فيينا (5 آيار/مايو) وكالة (آكي) الإيطالية للأنباء
أعرب الشاعر العربي على أحمد سعيد المعروف باسم "أدونيس" عن اعتقاده أن التطبيع الثقافي بين العرب وإسرائيل لا معنى له على الاطلاق، لأنه مجرّد غطاء للتطبيع السياسي والاقتصادي. وأكد أن المسؤولين السياسيين العرب هم الذين يتحدثون عن التطبيع الثقافي مع إسرائيل عبر ما يُسمى بـ "مثقفي السلطة والنظام الحاكم". وشدّد في مقابلة أجرتها معه وكالة (آكي) الإيطالية للأنباء على القول ان "التطبيع الثقافي غير قائم في ظل حالة التيارات المتناقضة، والاختلاف في المواقف حول استخدام كلمة التطبيع وتطبيقها عملياً على الساحة العربية". وتساءل بقوله "كيف يمكن أن يكون التطبيع الثقافي، ولا سيما عندما تكون الثقافة بشكل عام هي حركة دائمة في صلب دوامة الحروب والنزاعات والصراعات". وفي هذا السياق، رأى أدونيس أنه "إذا كانت الثقافة الواحدة لا يمكن التطبيع بين تياراتها المختلفة، فكيف يمكن التطبيع بين ثقافة عربية وثقافة إسرائيلية؟ في اعتقادي أن هذا غير ممكن". وأوضح قوله "ليس هناك تطبيع داخل الثقافة العربية الواحدة في ظل سلسلة من التناقضات والاختلافات، ولا سيما إذا أخذنا في الحسبان أن معنى التطبيع الثقافي هو أن تصبح الثقافة ذات طبيعة واحدة، وكأنها ثقافة واحدة، وهذا مستحيل"
واعتبر أدونيس من يرشحونه لنيل جائزة نوبل للأدب والشعر أمراً لا يهمه ولا يعنيه على الاطلاق وقال "ولذلك لا أريد أن أتحدث فيه، لأنه ليس مشكلتي". وتمنى من جميع العرب أن ينسوا جائزة نوبل، لأن أياً منهم لن يحصل عليها، لا في المرحلة الراهنة ولا في المستقبل المنظور. وتساءل قائلاً: لماذا؟ ورد بقوله "بمنتهى الصراحة، لأنهم لا يستحقونها بكل بساطة"
ورداً على سؤال حول أسباب فشل العرب في صياغة مشروع ثقافي عربي موحد قال أدونيس "في الواقع، وحتى يكون لدى أي شعب من الشعوب بما فيها الشعر العربي مشروع ثقافي موحد، ينبغي أن يكون هناك دولة لديها رؤية للمستقبل، ولدينها قضية، وعلى أساسهما تبادر إلى صياغة مشروع ثقافي ومشروع سياسي واقتصادي". وأشار إلى أن "العالم العربي يتألف من 22 دولة، ولدى كل دولة منها كمٌ هائلٌ من المشاكل والتحديات، والتي لا يجمع فيما بين شعوبها أية قواسم مشتركة سوى كلمة عروبة وأحياناً العواطف والمشاعر"
ورأى أدونيس أن العرب، وفي مواجهة القضايا والتحديات المحورية، لا يشكلون دولة واحدة بل مجموعة دول مختلفة، وأعطى مثلاً على ذلك قضية فلسطين، وتساءل بقوله "ماذا فعل العرب من أجل قضية فلسطين وهي قضية مصيرية، وما هو موقفهم تجاهها"
ورد قائلاً "لا شيء، لأن العرب منقسمون في المرحلة الراهنة إلى دول ومحاور". وفي هذا السياق، دعا أدونيس العرب إلى ضرورة إعادة النظر بالوحدة العربية، ما داموا لا يشكلون كياناً موحداً بالمعنى السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وحالة الانقسام الراهنة لا يستطيعون أن يصوغوا مشروعاً ثقافياً، على حد وصفه
كما حثّ أدونيس العرب إلى الخروج من دوامة سياقات العروبة القديمة والشعارات التقليدية لاعتقاده بأنها انتهت، مشيراً إلى أن السياقات الجديدة غير متوفرة الآن نظراً لعدم وجود أي إطار أو أفق سياسي أو اقتصادي أو ثقافي، مع الأخذ في الاعتبار أن العالم العربي يمر الآن في مرحلة عقم شديد، والعالم الجديد لم يبدأ، والمثير للدهشة أن العرب يرفضون الاعتراف بذلك وبالفشل في إنتاج أي عملٍ إبداعي في ميدان العلوم على حد تعبيره
