها مالكوها إضافة إلى جهود الدول العربية الأعضاء في معهد العالم العربي التي أودعت لدى متحف المعهد ولمدة طويلة الأمد بعض الآثار من المجموعات الأثرية التي تمتلكها والمصدر الأساسي لهذه الآثار هو أعمال التنقيب الجارية أو التي جرت حديثاً ولذا اقتضى أن يواكب عرض هذه الآثار سلسلة من المطبوعات الإيضاحية حيث كانت سورية وتونس أول دولتين انبرتا إلى خوض هذه التجربة عبر تقديمهما قرضاً يتألف من مئة وثمانين تحفة وقطعة أثرية تعود إلى عصور تمتد مما قبل التاريخ حتى القرن الثامن عشر كما ثمة قروض أثرية ستقدم قريباً إلى المعهد مايجعل من متحفه مرجعاً أثرياً ولد من ارادة العمل المشترك بين الدول التي أسسته.
وتوزعت القطع الأثرية المئة والأربعون التي تقدمت بها سورية وتونس في صالات العرض الدائمة في المتحف والكائنة في الطوابق السابع والسادس والرابع وهي معروضة جنباً إلى جنب مع المجموعات الأثرية التي يمتلكها المعهد وتتوزع وفقاً لترتيب تاريخي يروي تطور سورية وتونس موطن اللقاء بين الحضارات القديمة الزاهرة في سياق التاريخ العام للبلدين.
ويشهد على مرحلة ما قبل التاريخ البرونزية أدوات من حجر الصوان وطاحونة أفقية الوضع ولوحة تحمل كتابة مسمارية وخاتماً أسطواني الشكل.
وكلها تدل على الدور الكبير الذي لعبته سورية في تاريخ الإنسانية في ختام الألف الثاني قبل الميلاد ويدل على تونس عدد كبير من القطع والتحف الأثرية التي تعود إلى مختلف الحقب التاريخية الممتدة بين القرنين التاسع والتاسع عشر.
أما مكتبة المعهد فهي تجسد من خلال مجموعات الكتب المتعددة الاختصاصات التي تحتويها وتولي ثقافة العالم العربي وحضارته أهمية أولى وتهتم بالمصادر التراثية للثقافة العربية وتسعى لتلبية حاجات الباحثين المختصين وإرضاء رغبات الفئات الواسعة من جمهور المكتبة.
وتضع المكتبة في متناول القراء مجموعة مختارة من الكتب الإسلامية ودليلاً معلوماتياً باللغتين العربية والفرنسية للكتب والمجلات والمقالات و65 ألف كتاب ووثيقة بالفرنسية والعربية وكذلك بالإنكليزية والألمانية والإسبانية والإيطالية ومنها:
رصيد سيد الذي يضم 1880 كتاباً بالعربية هي أمهات الثقافة العربية التراثية والمعاصرة وتتراوح بين الدين والفلسفة والأدب والتاريخ ودلائل المخطوطات.
رصيد نينار المختص بالمغرب والذي يضم 2500 كتاب تغطي بخاصة الفترة التاريخية التي كان فيها المغرب محمية و1360 مجلة منها 800 مجلة ما زالت حية تصدر وتمثل ثراء النشر وتنوعه في العالم العربي وتتراوح بين مجلات أخبار حديثة ومجلات ثقافية فكرية ومجلات تراثية ومجلات رسمية وأخرى علمية وتقنية و24 ألف و400 مقالة مفروزة تشمل جميع ميادين الفكر والاختصاص و60 طريقة وأسلوباً لتعليم اللغة العربية الفصحى مرفقة بأشرطة مسجلة إضافة إلى أسطوانات سي دي روم، أديب، دوكتيز وميرياد.
وتقدم المكتبة أيضا ثلاث صالات قراءة موزعة على ثلاثة طوابق وهي قاعة لمطالعة الصحف العربية وقسم للخدمات البيبليوغرافية وقسم للمطبوعات أي بيانات الكتب.
وأنشىء في المعهد ميدياتيك الأطفال عام 1994 بالتعاون مع مجلس "الفرح بواسطة الكتب" وهو موجه بخاصة للفتيان حتى سن الثانية عشرة ليكون بيئة للعب ومناخاً حميماً فالزائر الفتى يكتشف فيه خريطة عملاقة للبلدان العربية ومساحة لوسائل الإعلام المتعدد "كومبيوتر وإنترنيت" والمكان مزود بخزائن تنتظم حولها أمكنة للقراءة ومراكز للاستماع إلى حكايات وأغنيات وموسيقا من شتى أنحاء العالم العربي.
ويقيم المعهد باستمرار عروضاً موسيقية للفرق الموسيقية العربية والفرق الاستعراضية وسينمائية للأفلام العربية يستضيف من خلالها فنانين من الوطن العربي وكذلك مهرجانات وأمسيات شعرية.
كما يقيم المعهد ضمن أنشطته دورات لتعليم اللغة العربية والترجمة ومعارض للمخطوطات العربية ولمؤلفات الكتاب العرب الذين ذهبوا إلى باريس أما للعمل أو السياحة فأغوتهم عاصمة الفن فكتبوا انطباعاتهم وذكرياتهم ورواياتهم وأعمالهم الأدبية المختلفة أمثال رفاعة الطهطاوي ونزار قباني وسهيل إدريس وبيرم التونسي وغيرهم.
وبرز اهتمام المعهد بدعم المرأة في الشعر النسائي وهو يستضيف باستمرار وضمن أنشطته الشعرية شاعرات من كل أرجاء الوطن العربي ومنها سورية إيماناً منه بضرورة دعم المرأة.
كما دأب المعهد على تكريم رموز الفن العربى الأصيل عبر إقامة المعارض ومن أهمها المعرض الذي افتتح مؤخراً لتكريم كوكب الشرق أم كلثوم كذلك معارض الكتاب التي احتلت فلسطين قلب الوطن الجريح مكانة مرموقة فيها وكذلك اللوحات التشكيلية التي تربط بين حضارة الشرق وأوروبا ومن أهمها اللمسة التي أضفاها النحات السوري مصطفى علي على سطح المبنى والتي فازت من ضمن 37 عملاً في مسابقة أجريت بمناسبة مرور عشرين عاماً على تأسيس المعهد بجائزة أفضل تصميم.
إن معهد العالم العربي هو حكاية عشق عربية فرنسية استطاعت أن تقرب بين الثقافة العربية الأصيلة والثقافة الفرنسية والأوروبية.
تقرير: مي عثمان