وبعدما أوضح أن صياغة السياق العربي الجديد ما زال موضع بحث ودراسة تساءل أدونيس بقوله "من هم العرب الذين سيقررون هذا السياق؟ لا أحد، لأنهم بدأوا ينفصلون عن بعضهم البعض ويتمزقون دولاً وشعوباً، حيث أصبح الجزء وكأنه الكل، ولم يعودوا كشجرة واحدة ذات أغصان وفروع، بل أشجار متعددة، ويجب علينا أن نقرّ بهذا الواقع، وحتى يعودوا إلى مرحلة الشجرة الواحدة يحتاجون إلى فترة زمنية طويلة"
ورفض أدونيس الرد على سؤال حول الذين يتهمونه بالكفر والالحاد، واكتفى بالقول "لا يحق لأحد أياً كان أن يُطلق كلمة الكفر أو الالحاد على أي أحد كان، كما أنه ليس من حق أحد كان أن يعطي شهادة التقوى والإيمان إلى أي أحد كان"
ورداً على سؤال حول طبيعة العلاقة بين الشعر والسياسة، ومدى تأثير الفن والأدب في السياسة قال أدونيس "في الحقيقة، علاقة الفن والأدب والشعر بالسياسة هي مشكلة قديمة، وقد سبق لبعض النقاد والمفكرين أن قدموا أجوبة وحلولاً، ولكن في اعتقادي لا بدّ من التمييز بين مستوين في السياسة: المستوى الأول، هو السياسة التي تتناول بناء المدينة والدولة والمجتمع على أسس ثابتة من مختلف النواحي، والمستوى الثاني، هو المستوى العملي أي السياسة المرتبطة بإدارة النظام العام ومتابعة الأوضاع الزمنية وتطوراتها. وإذا ميّزنا بين المستوين يمكننا أن نعتبر الفن والأدب والشعر سياسة، وكذلك الحب هو نمط من أنماط السياسة في المعنى الأول. ومن هذا المنطلق، أستطيع القول بأن كل الأشياء تندرج في إطار السياسة"
وأضاف أدونيس قائلاً "أما في إطار المعنى الثاني للسياسة، فإن كل الإيديولوجيات الحديثة وخاصة اليسارية وتحديداً الشيوعية والنازية والقومية المتطرفة بشكل عام، والأدب والفن والشعر بشكل خاص جرى تسخيرها كوسيلة لخدمة النظام وسياسته". وأكد أدونيس أنه شخصياً ضد هذا الاتجاه بمختلف اهدافه وأبعاده كلياً، لاعتقاده أنه "إذا تمّ تحويل الأدب والفن والشعر إلى وسيلة لخدمة غايات وأهداف سياسية للنظام، فعندها نخسر القيمة المعنوية للأدب والفن والشعر، والكثير من التجارب التاريخية تؤكد ذلك". ورأى أن "كافة الأنظمة والإيديولوجيات التي وظّفت الأدب والفن والشعر اجمالاً من أجل خدمة سياستها قد مُنيت بالفشل الذريع، ولم تنتج أي نوع من الابداع الأدبي أو الفني أو الشعري الكبير المستوى"
وشدّد الشاعر اسبر على القول "من هذا السياق، فإن الأدباء والفنانين والشعراء الذين رفضوا الانضمام إلى جوقة الإيديولوجيات هم الذين برزوا وتفوقوا وأبدعوا في إنتاجهم الأدبي أو الفني أو الشعري، في حين انحدر إنتاج الكتّاب والأدباء والمفكرين والفنانين والشعراء الذين كرّسوا حياتهم لخدمة الأنظمة الحاكمة وسياساتها، فقد صاروا جزءً من التاريخ". كما أعرب أدونيس عن اعتقاده القوي بأنه "لا يمكن للفن الذي يجسّد الرؤية العظيمة للكون والوجود والإنسانية، وهي بالنسبة لي رؤية فنية، أن يكون وسيلة لخدمة السياسة، لأنه عندما يتحول الفن إلى وسيلة ينحدر مستواه، ولا يفيد القضية التي نزعم أنه يخدمها". ورأى أن ما يقال عن هذه المسألة في بعض الايديولوجيات الاشتراكية يمكن أن يقال عن الإيديولوجيات القومية أو النازية، ويمكن أن ينسحب كذلك على الأدب العربي، على تعبيره
وأشار أدونيس إلى أن "كل الكتابات العربية التي كانت مجرد دعاية للقضايا العربية المعاصرة، سواء أكانت قضية فلسطين أو قضية تأميم قناة السويس أو الثورة الفلسطينية، أو حتى الأنظمة التي سمّت نفسها ثورية، وكذلك كل الأدباء والفنانين والشعراء الذين حاولوا خدمة هذه القضايا العربية منفردة أو مجتمعة، تحوّل أدبهم وفنهم وشعرهم إلى مجرد دعاية، ثم انتهوا وصاروا جزءً من الإعلام الماضي، وهذا يندرج في إطار المعنى الأول، أي تكريس الفن من اجل خدمة السياسة". واعتبر أن الأدب والفن والشعر الذي يناهض السياسة، هو الذي يلاقي رواجاً أقوى، لأنه جديدة يقدّم رؤية للإنسان، ونمطاً لعلاقات أفضل بين اللغة والأشياء وبين اللغة والإنسان، وبالتالي تقديم صورة جديدة للحياة تؤثر بالإنسان تاثيراً حراً، في حين أدى استخدام الفن لخدمة أهداف سياسة إلى اضمحلاله"
ورداً على سؤال حول اسباب انحدار مستوى اللغة العربية الفصحى، استعرض أدونيس تاريخ اللغة العربية وقال ان "النبي محمد استخدم الشعر لخدمة الدين الإسلامي عندما ظهر في شبه الجزيرة العربية وتحديداً في مكة". وأكد أن الكثير من الشعراء توقفوا عن نظم الشعر وأمامهم القرآن الذي هو الشعر الأكبر والأعظم، والكتاب الذي لا يمكن لأحد أن يتخطاه". وأوضح قوله "ولكن حين بدأ الشعراء العرب يعملون من أجل خدمة الدين الإسلامي حاول الكثير منهم نظم الآيات القرآنية نظماً شعرياً، ولكن القراء فضلوا الآيات القرآنية مباشرة، ولذلك، لم تلق قصائد الشعراء العرب رواجاً، فانحدر مستوى الشعر خلال الفترة الإسلامية الأولى، وفي العصر الأموي استرد الشعر العربي أهميته الشعرية
ورداً على سؤال حول مدى إقبال الجمهور على الكتب الأدبية والشعرية في العالم العربي مقارنةً باقبال القراء في أوروبا على كتبه وشعره قال أدونيس "لا بدّ هنا من التأكيد أن وضع الأدب العربي هو جزء من وضع الأدب العالمي، ولكن هناك طبعاً فروقات بالدرجة وليس في النوع. فمشكلات الأدب في العالم العربي هي نفسها مشكلات الأدب في أوروبا والعالم، مع ضرورة ملاحظة اقبال القراء على الأدب السهل وخصوصاً الرواية السريعة على مستوى العالم كله ومنه العالم العربي، ولا سيما بعدما صار هناك كتابة تحمل اسم ثقافة المترو والترامواي والقطار". وهنا أعرب أدونيس عن اعتقاده بأن "هذا النوع من الكتابات والروايات القصيرة لها جمهورها العريض، لأنها لا تطرح على القراء أسئلة فكرية صعبة أو قضايا إنسانية أو وجودية معقدة، بل تركز على أسلوب التسلية ونمط التشويق والسرد السينمائي أو التلفزيوني وأخبار الفنانين والعناصر الجديدة في الإعلام مثل شبكة الانترنت وأجهزة الاتصالات والكمبيوتر والألعاب الرياضية، وخصوصاً في أوروبا، وذلك في مؤشر اعتبره الكثير من الأدباء والفنانين والشعراء دليلاً مقلقاً للثقافة"
وبعدما أشار إلى تراجع ثقافات قديمة مثل السومرية واليونانية والفرعونية التي نقلت حضارات تاريخية عريقة لصالح الثقافات والايديولوجيات الجديدة، أكد أدونيس أنه "على ضوء مستوى القرّاء صار نوع الثقافة والمثقفين أفقياً وكمياً أكثر منه عمودياً ونوعياً"، وأوضح قوله أن "أعظم مفكر فرنسي أو ألماني لا يبيع من كتبه سوى ألفي أو ثلاث آلاف نسخة يقرأها نخبة من المثقفين والمختصين وأساتذة الجامعات والمدعين، أي ربع ما تبيعه رواية من الدرجة العاشرة". واعترف أدونيس أن مشكلة القراءة وانتشار الكتب هي مشكلة عامة، ولكن الفارق الكبير هو بالدرجة وليس بالنوعية، وهو ما ينطبق على العالم العربي وأوروبا على حد تعبيره


